العنوان نظرة الغرب الخاطئة للعالم الإسلامي
الكاتب البروفيسور جون أسبوزيتو
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1995
مشاهدات 65
نشر في العدد 1145
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 11-أبريل-1995
دراسات
إنهم يعطون أصواتهم للإسلام في الغرب «2 من 2»
* إن التأييد الأمريكي لـ «إسرائيل» والأنظمة القمعية في المنطقة يزيد موجة العداء الإسلامي العام لها.
* إن فرحة الغربيين بالتحولات الديمقراطية في أوروبا الشرقية يقابلها خوف وصمت إزاء نفس مطالب الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي.
* إن التعصب الديني في الغرب يعمي بصيرة حتى عقلاء الغربيين حينما يتعاملون مع العالم الإسلامي.
بقلم : البروفيسور جون أسبوزيتو (*)
من الدروس المستفادة من التجربة السوفييتية أنها أثرت على الصياغة السياسية لدينا إزاء العالم الإسلامي؛ فالاحتفال بانهيار الشيوعية وانتصار الديمقراطية قد صاحبهما شعور متنامٍ بالحجم الذي وصل إليه الخوف والنزوع إلى تصوير العدو بالشيطان، الأمر الذي أعمى نظر الكثيرين عن حقيقة شخصية وحجم الخطر السوفييتي.
وإن النظر إلى الاتحاد السوفييتي من منظار أو مجهر إمبراطورية الشر، كان دائمًا يعتبر أمرًا مقنعًا أيديولوجيًّا وعاطفيًّا، ومبررًا لنا لصرف وإهدار طاقات وإمكانيات ضخمة، وداعمًا لتطوير عسكري صناعي واسع وضخم.
وهكذا فإن نظرتنا النمطية المبسطة للعدو وطبيعة الخطر السوفييتي المبالغ في تضخيمه قد أثبتتا أنهما كانتا مكلفتين، وعلى الرغم من المعلومات والتحليلات الاستخباراتية الضخمة، فإن قليلين هم الذين عرفوا في النهاية «إن الإمبراطور كان عاريًا»، وإن الأجهزة الحكومية والمستودعات الفكرية «Academic think tanks» لم تتكهن بحجم وسرعة تفتت الإمبراطورية السوفييتية.
إن المخاوف المبالغ فيها والنظرة المتحجرة التي دفعت بنا إلى اتخاذ خطوات هرقلية ضد العدو الخرافي، قد أعمت نظرنا عن حقيقة التنوع داخل الاتحاد السوفييتي والمتغيرات الضخمة التي كانت تحدث هناك.
تكرار الخطأ مع العالم الإسلامي
وهكذا نجد أنفسنا اليوم في محاولتنا للفهم والتعامل مع العالم الإسلامي أمام تحد لمقاومة الأساليب والحلول النمطية السهلة، وإن أسهل الطرق لفهم الإسلام والإسلام السياسي كخطر هو أن نقتنع- سلفًا وبلا مقدمات- بوجود خطر إسلامي دولي «Pan Islamic» ذي طبيعة ضخمة «Monolithic»، وعدو تاريخي تقف عقيدته وطروحاته «أجندته» على النقيض من الغرب، وإن مثل هذا الفهم يقود إلى تأييد الأنظمة المتسلطة والفردية القائمة في العالم الإسلامي بأي ثمن، بدلًا من المغامرة بقبول نظام حكم إسلامي تريده شعوب المنطقة.
وأكثر الطرق صعوبة هو الابتعاد عن الحلول النمطية والسهلة، كما كانت النظرة المبسطة إلى الاتحاد السوفييتي وشرق أوربا من خلال منظار «إمبراطورية الشر» لها ثمنها الكبير، فإن الأمر كذلك بالنسبة لنظرة الإدارة الأمريكية وأجهزة الإعلام فى مساواتها للإسلام والأصولية الإسلامية بالراديكالية والإرهاب ومعاداة أمريكا، تلك النظرة التي كلفت كثيرًا، وعرقلت فهمنا وتكييفنا لمواقفنا، كما لاحظ باتريك بارنارمان وهو دبلوماسي بريطاني سابق، ومحلل سياسي الوزارة الخارجية البريطانية، والذي ذكر في كتابه «نظرة إلى الإسلام» أن كيفية تفكير غير المسلمين بأوضاع الإسلام هي التي تحدد الأسلوب الذي يتعاملون به مع المسلمين، كما أنها تحدد في المقابل طريقة تعامل المسلمين ونظرتهم لغير المسلمين، إن التحدي الذي نواجهه اليوم يتمثل في الاعتراف بتنوع الحركات الإسلامية وقادتها، وتأكيد الدوافع والأسباب وراء الواجهات والصراعات مع الأحداث والملابسات بدراية وبأساليب إيجابية، بدلًا من الأخذ بالأحكام المسبقة والتوقعات وردود الأفعال.
نظرتنا لشرق أوروبا والعالم الإسلامي
إن مشاعر الفرحة والابتهاج بعملية التحول الديمقراطي في شرق أوروبا يقابلها الخوف في مقارنة حادة، أو في أفضل الحالات صمت الحكومة الأمريكية- وكثيرين في الغرب بكل تأكيد- إزاء مطالب شبيهة لتلك الحركات الإسلامية الشعبية في العالم الإسلامي بصورة أشمل، كما أن الفشل في التحدث علانية وبقوة لصالح التحول الديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط، وإدانة الأنظمة القمعية- التي تبطش بالحركات الإسلامية في مصر والجزائر وتونس- يحرم الإسلاميين في الواقع نفس الحقوق في المشاركة السياسية وحقوق الإنسان كبقية الناس، ويثير في نفس الوقت تساؤلات كثيرة حول الأسلوب الانتقائي selective لعملية التحول الديمقراطي تجاه- كما هو الحال بالنسبة المعركة ضد الشيوعية أثناء الحرب الباردة- تفسير الاستقرار بمفهوم تأييد سياسية الأمر الراهن «Status quo» حتى ولو كانت بعض الأنظمة فردية ومتسلطة.
إن السبب الذي يساق لغض النظر والاستمرار في تأييد أنظمة الشرق الأوسط الفردية المتسلطة هو إثارة التساؤل في قابلية طبيعة الإسلام أو الثقافة العربية للتحول الديمقراطي.
ومن المفارقات أن مثل تلك الاتهامات لم تثر بالنسبة لحالة الاتحاد السوفييتي وشرق أوربا، ولا ندري هل كان ذلك لأن شعوب شرق أوروبا والاتحاد السوفييتي- والتي غرقت لعقود طويلة في خضم الحكم الشيوعي والاشتراكي- أقل قابلية للحكم الاستبدادي؟ أم ذلك لأننا نعتقد بأن الثقافة والتقاليد اليهودية المسيحية المشتركة في الغرب قد وفرتا أرضية أيديولوجية مشتركة قوامها الديمقراطية؟
إن السطحية والمعالجة النمطية والتاريخ والتجربة والتعصب الديني والفكري Chauvinism تعمي حتى بصيرة أكثر الناس اعتدالًا وتعقلًا في الغرب عندما يتعاملون مع العالمين العربي والإسلامي، وبالطبع يمكن إثارة تعليقات مشابهة بالنسبة لتعامل بعض المسلمين مع الغرب، والنتيجة هي ازدواجية في نظرة الطرفين لبعضهما البعض كمصدر خطر، مما أوجد شعورًا بين الطرفين يؤكد على حتمية المواجهة مستقبلًا.
وفي بعض الحالات نجد أن موقف الغرب من الشيوعية قد تحول إلى أو تكرر لمواجهة خطر جديد هو «الأصولية الإسلامية»، ومن المؤكد خلال حقبة التسعينيات أن آثار الاستقطاب تتجلى في النزعات السائدة لدى الأنظمة الموجودة في العالم الإسلامي والغرب وأجهزة الإعلام وكثير من المحللين، وتتلخص في القفز إلى النتائج وبدون أدنى اعتبار لتنوع المنظمات الإسلامية واختلاف الأطر الاجتماعية، لتصل إلى أن الأصولية الإسلامية هي أساسًا خطر وتهديد عالمي، وبناء على تلك النظرة الغربية تستغل كثير من الحكومات الإسلامية خطر الإسلام الأصولي لضرب الحركات الإسلامية.
إنهم ينشرون المخاوف من الخطر الداهم للراديكالية الإسلامية بالنسبة للمنطقة والغرب، مثلما فعل كثيرون في السابق عندما استغلوا مناهضة الشيوعية كذريعة لفرض الحكم الفردي المتسلط، ولكسب تأييد وعون الدول الغربية، وهم الآن يعلنون خطر المنظمات الإسلامية، ويقومون باعتقال قادتها، وينتهكون حقوق الإنسان بدعوى أنهم يواجهون شبابًا متطرفين يهددون مستقبلها .
إن النظرة النمطية الغربية بوجود حركة أصولية متحدة ذات طابع دولي يهدد استقرار العالم العربي وكذلك المصالح الغربية، تستغل بواسطة الدبلوماسيين العرب التابعين لدول لها علاقات قوية مع الغرب، والذين يقولون إن الأصولية ذات محتوى عالمي، ولديها فروع في كل مكان، والتوسع الأصولي سوف يهدد بطبيعة الحال الدول الصناعية عندما يهتز استقرار معظم الدول العربية.
التحليلات غير الدقيقة
إن تركيز هذه النظرة على الراديكالية ومساواة الإسلام بالتطرف الذي يهدد بمواجهة الغرب، قد صار من الأمور الشائعة والمسلم بها، وإننا دائمًا معرضون من خلال أجهزة الإعلام والنشر لطرح عاطفي يعتمد على الإثارة والتفخيم، ويعزز التعميمات السطحية والأفكار النمطية بدلًا من تحدي فهمنا للتاريخ بالتساؤل من- Who ولماذا- Why، والأسباب الحقيقية للعناوين الرئيسية Headlines، وكما كان الحال بالنسبة للموقف تجاه الشيوعية في عهد ما كارثي، فإن عدم انتقاد الأصولية الإسلامية ببساطة في الندوات واللقاءات الحكومية والأكاديمية ينظر إليه باعتباره انحيازًا أو تعاطفًا مع العدو.
وهناك درس يجب الاستفادة منه، وهو فشل المحللين الأذكياء الذين ظلوا يحذرون من مخاطر التهديد الشيوعي الداهم، في الوقت الذي كان فيه الاتحاد السوفييتي يتفتت من الداخل، وهذا يؤكد أن التحليلات المبتورة والتي تعزز الطروحات النمطية المريحة والفرضيات العلمانية الغربية- وهي الفكرة التي توشك أن تكون «الأصولية العلمانية»- يجب تجاوزها إذا كان علينا أن نتفادى المزالق الأيديولوجية الناتجة عن التحليلات السياسية التي تعتمد على عامل تضخيم الخطر.
لا بد من إدراك حقيقة الإسلام
إن تجربة العقد الماضي تنبهنا إلى ضرورة أن نكون أكثر وعيًا للتنوع داخل الحركات الإسلامية، الذي يكمن وراء الوحدة الظاهرية للإسلام، وأن نأخذ في الاعتبار التحليل الأكثر دقة للوحدة والتنوع في الإسلام والمسائل الإسلامية، إن الأفكار والآراء المتعارضة قد ولدت مجتمعات وشعوبًا إسلامية متعددة، وقادة ومنظمات إسلامية عديدة، إن تنوع الأنظمة العسكرية لضياء الحق باكستان أو جعفر نمیری وعمر البشير الآن في السودان وعلاقاتها المتضاربة مع الغرب، والحركات الإسلامية المختلفة قد تم تشويهها بتثبيت المعنى، وتضخيم الصورة والإصرار على تسميتها بالأصولية الإسلامية.
وراء الإشارة العامة لبديل إسلامي أو لمبادي أيديولوجية عامة نجد مستويات متعددة للخطاب السياسي «discourse» عندما ننظر لمجموعة عريضة من الأنظمة والمجتمعات والمنظمات الإسلامية.
إن هناك الكثير من الاختلافات وأوجه الشبه في المفاهيم والتفسيرات الإسلامية لطبيعة الدولة، والقانون الإسلامي، ووضع النساء والأقليات، كما أن هناك اختلافات حادة بالنسبة للوسائل «صناديق الاقتراع ومراكز الخدمات الاجتماعية»، والمواجهات العنيفة التي تستعمل لتطبيق وتحقيق نظام أو نموذج حكم إسلامي، وهكذا نجد اليوم، كما كان في الماضي تنوعًا كبيرًا في المفاهيم والتفسيرات والتوضيحات والتطبيقات الإسلامية، والإسلام السياسي، مثل الدعوة لأي دين أو أيدولوجية، يمكن أن يكون مؤثرًا كما يمكن أن يكون مصدر خطر، إن الأيديولوجيات العلمانية قد أثبتت بنفس القدر أنها عرضة للاستغلال والمناورة، إن نشر إرادة الله كنشر الديمقراطية، يمكن أن يكون مبررًا مقبولًا للتحول إلى الإمبريالية والقهر والظلم باسم الله وباسم الدولة.
التحدي الإسلامي للمجتمعات الغربية
إن الإسلام السياسي يتحدى المجتمعات الغربية دينيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا في نهاية الأمر، لأنه في بعض صوره تساؤل مباشر- ورفض في بعض الحالات- ضد التقاليد والموروثات التي نعيشها- المادية التحررية- الفردية- رغم أنها تكون تجسيمًا كاريكاتيريًّا المدى التزامنا بالقيم التي نؤمن بها- حق تقرير المصير والمشاركة السياسية، التسامح وحرية التعبير- وإن قبول التحدي بأن تسير كما قد «walk the way you talk» يكون أمرًا مزعجًا، ولكنه في حد ذاته ليس أمرًا مجحفًا، كما أن الإسلام السياسي نفسه يواجه تحديًا من ذات نفسه، ويحتاج إلى انتقاد ذاته، وذلك لكى يرتفع إلى مستوى المبادئ التي يبشر بها، ويطالب الآخرين بالتمسك بها، وأن يتفادى ويستنكر التجاوزات التي ترتكبها الحكومات أو المنظمات التي تعرف نفسها بأنها إسلامية.
وأخيرًا أن يتحمل المسؤولية- أو يتقاسمها- في لومه للغرب بأنه سبب إخفاق المجتمعات الإسلامية، إن واقع المجتمعات الإسلامية اليوم يساهم في خلق المناخ الذي يمكن فيه انتشار الإسلام والمنظمات الإسلامية النشطة في مجال التنمية السياسية والاجتماعية في معظم الدول الإسلامية.
كذلك فإن الدول الإسلامية تعيش في أجواء الأزمات، حيث يعبر فيها الكثير من مواطنيها عن فشل الدولة والصبغ العلمانية للحكم- من قومية واشتراكية- ويستند حكام هذه الدول والصفوة الحاكمة فيها إلى شرعية هشة في مواجهة سخط شعبي متنام ومعارضة، حيث ينشط في صفوفها الحركيون الإسلاميون، ويصبحون أكثر الناس تأثيرًا وأعلى صوتًا.
إن مدى فشل الأنظمة الحاكمة في الدول ذات الغالبية المسلمة في مواجهة المطالب الاجتماعية والاقتصادية لمجتمعاتها، وتقييدها للمشاركة السياسية، وعدم مبالاتها لحاجتها الماسة في جعل الإسلام جزءًا لا يتجزأ من هويتها الوطنية وأيديولوجيتها، أو أن تبدو في مظهر الدول المعتمدة على الغرب، هذه كلها تساهم في إيجاد بديل سياسي إسلامي، ومن هنا فإن السياسات الإسلامية المعاصرة تعتبر تحديًا أكثر من كونها خطرًا، إنها تشكل تحديًا للغرب؛ لكي يعرف ويفهم تنوع التجربة الإسلامية، وهي تحد لحكومات الدول الإسلامية، لكي تكون أكثر استجابة للمطالب الشعبية من أجل التحرر السياسي والمزيد من المشاركة الشعبية، ولكي تتسامح مع الحركات الإسلامية بدلًا من قمعها، ولكي تبني مؤسسات ديمقراطية راسخة، وفي نفس الوقت تتحدى القوى الغربية لكي تقف بجانب القيم الديمقراطية التي تؤمن بها، وتعترف بشرعية المنظمات الشعبية، وحق الشعوب في اختيار حكوماتها وقادتها، وكما يكشف التاريخ والتجربة الأوروبية والأمريكية؛ فإن عملية التحول الديمقراطي تعتبر تجربة غير معروفة النتائج، ولكنها في ذات الوقت عملية مخاطر وانعكاسات على المدى البعيد والقريب.
إن المسائل الشرعية السياسية والمشاركة الشعبية في السلطة، والهوية الوطنية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية لا يمكن الاستمرار في وصفها وتحديدها وفرضها من أعلى دون دفع ثمن غال لذلك، سواء الآن أو في المستقبل من منظور التطور السياسي والوطني والاستقرار الإقليمي.
موجة العداء لأمريكا
إن التأييد الأمريكي للأنظمة القهرية من شأنه أن يكثف درجة العداء لأمريكا «Anti-Americanism»، كما وضح لنا في إيران الشاه ولبنان والسودان والضفة الغربية وقطاع غزة.
ولا يستطيع أحد أن ينفي أو يتجاهل حقيقة وجود مشاعر عداء قوي ضد الغرب في العالم الإسلامي- خاصة ضد أمريكا- في أوساط كثير من المعتدلين والمتطرفين- علمانيين كانوا أم إسلاميين- ويتجلى ذلك في التسليم بأن الولايات المتحدة ضد الإسلام، وتنحاز بصورة سافرة إلى إسرائيل، وفي إلقاء اللوم في أصل علل وأمراض المجتمعات الإسلامية على التأثيرات السياسية
والثقافية والاقتصادية والاجتماعية الغربية.
وفي نفس الوقت فإن الربط بين «المساواة المزدوجة double equation» بين الخمينية والإسلام والتطرف الراديكالي والأصولية ينتج عنها افتراض أن كل الحركات الإسلامية في جوهرها وطبيعتها معادية للغرب، ويتم بالتالي انتقاص أسباب العداء الحقيقية لأمريكا والراديكالية الأصولية.
إن الحركات تكون مدفوعة بالدرجة الأولى إلى معارضة سياسات غريبة محددة أكثر من كونها عداءً حضاريًّا، والفوارق بين الغرب والمجتمعات الإسلامية يمكن توضيحها من خلال تنافس المصالح السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، إن «الوجود والسياسة الأمريكية»- وليس حقدًا وراثيًّا ضد الأمريكيين- هما دائمًا الدوافع الرئيسية وراء التصرفات المعادية لأمريكا ومصالحها التجارية والعسكرية، كما أن المصالح الأمريكية يمكن أن تجد أفضل مناخ باتباع السياسات الواضحة، والتي تسير على خط معتدل في التعاون مع الدول الإسلامية الصديقة، والتمسك بسياسة واضحة وثابتة بما يتعلق بحقوق المواطنين في تقرير مستقبلهم بالوسائل الديمقراطية.
إن الافتراض الغربي بأن المزج بين الدين والسياسة يقود تلقائيًّا إلى التطرف والتشدد كان سببًا رئيسيًّا في الوصول إلى نتيجة أن الإسلام والديمقراطية لا يتفقان، كما أن الفشل في التمييز بين الحركات الإسلامية- أي بين المعتدلين الذين يرغبون في المشاركة والعمل من خلال النظام، وإحداث التغيير من القاعدة- والمتطرفين والمتشددين يعتبر نوعًا من التبسيط الذي يؤدي إلى نتائج عكسية، فالحكومة الأمريكية لا تساوي بين تصرفات الزعماء والمنظمات اليهودية والمسيحية المتطرفة، وبين الديانة اليهودية والديانة المسيحية من ناحية عامة، وبنفس القدر فإن الحكومة الأمريكية لا تدين المزج بين الدين والسياسة في «إسرائيل»، وبولندا، وشرق أوروبا، وأمريكا اللاتينية، إلا أنها يغيب لديها قدر كبير من التمييز عندما يتم التعامل مع الإسلام، فريط الرئيس ريجان بين القذافي والإرهاب الليبي بالحركات الإسلامية الأصولية في مختلف أنحاء العالم، وذلك في إعلانه قصف الطائرات الأمريكية لليبيا، يؤكد ما رآه واعتبره الكثيرون نهجًا عدوانيًّا ومعاديًا للإسلام، كما أن خطاب نائب الرئيس الأمريكي دان كويل أمام تخريج طلبة عسكريين في إنديانابولس في عام ۱۹۹۰، والذي ربط فيه بين النازية والشيوعية والأصولية الإسلامية المتطرفة يعكس أيضًا طرحًا مماثلًا خاطئًا.
إن الاعتقاد الأمريكي بوجود خطر إسلامي قادم يساهم دائمًا في تعزيز الأنظمة القهرية في العالم الإسلامي، وفى خلق نوع من الإشباع النفسي، كما أن إجهاض عملية المشاركة الشعبية في السلطة بواسطة الحكومات التي تلغي الانتخابات، أو تقوم بقمع الحركات الإسلامية الشعبية التي تثبت قوتها من خلال العملية الانتخابية- كما حدث في تونس والجزائر- يشجع بعض الحركات الإسلامية على التوجه نحو العنف والتطرف، كما أن الكثيرين من الذين يتعرضون لتجربة العنف من قبل الدولة- الملاحقة والاعتقال والتعذيب، أو يرون زملاءهم يتعرضون للتعذيب والموت في السجون- سيصلون إلى نتيجة واحدة، وهي أن السعي إلى الديمقراطية طريق مسدود، وسيضطرون إلى الانسحاب من المشاركة في العملية السياسية، ويزداد اقتناعهم بأن القوة أو العنف هو طريقهم الوحيد ضد الأنظمة القهرية، كذلك فإن الصمت الأمريكي الرسمي- أو دعمها السياسي والاقتصادي لتلك الأنظمة- يفسر ويترجم على أساس أنها تواطؤ، ودليل على الازدواجية في الموقف الأمريكي إزاء تطبيق الديمقراطية، فقهر السلطة وانتهاكات حقوق الإنسان وسكوت الولايات المتحدة الأمريكية عن تلك الممارسات من شأنه أن يخلق الظروف الملائمة التي تقود إلى المواجهة السياسية والعنف، ويعطي مبررًا للحكومات في العالم الإسلامي وبعض صناع القرار في الولايات المتحدة لإضفاء الشرعية على هذه الأنظمة الاستبدادية؛ لاعتقاداتهم السابقة، واستنتاجاتهم القائلة بأن الحركات الإسلامية عنيفة في جوهرها، ومعادية للديمقراطية، وتشكل خطرًا على الأمن والاستقرار الإقليمي.
على الولايات المتحدة احترام حقوق المسلمين
وعلى عكس رأي البعض، فإن الولايات المتحدة يجب عليها في الأساس أن لا تعارض تطبيق الشريعة الإسلامية في العالم الإسلامي، وكذلك استيعاب الحركيين «activists» الإسلاميين في الحكم، لأن هذه أمور داخلية تهم مواطني الدول الإسلامية فقط، ولهم الحق في تحديد خياراتهم، كذلك فإن الأفراد والمنظمات ذات التوجهات الإسلامية يجب تقييمها بنفس المعيار الذي يتم به تقييم غيرهم من القادة والأحزاب المعارضة، ورغم رفض بعض المجموعات والأفراد، فإن معظم القادة والحكومات ذات التوجهات الإسلامية ستكون أكثر حرصًا ودقة في علاقتها مع الولايات المتحدة، وسيتصرف هؤلاء عمومًا من منطلق مصالحهم الوطنية، ويبدون مرونة تعكس قبولهم بحقائق العلاقات الدولية المتشابكة.
إن على الولايات المتحدة أن تؤكد بالقول والفعل بأن إيمانها بحق تقرير المصير، والمشاركة الشعبية في السلطة، يشمل قبولها بوجود مجتمع ودولة ذات توجه إسلامي، طالما أن ذلك يعكس الرغبة الشعبية الشعوب العالم الإسلامي، ولا يشكل تهديدًا مباشرا للمصالح الأمريكية.
إن على الولايات المتحدة أن تتفادي أن ينظر إليها كدولة تتدخل في برامج الأسلمة التي تبادر إليها بعض الأنظمة، أو أن تبدو بمظهر المعادية لنشاطات الحركات والمنظمات الإسلامية، والتي لا تشكل برامجها ونشاطاتها خطرًا مباشرًا عليها، والسياسة الأمريكية- باختصار- يجب أن تصاغ وتطبق في الإطار الذي يسمح بالاعتراف بالخلافات الإيديولوجية بين الغرب والإسلام، والقبول بذلك إلى أقصى حد ممكن، أو على الأقل التسامح.
في العدد القادم:
التحديات التي تواجه الصحوة الإسلامية
(*) أستاذ علم الحضارات ورئيس مركز التفاهم الإسلامي المسيحي في جامعة جورج تاون- واشنطن- حق النشر بالعربية لـ «المجتمع».