العنوان زيارة ميدانية لإحدى جبهات القتال في أفغانستان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يناير-1987
مشاهدات 59
نشر في العدد 799
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 06-يناير-1987
لم نبال أو نتأثر كثيرًا بالطريق الجبلي الوعر الذي سلكناه لمدة أربع ساعات ونصف حتى وصلنا من آخر نقطة حدودية «باكستانية» إلى جبهات المجاهدين في جبال منطقة سروبي التابعة لمديرية أركون في ولاية بكتيكا، لأن الشوق إلى مشاهدة الانتصارات التي سمعنا بها أنسانا ذلك.
ما إن وصلنا إلى قمم الجبال ودخلنا معسكرات المجاهدين حتى وجدنا على كل قمة بضعة رشاشات من الأنواع المتوسطة وإلى الأدنى قليلًا من القمة انتصب سلاح الهاون كما أن الهاون منتصب على أهبة الاستعداد لأي تحرك من المركز «القلعة» الشيوعية المقابلة التي لا تفصل بينها وبين المجاهدين إلا مسافة صغيرة لا تتجاوز ۲۰۰۰ أو ۲5۰۰ متر وفي لقاء أولي مع قائد المعسكر قال لنا: تصوروا أنهم رغم قربهم منا لا يتجرأون على الخروج من داخل هذا الحصن ولو لمتر واحد فنيران أسلحتنا تصليهم لهبًا عند حدوث أي حركة مهما كانت بسيطة عندهم ونتيجة للتنسيق القائم بيننا وبين الجبهات الأخرى بفضل الله تعالى نتمكن من السيطرة على أي تحرك معاد في أوله وليس انتصارنا في معارك أركون التي انتهت قبل وصولكم بوقت قصير إلا نتيجة هذا التنسيق وذاك الاتحاد بين الأخوة المجاهدين وقادتهم في هذه الجبهات.
معارك أركون
ففي المعارك التي دارت بيننا وبين العدو الشيوعي غرب مديرية أركون التي تبعد ١٦٨ كم عن الحدود الباكستانية خير شاهد على ذلك.
وتفصيل المعارك التي دارت خلال الأيام الماضية كالآتي:
تقدمت في ليلتي ۲۸ و۲۹ أغسطس قوة شيوعية مؤللة قوامها حوالي ألف جندي من المشاة ترافقهم وتحميهم أكثر من مئتي آلية بين دبابة ومدرعة وسيارة وناقلة باتجاه الشمال الغربي حيث مواقع المجاهدين على بعد حوالي ٢٠ كم غربًا عن المديرية، وتحركت القوة على محورين «أرغون المطار» و«أرغون رادار» ليلتقي هذان المحوران بعد منطقة رادار بمسافة بسيطة عند مضيق جبلي لا بد للقوة أن تمر منه وهناك تمركز المجاهدون الذين تقدموا من مواقعهم لمواجهة القوة ولكي لا تكون المعركة في محيط مراكزهم انطلاقًا من قاعدة «خير وسيلة للدفاع الهجوم» وأخذوا مواقعهم في الجبال المشرفة على المضيق رغم الاستطلاع البشري والجوي للعدو.
وعند مرور القوة تم فتح النيران عليها حيث دمر المجاهدون حوالي ۲۰ آلية بين دبابة ومدرعة بواسطة القذائف الصاروخية، فانحرفت القوة عن مسارها باتجاه الجبال التي لا يمكن للآليات تسلقها محاولة إیجاد طريق آخر، لكن تعاون المجاهدين وتنسيقهم واتصالهم المستمر فيما بينهم أدى إلى إحكام الحصار على هذه القوة لمدة عشرة أيام وفي اليوم الحادي عشر: تقدمت قوة أخرى كبيرة على طريق أورغون المطار سبقها قصف جوي لمواقع المجاهدين في الجبال -الأمر الذي اضطر المجاهدون إلى فك الحصار عن القوة المعادية والانسحاب التكتيكي أمامها وبعد نهاية المضيق وعند انبساط سهلي واسع يقع أمام مراكز المجاهدين الأصلية احتدمت معركة حاسمة استمرت طيلة يوم كامل أبلى المجاهدون «من كافة التنظيمات» فيها خير البلاء وانكشفت عن انسحاب القوة المهاجمة مخلفة طائرة عمودية مدمرة وعدة آليات أخرى أما خسائر العدو البشرية فلم تصلنا تقارير دقيقة عنها وإن تكن الأخبار تفيد بأنها تنوف عن المئة قتيل ما عدا الجرحى أما مجاهدونا الأبطال فقد استشهد منهم اثني عشر مجاهدًا وجرح أربعون آخرون جراح أغلبهم متوسطة.
وحدة في كل شيء:
وبعد ما أنهى القائد شاه محمد حديثه عن المعركة أثناء تجوالنا على القمم من قاعدة رشاش إلى قاعدة أخرى قال لي: ما رأيكم لو نزور الجبهات الأخرى للأخوة المجاهدين من الجمعية والحزب ومحاذ ملت -وهي كل الجبهات الموجودة هناك-؟ قلت على الرحب والسعة، وكان ذلك فعلًا وتحركنا حتى وصلنا إلى قمة جبل مجاور حيث موقع «الزيكوياك» وخلفه رجل يحمل صفاء طبيعته وصمود جبالها أنه مولوى عبد الرحيم ابن قرية «بأبو خيل» في منطقة سروبي الواقعة في القسم الغربي من أورغون.. أنه ابن المنطقة التي يجاهد فيها رافعًا راية الإسلام.
استقبلنا الأمير العام للتنظيم والجمعية في المنطقة بالبسمة قائلًا: أهلًا بكم في أرض أفغانستان المسلمة، ومن غير أن نطلب منه بدأ يتحدث لنا عن المعركة التي دارت في الولاية، ولم يكن في كلامه جديد أو معارضة على ما قدمه لنا الأخ محمد شاه وبعد جولة في معسكر مولوى عبد الرحيم قال: هيا لنزور إخواننا في الجبهات الأخرى وتمت الزيارة بجو من الحب والأخوة حتى لتحسب أن هذه الجبال لا تحوي عدة جبهات لعدة أحزاب، بل هي جبهة واحدة كبيرة لها مجلس قيادة أعلى:
فالقائد شاه محمد -اتحاد إسلامي مجاهدي أفغانستان، والقائد مولوى عبد الرحيم -جمعية إسلامية، والقائد أسد الله -حزب إسلامي، والقائد مدر -محاذ ملت، يتشاورون فيما بينهم بخصوص أي تحرك عسكري صغيرًا أم كبيرًا، ويوزعون أسلحتهم على القمم الجبلية والمضائق والمناطق الحساسة توزيعًا تقتضيه المصلحة العامة للجهاد توزيعًا إقليميًا لكل جبهة ففي داخل معسكر الجمعية يمكن أن ترى أسلحة للاتحاد أو لمحاذ ملت وداخل معسكرات الاتحاد يمكن أن تجد أسلحة للجمعية أو للحزب وهكذا، فالمعيار الأساسي لتوزيع شبكة الدفاع عن الجبهة الكبرى -هو الدفاع القوى المتين- وقد أدرك هؤلاء القادة أن الدفاع القوي المتين لا يكون إلا بالاتحاد فاتحدوا من غير بروتوكولات ولا مشاريع وحدة اتحدوا حتى في وجبات الطعام وفي المأكل والملبس والمعاش، وغدا هدفهم واضحًا في أذهانهم هو رفع راية الإسلام وتحرير البلاد من رجس الشيوعية البغيضة وهذا لن يكون ما كانت فرقة، ما رأيت أحدًا منهم «ولو كان حديثي معه على انفراد» يريد أن يستأثر لنفسه.
باختصار لقد قرروا أن يكونوا جبهة واحدة من غير استصدار قرار رسمي بذلك.. أما شباب وشيب قبائل سليمان التي كانت تغطى مناطق الحدود الأفغانية فقد هجروا نساءهم وأطفالهم إلى الحدود الباكستانية غير بعيد عن أماكنهم الأصلية واستوطنوا الجبال القريبة من أورغون مفترشين صخرها ملتحفين ظلال أشجارها، متآخين مع وحشتها وبنادقهم.
جلست مع أفراد القبيلة -ومع الأمير- فكان مجلسهم ممرًا مائيًا قديمًا جبلين جغتاركا أرضًا ناعمة نسبيًا قياسًا بصلابة الجبل أشعلوا نارًا من أحطاب هذا الجبل والتفوا حولها يجمعون بعض الدفء وكلما كادت أن تخبو رمى أحدهم قطعة خشب جديدة فيها وعلى هذه النار يطبخون طعامهم ويصنعون ماءهم الملون «الشاي».
يفتقرون إلى كل المتطلبات الدنيوية «الخيمة -الفرش -الذخيرة -وسيلة النقل -اللباس» وأضف إلى ذلك ما شاءت لك ذاكرتك.
وأغنياء بكل شيء من متطلبات الآخرة: عزة النفس -الشهامة -الكبرياء -وقبل كل ذلك الدين الفطري الصحيح.
وبعد جلسة معهم استمرت عدة ساعات تحدثوا فيها عن شجونهم وآمالهم وآلامهم فارقتهم وما كدت أفعل وتركتهم وقلبي عندهم معلق وودعتهم وكأنني أودع أهلي وعرفت عند مغادرتي كيف يكون المؤمن عزيزًا بدينه، شامخًا بإسلامه لا يبتغي إلا مغفرة من الله ورضوانًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل