; الرد على أبي موسى في كتابه قس ونبي الحلقة 14 | مجلة المجتمع

العنوان الرد على أبي موسى في كتابه قس ونبي الحلقة 14

الكاتب د. سليمان البدر

تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-1989

مشاهدات 69

نشر في العدد 931

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 05-سبتمبر-1989

  • لم يكن الحنفاء على دين النصرانية أو اليهودية في الجزيرة العربية
  •  أبو موسى يدعي أن الرسول لم يعترض على اليهود ولم يخاصمهم
  • المسلمون أمة وسط يختلفون عن اليهود وعن النصارى حيث يقيمون الكتاب كله
  • اعتراف: من يجمع بين النصرانية والإسلام فهو على ضلال
  • الله سبحانه أمر محمدًا أن يستمر على الدين الذي شرعه فقط

 النصرانية والحنيفية والإسلام

نتناول في هذه الحلقة القسم الثالث والقسم الرابع من الفصل الرابع من كتاب «قس ونبي»، ونأتي عليهما بإيجاز ذلك لأن المؤلف لا يخرج عن أسلوبه في الاستشهاد باطلًا بآيات القرآن الكريم وكتب التاريخ، كما أن هذين القسمين فيهما من التكرار الممل ما يدفعنا إلى مراعاة القارئ في هذا العرض الموجز.

يقول المؤلف في القسم الثالث «النصرانية والحنيفية والإسلام»: إن ما يثبت «أسبقية الإسلام الحقيقي على الإسلام العربي، أو الإسلام المحمدي على الإسلام العثماني أخذ محمد بدين إبراهيم المسمى بالحنيفية، والنصرانية هي والحنيفية صفة للنصرانية».

ويستنتج المؤلف «أن الدين الحنيف ليس دينًا مستقلًا موجودًا في أيام محمد، كما هو الدين اليهودي والنصراني، بل الحنيف هو صفة لدين، أو صفة لدين إبراهيم». ويبين أن الحنيف هو صفة لإبراهيم وملته وأتباعه الذين لم يشركوا بالله أحدًا، ثم يورد بعض صفات الحنيفية كما وردت في معظم المصادر.

وعلى الرغم مما عرضه من حقائق بشأن الحنيفية إلا أنه يهدف في النهاية إلى التشكيك بالقرآن ويفرق بين إسلاميين إسلام محمد وإسلام عثمان، وقرآن محمد وقرآن عثمان ويدس على الإسلام بقوله: «أسبقية الإسلام الحقيقي»، ليوهمنا بأن الإسلام الذي نعرفه ليس حقيقيًا. ثم يخلص إلى أن «الحنيفية لفظة سمحة تطلق على النصرانية كما على الإسلام وتعني النصرانية كما تعني الإسلام»، ولذا فهو يرى أن «الحنيف هو المسلم كما هو النصراني، والنصرانية والحنيفية والإسلام ثلاثة أسماء لمسمى واحد» ص ۱۳.

الحنفاء:

ولقد سبق وعرضنا من واقع المصادر الحالة الدينية في شبه جزيرة العرب، وتبين بأن الأحناف أو الحنفاء كانوا فئة قليلة من العرب ممن كانوا على دين إبراهيم عليه السلام، ولم يكونوا يهودًا أو نصارى وليس في المصادر التاريخية ما يبين عقائد الأحناف ودينهم ولو لم يشر القرآن الكريم لما حفظت أخبارهم وكتب عنهم المفسرون والمؤرخون الإسلاميون ولذا فمجمل ما يمكن أن يقال عن الحنيفية أنها حج البيت واتباع الحق، والإخلاص لله وحده والإقرار بالربوبية والإذعان للعبودية، ومن شعائرها الختان والامتناع عن قول الزور.

وكان من الحنفاء نفر من النصارى أخلصوا لنصرانيتهم وماتوا عليها وهؤلاء نصارى ويجب إخراجهم من طائفة الحنفاء، وإذا كان المؤرخون قد أدخلوا هؤلاء النصارى في جملة الأحناف فقد كانوا يعفون من كان منهم على حياة الرهبنة والتقشف (انظر: جواد علي «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام»، ج 6، ص 460، 461).

كما أن القرآن الكريم قد بت في أمر الحنيفية في عدة مواضع بين أن الحنيفية هي دين إبراهيم، وأن الحنفاء هم الذين رفضوا عبادة الأصنام وكانوا يدينون بالتوحيد الذي هو فوق توحيد اليهود والنصارى، كما أن إبراهيم عليه السلام لم يكن يهوديًا أو نصرانيًا، بل كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين، وعلى هذا فالإسلام هو دين إبراهيم والشريعة الإسلامية هي الحنيفية السمحة السهلة والتي تبتعد بالمسلم عن الرهبانية، ولا يحق للمؤلف أن يجمع بينهما وبين النصرانية.

الدين القيم:

أما القسم الرابع فيتناول المؤلف فيه «الدين القيم»، فيتحدث عن اليهود الذين لا يقرون بتنزيل سوى ما أنزل على آبائهم. ويرى المؤلف أن لهم مواقف معينة من الرسالة التي جاء بها محمد، كما يورد بعض آيات من القرآن الكريم ويعتبرها من أوصاف محمد لليهود، ولا يقر بأنها من قول الله سبحانه وتعالى.

ويعتقد المؤلف أنه لم يكن لليهود في سور القرآن أي فاعلية، أو أي ذكر، حتى اسمهم لم يرد في مكة ولم يتعرض إليهم الرسول ولم يخاصمهم، كما أصبح أمرهم في المدينة. ومن جراء العداوة المستحكمة بين محمد واليهود في المدينة راحت كتب السير والأخبار والتفسير والأدب تؤلف قصص الصراع.

كما يتحدث المؤلف عن المسيحيين فيقول: «لم يعرفهم محمد تمام المعرفة»، ولم يقف على كتابهم الرسمي ولم يطلع على حقيقة عقيدتهم.. هم يؤمنون بالإنجيل بحسب رواياته الأربع، أو يعتقدون بألوهية المسيح وببنوته الطبيعية لله، اختلفوا فيما بينهم فتفرقوا إلى فرق، وعرف العرب منها ثلاثًا: اليعقوبية والنسطورية والملكانية، ولكنها كلها تعترف بألوهية المسيح وبحقيقة صلبه وبسري القيامة والفداء، ثم يقول: وعقيدتهم في المسيح والثالوث جعلتهم- في نظر محمد- مغالين في الدين ومتخاصمين مع سائر أهل الكتاب من يهود ونصارى، فهم يختلفون عن اليهود الذين لا يعترفون بمجيء المسيح ويختلفون عن النصارى الذين لا يعترفون بألوهيته، ثم يخلص المؤلف بشأن هؤلاء إلى أن القرآن بدأ بنصح هؤلاء المسيحيين ثم انتقل من النصيحة إلى التكفير، ويستشهد بآيات قرآنية وبحادثة وفد نجران الذي جاء إلى مكة ليقدم للرسول الولاء السياسي. (ص ١١٦، ١١٧).

حديث عن النصارى

بعد ذلك يتحدث عن النصارى الذين يقول المؤلف عنهم:

هؤلاء يختلفون عن اليهود وعن المسيحيين على السواء إنهم «أمة وسط» بين الفريقين، و«أمة مقتصدة» في عقيدتها، يقيمون «الكتاب كله» أي التوراة والإنجيل معًا، يؤمنون بموسى وعيسى على السواء، ثم يورد آيات من القرآن الكريم ليدلل على إيمانهم وعلى استشهاد الرسول بهم على صحة رسالته وحقيقة كتابه، كما يسألهم الرسول عندما يرتاب عن صحة ما أنزل عليه لتثبت لديه الحجة.

وأخيرًا يتحدث المؤلف عن المسلمين فيقول بشأنهم: وكانت الدعوة إلى محمد أن يوحد بين أحزاب النصارى. ويستشهد بآيات قرآنية بعيدة كل البعد عن هذا المعنى والتفسير ثم يخلص إلى قوله: فالمسلمون إذن هم النصارى الذين توحدوا، وفي الواقع هم الذين توحدوا في كل شيء- في الاسم وفي الكتاب وفي العقيدة- حتى أصبحوا «أمة واحدة»، وأصبح اسمهم «مسلمين»، أو كتابهم «القرآن» ودعوتهم «الإسلام». وعقيدتهم «لا إله إلا الله».

ثم يقول: ويخرج من هذا الدين اليهود الظالمون الذين يلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق، ويخرج منه أيضًا المسيحيون المتطرفون الذين يغلون في الحق، ويخرج منه الأعراب المنافقون.

وأخيرًا يقر المؤلف أن النصرانية والإسلام إذن دين على دين، من يجمع بينهما فهو على ضلال، ومن يعتبرهما اثنين فهو أيضًا على ضلال، ومن يحاول الوفاق بينهما فهو على ضلال، ومن يباعد بينهما فهو على ضلال، من يعتبر القرآن كتاب المسلمين وحدهم فهو على ضلال، ويختم هذا الأمر بقوله «فالنصرانية والإسلام اسمان لمسمى واحد: الأول نشأ في اليهودية والثاني في مكة والحجاز، وكلاهما واحد».

هذا خلاصة ما ينادي به المؤلف في القسم الرابع والأخير من الفصل الرابع، وواضح وجلي تخبط المؤلف في معلوماته، ومحاولاته لوي حقائق التاريخ ليخدم غرضه وهدفه، وواضح وجلي أيضًا لمن يقرأ أدلته من القرآن جهل وتجاهل المؤلف وتحريفه وتغييره في النصوص القرآنية والتاريخية.

وسنكتفي بعرض بعض نماذج هذا الجهل والتجاهل ومحاولة طمس الحقائق التاريخية..

فأما ما يتعلق باليهود فإن كتب التاريخ تمدنا ببعض المعلومات بشأنهم وتشير إلى أن اليهود وبني إسرائيل شغلوا حيزًا كبيرًا سواء في السور المكية أو المدنية، وقد عبر القرآن عن اليهود ومعتنقي اليهودية بالذين هادوا أو كانوا هودًا أو كونوا هودًا، كما عبر عن العبرانيين وبني إسرائيل في سوره المكية والمدنية، وأورد القرآن الكريم قصص بني إسرائيل السابقة على البعثة النبوية، وفي السور المكية إشارات صريحة إلى موقف بعضهم من دعوة محمد في مكة وإشارات ضمن من أسماهم بالكتابيين أو بأهل الكتاب.

اليهود في مكة:

والحقيقة أنه لم يكن اليهود يمثلون أكثرية في مكة، فقد كانوا مجموعة من الأفراد المستقرين ومجموعة أخرى من المترددين على مكة للتجارة والعمل، وربما رحب اليهود في بداية الدعوة بالدين الجديد، لأنه يدعو إلى توحيد الله ويؤمن بالأنبياء السالفين والكتب المنزلة، ولأنه أخيرًا لا يتعارض ومصالحهم لأنه ليس لهم في مكة مصالح أساسًا.. أما في المدينة فقد كان اليهود يمثلون كثرة لها مصالحها الاقتصادية ولها مركزها الديني والاجتماعي، ولذا تعارضت الدعوة الإسلامية مع تلك المصالح وذلك المركز فوقف اليهود موقف عداء للنبي والمسلمين وحاربوا الإسلام في المدينة كما سبق لهم وأن حاربوا النصرانية في اليمن عندما نهج الرومان سياسة معادية لمصالح اليهود فيها «انظر: محمد عزة دروزة، تاريخ إسرائيل من أسفارهم، بيروت ١٩٦٩، علي جواد، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، الجزء السادس».

وقد ذكر المؤلف آيات من القرآن الكريم معتبرًا أنها نزلت في اليهود ردًا على دعوة محمد لهم إلى الإيمان، ندونها كما أوردها على النحو التالي:

1.   (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (البقرة:91).

2.   (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ) (المائدة:104).

3.   (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) (لقمان:21).

نعوت اليهود:

ثم يقول: إنه بعد أن رفضوا الدعوة وصفهم محمد بنعوت اشتقها من الآيات القرآنية ونسبها إلى الرسول منها: الظالمون، شر البرية، أو كافر به، سماعون للكذب، يحرفون الكلم عن مواضعه، ويخلص إلى أنهم موصوفون بالكفر الصريح.

وإذا كنت الآية ۹۱ من سورة البقرة قد أنزلت في اليهود فإنها تشمل غيرهم من أهل الكتاب، كما أن الآية ١٧٠ من نفس السورة نزلت في المشركين والآية ١٠٤ من سورة المائدة تدعو المشركين إلى دين الله وشرعه وترك الافتراء على الله. أما الآية ۲۱ من سورة لقمان فترد على مجادلة المشركين بدون علم ولا هدى ولا كتاب منير وتطالبهم باتباع ما أنزل الله على رسوله من شرائع مطهرة إلا أن المشركين يظلون متمسكين مما ورثوه من أسلافهم من شرع ونهج، وعلى هذا الأساس فإن المؤلف استشهد بالآيات دون دقة وتمحيص فيما تعنيه هذه الآيات، وكذلك الأمر بالنسبة لما عرضه من صفات ذكرها القرآن فإنها تشمل في معظمها «أهل الكتاب» وهم اليهود والنصارى إلى جانب المشركين، فلماذا يريد المؤلف استبعاد النصارى وإخراجهم من «أهل الكتاب»؟ أوليس هو الذي كان يعتبرهم من أهل الكتاب ومن الراسخين في علم الكتاب في الصفحات السابقة؟ إن هدفه هنا هو إبعاد صفة الكفر والضلال عنهم، وليطعن بالقرآن الكريم على اعتبار أن النصارى أدخلت فيما بعد، أي في مصحف عثمان، لأنه أي المؤلف يعتبرهم من المسلمين قبل المسلمين.

الطائفة المغالية:

أما بالنسبة للمسيحيين فإن المؤلف يميزهم عن النصارى ويجعل منهم الطائفة المغالية في الدين والمتخاصمين مع اليهود والنصارى أما النصارى فيصفهم بالأمة الوسط الذين لا ينكرون نبوة عيسى كاليهود ولا يقولون بألوهيته كالمسيحيين.

والحقيقة فإننا لا نعرف من أين جاء بهذا الفصل بين المسيحيين والنصارى، فاللفظان مترادفان ويعنيان نفس المعنى غير أن الأولى جاء استخدامها في الغرب والمصادر الإفرنجية، والأخرى هي الكلمة المرادفة لها في المصادر العربية الإسلامية.

لقد وردت كلمة «المسيح» في القرآن إحدى عشرة مرة لتعني وتدل على سيدنا عيسى عليه السلام، وذلك في آل عمران 45، النساء 157، 171، 172، المائدة 17 مرتان، 72 مرتان، 75، التوبة 30، 31 ومنها قوله جل وعلا:

)يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً) (النساء:171).

ووردت كلمة (نصارى) في القرآن الكريم 14 مرة دلالة على أتباع المسيح عيسى ابن مريم، في البقرة 62، 111، 113 مرتان 120، 135، 140، المائدة 14، 18، 51، 69، 82، التوبة 30، الحج 17، ومنها قوله تعالى:

﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: 111) وقوله جل وعلا: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (المائدة: 14). كما وردت كلمة «نصرانيًا» مرة واحدة في قوله تعالى في سورة آل عمران- الآية ٦٧: ﴿مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أما لفظة «نصارى» فوردت مرتان في آل عمران 52 والصف 14، كما ورد اسم نبي الله عيسى خمسًا وعشرين مرة في البقرة 87، 139، 253، آل عمران 45، 52، 55، 59، 84 النساء 157، 163، 171، المائدة 46، 78، 110، 112، 114، 116، الأنعام 85، مريم 34، الأحزاب 7، الشورى 13، الزخرف 63، الحديد 27، الصف 6، 14. وفي السورة الأخيرة جاء قول الله في الآية السادسة (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) (الصف:6).

 

أما في الآية الرابعة عشرة فيقول تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) (الصف:14).

تسميتهم القرآنية:

من هذا يتضح أن مصدرنا الأساسي، وهو القرآن، لم يذكر لفظ «مسيحيون» أو «المسيحيون»، وواضح أن النصارى كانوا طائفة من أهل الكتاب كانوا يدينون بالدين الذي جاء به رسول الله عيسى ابن مريم، ولا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم بطوائف النصارى ومعتقداتهم، لا كما يدعي المؤلف أنه لم يعرفهم تمام المعرفة، وهو المؤلف الذي كان يتبجح في صفحات كتابه بعلاقة النبي بهم، وأنهم كانوا أساتذته، ولكن يبدو أن المؤلف يؤمن أو ينتمي أو يؤيد طائفة معينة أراد أن يجعلها هي المؤمنة فقط.

وتشير المصادر التاريخية العربية الإسلامية إلى ثلاثة تفسيرات للفظة «نصارى»، وهي:

1.   أنهم فئة من اليهود نصروا أسباط بني إسرائيل ووقفوا مع موسى ضد الفرقة التي كفرت به، وتعرف هذه الفئة باسم الناصرين Nasarenes أو Nazarenes

2.   أن «نصارى» لفظة تطلق على الفئة التي تنسب نفسها إلى مدينة الناصرة في فلسطين، والتي ظهر فيها عيسى ابن مريم عليه السلام فناصروه، وكان اليهود يطلقون على عيسى اسم يسوع الناصري والناصريين على أتباع ديانته، فقد ورد في أعمال الرسل في العهد الجديد «الإنجيل»، الإصحاح ٢٤، الآية الخامسة: «فإننا إذ وجدنا هذا الرجل مفسدًا ومهيج فتنة بين جميع اليهود الذين في المسكونة ومقدام شيعة الناصريين».

  •  إن نصارى مشتقة من أنصاره من قول الله تعالى في سورة آل عمران، الآية ٥٢: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُون﴾ (آل عمران: 52).

المصادر الإفرنجية:

أما المصادر الإفرنجية فلم ترد فيها كلمة النصارى. وتستخدم كلمة المسيح التي وردت في التوراة والإنجيل دالة على عيسى عليه السلام، ولذا عرفت الديانة المسيحية Christianity وهي كلمة مشتقة من Khristos، بمعنى Messiah والتي تعني أصلًا ومملكة عقل الإنسان، كما استخدم العالم المسيحي كلمة «يسوع»، للدلالة على عيسى عليه السلام، فشاعت كلمة اليسوعية والتي غدت فيما بعد تمثل فرقة من فرق النصارى.

وبذلك يكون اليهود على دين موسى عليه السلام والنصارى على دين عيسى عليه السلام، وإن أراد المؤلف أن يميزهم عن المسيحيين فاللفظان يعنيان الذين استجابوا لدعوة عيسى عليه السلام من اليهود، وكل أتباع اليهودية والنصرانية هم أهل الكتاب المقصودين في السور المكية والسور المدنية من القرآن الكريم.

أما ما أورده في صفحة 119 بشأن المسلمين فهو افتراء واضح إذ اعتبر دعوة محمد كانت تقتصر على توحيد أحزاب النصارى، ولذا فالمسلمون هم النصارى الذين توحدوا أما الآيات التي أوردها، كما دونها:

)شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) (الشورى:13).

(وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران:103).

)قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) (طه:94).

)مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (الروم:32).

أسلوب بتر الآية القرآنية

ولو أن المؤلف ابتعد عن أسلوبه في بتر الآية لتكشف له سوء عمله، ولكن هدفه الأساسي الطعن والافتراء، ولذا فإن قراءة الآيات كاملة يفند كل ادعاءاته الباطلة.

1- يقول الله تعالى في سورة الشورى ١٣:

﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبراهيم وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾.

ذكر الله في هذه الآية أنه شرع لأمة محمد الدين الذي جاءت به الرسل، فابتدأ بذكر نوح، ثم إبراهيم وموسى وعيسى، وهذا يعني أن محمدًا هو خاتم الأنبياء والمرسلين الذي به اكتمل شرع الله وأمر الله تعالى الناس بإقامة الدين. أي عبادة الله وحده لا شريك له، والتزام الوحدة والائتلاف. والجماعة، وتشير الآية إلى انكار الكفار لدعوة محمد استكبارًا وفيها تطمين للرسول بأن الله هو الذي يقدر الهداية لمن يستحقها ويكتب الضلالة على من أثرها.

2- ويقول الله تعالى في سورة آل عمران ۱۰۳

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.

وتتعلق هذه الآية بالأوس والخزرج، وقد سبق أن ذكرنا تفسيرها في حلقة سابقة.

3- ويقول الله في سورة طه، ٩٤:

﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾.

وهذه الآية هي استطراد لما سبقها من آيات تتعلق بقصة سيدنا موسى عليه السلام، وهي تمثل رد هارون على أخيه موسى حين عاتبه لأنه أخلف وصيته ولم يترك بني إسرائيل ويتبعه عندما ضلوا واتخذوا العجل إلهًا يعبدونه. ولا علاقة لهذه الآية بالرسول المصطفى الذي أراد المؤلف أن ينسب هذا القول إليه مظهرًا خشيته من أن يفرق بين بني إسرائيل.

يقول الله تعالى في سورة الروم الآيات ٣٠-٣٢

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾.

دين الحنيفية دين الفطرة

وواضح أن هذه الآيات هي أمر من الله تعالى إلى محمد بأن يسدد وجهه ويستمر على الدين الذي شرعه الله، وهو دين الفطرة، ودين الحنيفية السمحاء، التي فطر الله الناس عليها وأن التمسك بالإسلام هو التمسك بالدين القيم أي التمسك بالشريعة والفطرة السليمة. ثم يحذر الله رسوله والمؤمنين من التفرق والاختلاف، لأن هذا الاختلاف والتفرق قسم اليهود والنصارى إلى أمم وأحزاب متطاحنة.

ولذا فدعوة الرسول لم تكن دعوة أو مهمة أوكلها القس إلى محمد واقتصرت على توحيد النصارى، إنما هي دعوة الناس كافة لعبادة رب واحد لا شريك له. وأن المسلمين ليسوا هم النصارى الذين توحدوا في أمة مقتصدة أو أمة واحدة أو أمة وسط بعد تفرقهم وتحزبهم وإنما المسلمون هم من استجاب لدعوة الله سبحانه وتعالى التي كلف بها رسوله المصطفى، أم أن المؤلف يريد منا أن نصنف أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا من طائفة النصارى؟ وهل كان أولئك الذين استجابوا لدعوة محمد من أحرار قريش وأغنيائها وعبيدها وفقرائها نصارى متفرقين؟ وهل عرب يثرب ومدن الجزيرة واليهود كانوا نصارى متفرقين فجاء محمد ليوحدهم؟

لقد دخل الدين الإسلامي في عهد الرسول أمم وقبائل وأصحاب ديانات مختلفة، ومنهم اليهود والنصارى، ولا يزال يدخل في دين الإسلام عناصر شتى لم تعرف يومًا النصرانية وإنه لبهتان وافتراء وتطاول أن يدعي أبو موسى الحريري أن الإسلام هو الاسم العربي للنصرانية ثم يضيف أن هذه النصرانية هي الطائفة التي آمنت من بني إسرائيل وأيدها النبي في إيمانها على التي كفرت وإن كان ما يدعيه حقًا فلم لم تنضو النصرانية تحت لواء الإسلام؟

ونستكمل في الحلقة القادمة، بإذن الله، کشف افتراءات الحاقد أبو موسى الحريري وكتابه «قس ونبي».

الرابط المختصر :