العنوان الاتجاه الإسلامي يفوز بالمقاعد الأربعين لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-نوفمبر-1986
مشاهدات 51
نشر في العدد 793
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 25-نوفمبر-1986
- فوز الإسلاميين في جامعة الخرطوم أبرز حجم كل طرف على حقيقته، وقضى على آمال الطائفية في التسلل إلى الجامعة كما كشف مواقف الشيوعيين.
- نتائج الانتخابات أثبتت أن شعب السودان وفئاته المثقفة لا ترضى عن الاتجاه الإسلامي بديلًا في البلاد.
جاءت انتخابات اتحاد طلاب جامعة الخرطوم يوم ١٩ - ٢٠ أكتوبر الماضي لتقدم للمراقبين فرصة أخرى لاستطلاع الرأي العام المثقف، حول الاتجاهات الأساسية التي تشق الأجيال الشابة في السودان، ولتمحيص ما إذا كان فوز الجبهة الإسلامية القومية بكل دوائر الخريجين في الانتخابات النيابية الأخيرة دلالة قاطعة على انحياز المثقفين والمتعلمين والشباب إلى الخيار الإسلامي. وكان من حس الحظ أن أغلب الاتجاهات السياسية المشاركة في الانتخابات قد تقدمت في قوائم مستقلة؛ مما مكن من التعرف على وزن كل واحد منهم دون رتوش ولا تزوير.
المرشحون: تقدمت للمشاركة في الانتخابات الأخيرة خمس قوائم تمثل: الاتجاه الإسلامي، مؤتمر المستقلين، الشيوعيين، طلاب حزب الأمة، وطلاب الحزب الاتحادي الديمقراطي.
وكان الشيوعيون قد بذلوا جهودًا مكثفة قبل الانتخابات لعقد تحالف واسع بين كل الفصائل المنافسة للاتجاه الإسلامي، على قاعدة إسقاط الإسلاميين وإزاحتهم من قيادة الاتحاد، لكن جهودهم باءت بالفشل، فقد خشي البعض تهمة التحالف مع الشيوعيين، وربما كان ذلك شأن طلاب أحزاب الحكومة، كما شعر الجميع أن أي تحالف يتم تكوينه سيمثل فقط فرصة للإسلاميين لتحقيق نصر معنوي كبير، مثل الذي حصل في السنة الماضية عندما تحالفت كل الأحزاب في الجامعة في محاولة لإزاحة الاتجاه الإسلامي، ومع ذلك سقطت وفاز الإسلاميون بكل مقاعد الاتحاد. وينبغي أن يفهم كل هذا في ضوء الأهمية الكبرى التي تعلقها كل الأحزاب السياسية على اتحاد طلاب جامعة الخرطوم، فهو حزب الظل الأقوى على حد ما وصفه بعض المراقبين، وهو الذي احتفظ لنفسه بقدر كبير من الإسهام في صنع تاريخ السودان الحديث، حيث أطلق الشرارة الأولى لإسقاط حكم عبود العسكري سنة ١٩٦٤، وهو الذي واجه الحكم المايوي البائد منذ نشأته بلافتاته الشيوعية في 70، 73، 1976 إلى أن سقط في 1985، وربما جاز القول إن اتحاد طلاب جامعة الخرطوم هو أكثر اتحادات الطلاب العربية نشاطًا وحركة؛ بسبب الظروف السياسية الحرة في السودان، وحتى قبل ذلك فقد صنع الاتحاد تقاليد عريقة في العمل السياسي والثقافي والاجتماعي، أصبحت جزءًا من البنية السياسية العامة في المجتمع السوداني الحديث.
التحدي الكبير:
كل الذين تابعوا الانتخابات الأخيرة كانوا يتساءلون: هل ستثبت الجبهة الإسلامية القومية فعلًا غلبتها في أوساط المثقفين؟أم ينجح اليسار في إيجاد موقع قدم له هنا ما دام قد خسر في الجمعية التأسيسية؟ وربما زاد آخرون فقالوا: أو تثبت أحزاب الحكومة أنها أجدر من الاثنين، وأن اعتمادها على أسس طائفية لا يحول بينها وبين دوائر المثقفين؛ لذلك فقد عملت كل الأطراف المشاركة في الانتخابات على ضمان أوفر الفرص للنجاح، ووقع تبادل الاتهامات بين المنابر الانتخابية الخمسة، ودافع الإسلاميون عن حصيلة الدورة الأخيرة المنصرمة، ودعوا الطلاب إلى نبذ الطائفية ومحاصرة فلول اليسار والانحياز إلى الشعب في تصويته للخيار الإسلامي خلال الانتخابات الأخيرة.
وكانت هذه الفرصة محكًّا قويًّا لشعارات الجبهة الإسلامية القومية، فقد ظلت صحف الجبهة وتصريحات مسؤوليها تؤكد مرة بعد مرة مراهنتها على الأجيال الشابة والمثقفة، لإنهاء الولاءات الطائفية القديمة وبناء الولاء على أسس عقائدية واضحة، يختارها المواطن السوداني عن اقتناع وإعمال للعقل ولا يرثها وراثة عن أبيه وجده. كما كان الإسلاميون يرغبون في إثبات الحقيقة التي برزت خلال الانتخابات النيابية، وهي أن الأطروحات اليسارية قد أفل نجمها وظهرت حقيقتها، وأن السودانيين لم ينسوا للشيوعيين جرائمهم القريبة العهد، بدءًا من التهجم على آل البيت النبوي الشريف في ١٩٦٥ ومرورًا بالانقلاب على الديمقراطية في ١٩٦٩، وتذبيح الأنصار في ۱۹۷۱ ومحاربة عقائد الشعب بالسلاح والارتباط المكشوف بالاتحاد السوفييتي، ومساندة الحملة الإجرامية البربرية التي يتعرض لها الشعب المسلم في أفغانستان.
وكانت حصيلة هذه التحديات طبعًا من الوجه الإيجابي هي إبراز أولوية الخيار الإسلامي وهيمنته، والإشارة إلى الدور الذي ينبغي أن يلعبه في بناء حاضر ومستقبل السودان.
الانتصار الكبير:
وجاءت نتائج الانتخابات بحمد الله حاسمة وقاطعة، ولم تُبقِ مجالًا للتقوّلات والتخمينات عن أي نوع، فقد أعلن فوز الاتجاه الإسلامي بالمقاعد الأربعين للاتحاد، وبفارق كبير يصل إلى أكثر من ١٥٠٠ صوت عن القائمة الثانية التي يمثلها مؤتمر المستقلين.
وقد فازت القائمة الإسلامية بأكثر من ٣٠٠٠ صوت من جملة ستة آلاف شاركوا في الانتخابات.[1]وجاءت أحزاب الحكومة في المركز الأخير، حزب الأمة ثم الاتحادي الديمقراطي بـ٤٦٠ صوتًا للأول و١٩٥صوتًا للثاني، وتقدمهما الشيوعيون قليلًا بزهاء ثمانمائة صوت تقريبًا، ومباشرة بعد صدور النتائج ارتفعت نداءات التكبير في ساحات الجامعة، وأقيمت صلاة الشكر وعقدت ندوات النصر هنا وهناك.
واحتل الخبر الصفحة الأولى لأغلب الصحف التي صدرت يوم الثلاثاء ٢١ أكتوبر، ومن المصادفات الطيبة أن هذا الانتصار حدث في الذكرى الثانية والعشرين لثورة أكتوبر ١٩٦٤، حيث فجر الإسلاميون الشرارة الأولى لها بقيادة حافظ الزاكي وكانوا عندئذ في قيادة الاتحاد أيضًا.
وقال محلل صحيفة الراية لسان الجبهة الإسلامية أن هذا الانتصار الكاسح خير هدية للشعب السوداني في ذكرى أكتوبر، وبيان بأن الذين جاهدوا في تلك المرحلة ما زالوا على العهد وما زالوا يحظون بالثقة.
وقال أيضًا إن النتائج مكنت من إبراز حجم كل طرف على حقيقته وقضت على آمال الطائفية في التسلل إلى الجامعة، كما كشفت موقف الطلاب من الشيوعيين وحلفائهم.
بشائر من كل مكان:
وإذا تجاوزنا البعد القطري لهذا الانتصار فإن فوز الإسلاميين في جامعة الخرطوم يضاف إلى فوز الإسلاميين في جل الاتحادات الطلابية بالدول العربية والعالم الإسلامي، وهيمنتهم وانتشارهم حتى في الدول التي لا تسمح بإنشاء اتحادات للطلاب، وهذه بشائر المرحلة الجديدة التي تستشرفها الأمة الإسلامية جمعاء، فقد ولى الزمن الذي كبت فيه صوت الإسلام وعلت راية الدعوات اليسارية والقومية الاشتراكية، وعاد الجيل الجديد إلى النبع الرباني الخالد والمقدس، يكتشف رسالته ويتعرف مسؤولياته. إن انحياز الطلاب للإسلام ليس تخليًا عن مطالب الوحدة أو العدالة الاجتماعية أو تحرير فلسطين، وإنما تأصيل لهذه المطالب في دعوة الإسلام الكبرى التي تدعو لتحرر الإنسان والبشرية من كل الضغوط والأوهام والمظالم. فالوحدة شعار سليم ولكن عندما تستند إلى أوامر العقيدة والرسالة فضلًا عن الأرض والتاريخ والمصالح المشتركة.
والعدالة الاجتماعية مطلب شرعي، لكنه عند الإسلاميين لا يبدأ بإنكار الله وإنما بالاستمرار به والتطلع إلى رحمة كتابه وعدله وعظمة تجربة نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم. إن الأجيال الإسلامية الشابة التي غلبت الآن في معظم الجامعات مدعوة إلى تذكر معلومة تاريخية بسيطة، فلقد أسس حسن البنا كبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث وعمره اثنتان وعشرون سنة، لم يثنه شبابه عن تحمل مسؤولياته تجاه الأمة كلها، وما أحوجنا إلى أن يتدبر شباب الإسلام اليوم أمره ويحدد دوره الذي ينبغي لطاقاتنا أن يظللها الحماس، وما ينبغي لحماسنا أن تستنفده الهموم الفردية الصغيرة، وما ينبغي لآمالنا أن تظل أحلامًا في الصدور.. «نعم»، لقد آن لفجر هذه الأمة أن يبزغ بعد ليل طويل.
[1] يبلغ عدد طلاب جامعة الخرطوم زهاء ۸۰۰۰ آلاف طالب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل