العنوان (مصر)يريدون لها دخول العصر من بوابة الفراعنة
الكاتب محمد امين العباس
تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-1989
مشاهدات 66
نشر في العدد 940
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 07-نوفمبر-1989
لقد تجاوب نفر مع الدعوة حتى فضلوا فرعون على موسى.
الدعوة لبعث الفرعونية مؤامرة تستهدف بث التعارض الثقافي بين القيم الإسلامية السائدة والإيحاءات الوثنية المسترجعة.
في الأسبوع الماضي قدمت اللجنة العلمية المختصة بعملية ترميم تمثال "أبي الهول" خطتها الزمنية لترميم التمثال والتي حددتها بـ 6 أشهر، وتُعد اللجنة أول لجنة علمية متفرغة تفرغًا تامًا لترميم التمثال، وقد خصصت للجنة كافة الإمكانات والامتيازات الكفيلة بتأمين سرعة الإنجاز من إقامة دائمة في موقع العمل وتوفير الاتصالات والمواصلات "انتهى".
ومن جانب آخر فقد أعلن مصدر مسؤول في شركة مصر للطيران عن انضمام طائرة جديدة إلى أسطول الشركة وهي من طراز "بوينغ" وقد أُطلق عليها "تحتمس الثالث" "انتهى".
كما تم في وقت سابق من هذا الشهر سباق للسيارات تحت اسم "رالي الفراعنة" "انتهى".
الأخبار التي سبقت أعلاه جاءت دون رصد دقيق.. بل مجرد أمثلة عشوائية تزامنت وقتًا ومكانًا للتدليل على مجرد نموذج للحضور المباشر للتراث الفرعوني في الحياة المصرية... ووجه الاعتراض هنا لا ينحصر في حدود المسميات ولو أن مسألة الحضور الفرعوني تبقى في أطر "الاستكناه" التاريخي لَهان الأمر، غير أن القضية أكبر من اللافتات التاريخية والاستذكارية الحضارية، وإنما دلالة المسألة في أبعادها العليا تتصل بتحديد الهوية الثقافية والتي هي بمثابة بوتقة الانصهار لعناصر المبادئ والقيم والحركة لتشكل في خاتمة المطاف سلوكيات الأمة وتبرز الشخصية الحضارية... ولهذا فإن وجه الاهتمامات المبذولة من أجل نبش الماضي الفرعوني وإبرازه في الحياة المعاصرة ليست اهتمامات مؤسسات مصرية محلية فحسب، وإنما تقف وراءها دول ومنظمات وأجهزة لها مسميات عديدة، فهي المنظمة الدولية لحماية ورعاية الآثار، أو هي مؤسسة روكفلر الخيرية، ومرة هي منظمة البحث التاريخي إلخ.. وإلقاء نظرة عابرة على نتاج تلك المؤسسات من الأبحاث وكيفية التفنن في نشرها في مصر يؤكد حجم الاستهداف للهوية الثقافية... وإذا أضفنا إلى ذلك البهرجة الإعلامية العالمية الصاخبة المرافقة لكل حدث يتصل بالاكتشافات والآثار الفرعونية في الماضي القريب، حيث قدمت فرقة إيطالية مصرية "أوبرا عايدة" في أهرامات الجيزة وعرضًا آخر في الأقصر، وتبع ذلك ضجة إعلامية مدوية ولكأنها أمر تاريخي جليل قد حدث، وعندما سافرت مومياء رمسيس للعلاج في أمريكا أفسحت الصحف والمجلات الغربية عدة صفحات مشاركة منها في تمجيد التاريخ "المشرق" للفرعون "العظيم"، والأمثلة في هذا المجال أكثر من أن تُحصى.
بدعة غربية
لا أعرف شعبًا شغل بآثاره مثل أعداء الله اليهود، غير أن اليهود يبحثون عن آثار تتصل مباشرة بالمرجعية الفكرية لثقافتهم، فهم يبحثون عن هيكل سليمان عليه السلام وهو جزء لا يتجزأ من عقيدتهم. غير أن مصر شغلها الإفرنج بالبحث عن آثار عديمة الصلة بتاريخهم القريب، كما أنها آثار تتصادم جملة مفاهيمها مع عقيدة الأمة. فما ورد من ثقافتهم إلينا يبدأ بعبادة الفرعون وينتهي بإقامة الأهرامات الجبارة لتحمي جثة الفرعون "المعبود". أما ما ذكره القرآن في شأن الفراعنة فلم يكن حسنًا ولا محل اعتزاز، ففرعون في أكثر من 44 موضعًا كان رمزًا للطاغوت والجبروت وقهر الشعوب، ومن جانب آخر فإن الشعب المصري المعاصر لم تُثبت الدراسات العلمية بأنه سليل تلك الأمة الهالكة، وإنما كانت مصر دائمًا ملتقى الجماعات السكانية، والمؤكد أن الدماء العربية اختلطت فيها مع دماء شعوب البحر الأبيض المتوسط.. بالرغم من ذلك فإن الغرب ومنذ وقت مبكر تعمد إبراز الحضارة الآثارية للفراعنة في مقابل اجتثاث الجذور العربية والإسلامية لأقوى دول العالم الإسلامي تأثيرًا ووجودًا وحضارة، وعلى ما يبدو أنه نجح كثيرًا في التشويش على المنطلقات الثقافية لمصر ومن ثم تأخرت نهضة العالم الإسلامي..
وفي هذا السياق يحضرني قول دكتورة مصرية موقرة عندما أرادت أن توضح عناصر هويتها وكان ذلك في ندوة الأهرام التي عقدها الزعيم الليبي معمر القذافي عام "1971"، فقالت إنها "فرعونية عربية إسلامية"، وهي ليست على استعداد للتنازل عن أي من تلك المكونات، علمًا بأن الدكتورة المذكورة تعمل أستاذًا في قسم الدراسات الإسلامية بالأزهر... وبعد هذا ألا تُسلم بأن مشروع الغرب في زعزعة الهوية الثقافية قد أصاب بعض النجاح!!
لماذا مصر؟
في كتابه "الاستشراق" أورد الباحث الأمريكي والفلسطيني الأصل د. إدوارد سعيد الملامح الثقافية والفكرية التي تطلع نابليون بونابرت أن تحملها مصر المستقبل، وقال إن مصر يجب أن تبقى مفتوحة فهي ليست نتاج حضارة وجهد لإقليم معين، وإنما هي تحمل ملامح الإسكندر وروما وحضارة الجنوب الأوروبي، ولهذا كانت حملة نابليون حملة علمية استكشافية أكثر منها عسكرية مخبرية وتجريبية. ومن هنا انطلقت حمى الآثار والآثار الفرعونية بصفة خاصة، ومصر في ذلك نسيج وحدها، فالعالم القديم كله يعج بالآثار، فالصين والهند وأرض فارس حضارات الفرس والعراق وحضارات بابل والشام وحضارات الرومان وحتى المكسيك تنام على أرض حبلى بآثار الحضارات الغابرة، غير أن الغرب لم تلفت انتباهه ولم تشد إلا آثار الفراعنة في مصر.. فالغرب بعد تجاربه التصادمية السابقة مع الشرق الإسلامي أفضى لحقائق أكثر تأثيرًا في زرع نفوذه وإبقاء الشعوب الإسلامية مشدوهة للإنجازات الحضارية ومنكسرة تجاه تفوقه الاقتصادي والسياسي والعسكري والعلمي، وكل تلك الاستراتيجيات لم تتم إذا ما بقيت الشعوب الإسلامية معتصمة بالإسلام عقيدة وثقافة ومنهج حياة. وفي سبيل إلجام الشرق الإسلامي كله يأتي الدور الفاعل لمصر، ولهذا كانت حملات الإغراق الثقافي على مصر أكبر من سواها، وبذلك يضمن الغرب ضعضعة الأمة الإسلامية عمومًا بعد أن أحكم سيطرته الثقافية على مصر، ولهذا وُجّه الاهتمام لآثار الحضارة الفرعونية حتى تختل مرتكزات الهوية العربية الإسلامية في نفس الشعب، وبلغت درجة الاختلال مبلغًا كتب عنه أحد المشايخ موضوعًا في جريدة الأهرام ذكر فيه أن فرعون موسى الذي أغرقه الله في البحر أكثر وطنية من موسى عليه السلام وأنه - أي فرعون - "بطل قومي" قام بطرد الإسرائيليين من مصر - هكذا والله - ويذكر د. إدوارد سعيد بأن الغرب قام بصناعة الشرق الذي يريده هو، وبنفس المنطق فقد عمل الغرب بجهود متواصلة لصناعة مصر التي يريد.
مؤسسات
ارتبطت عمليات بعث الآثار والحضارة الفرعونية بالسياحة وبما تدر من عملات صعبة على الدولة، وبذلك أضحى الاهتمام بالآثار الفرعونية ذا عائد مادي بالإضافة لما يمثله من أثر أدبي - أو هكذا صور لنا -. والسياحة مؤسسة شُكلت ابتداءً على هوى الإنسان الغربي - ومزاجه... وهي تتخلى عن معيارها القيمي منذ البداية لجذب السائح العربي ويُستباح تحت رايتها ما لا يستباح أصلًا، وهي بذلك أفضل حاضنة لعمليات بعث الحضارة الفرعونية، ومن هنا قامت بإنشاء مدينة فرعونية كاملة تجسد حياة الفراعنة في أزيائهم وعاداتهم وسلوكياتهم اليومية، وهو ما يعمق الصلة بين الشعب المصري المسلم عقيدة وبين ثقافة جاهلية تتعارض أبسط قواعدها مع عقيدته الإسلامية. وترعى وزارة السياحة ووزارة الثقافة قسطًا وافرًا من البعث التراثي، وتجذرت الصياغة عندما قامت إحدى شركات الإنتاج بمسلسل يضم أكثر من 36 حلقة رفعت فيه الفراعنة وشعبهم إلى مصاف أهل الرسالات وجعلتهم "مسلمين"، وكانت المفارقة في أن عنوان المسلسل هو "لا إله إلا الله" علمًا بأن القرآن نعى على فرعون وآل فرعون ومن أطاعهم بسلوكياتهم الفجة وعقائدهم في عبادة الفرد "الحاكم"، وصيغة التنكير تدل على عموم الفراعنة.
وفي بدايات هذا القرن قامت دعاوى القوميات كرد فعل على ما انتحلته أوروبا الغربية، فظهرت دعوى الفرعونية كقومية أراد بعض مثقفي العلمانيين أن تقوم مقام الإسلام والعروبة، كما ظهرت أقاصيص ودوريات لتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ودراسات للطفي السيد وعبد العزيز فهمي وطه حسين وسلامة يونس تدعو لمصر الفرعونية، غير أن تلك المزاعم ذهبت أدراج الرياح ولم تُقنع أحدًا غير قائليها، وهي في عمومها تدلل على عمق الغزو الفكري المنظم الذي أصاب جمهرة من رموز الثقافة في بعض المراحل المبكرة.
وتريد
إن الانسياق خلف السراب الحضاري الفرعوني جزء من مؤامرة تدمير مقومات الأمة البناءة، وهي بالإضافة للعنصر الانصرافي الذي تُخلفه لدى المسلم المصري، تقوم بعملية إيهامية توحي بأن هناك حضارة تستحق التقدير ويجب الاعتزاز بها... إن الوحدة الثقافية للأمة جد ضرورية، غير أن الأكثر ضرورة منها توحيد الثقافة في ذاتها، وأعتقد أن الخلخلة التي أصابت الثقافة الإسلامية من تضاد المفاهيم الفرعونية لن تساعد في تمكين مجتمع ناهض وذي ثقافة بناءة، فهل نعي حجم المؤامرة المركزة في عمليات بعث الحضارة الفرعونية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل