; تحركات شرقية لإنهاء عالم القطب الواحد الأمريكي | مجلة المجتمع

العنوان تحركات شرقية لإنهاء عالم القطب الواحد الأمريكي

الكاتب مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

تاريخ النشر الثلاثاء 02-فبراير-1999

مشاهدات 73

نشر في العدد 1336

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 02-فبراير-1999

  • «الدعوة لإنشاء مثلث استراتيجي في آسيا تحركها المصالح المشتركة والإحباطات المتكررة في التعامل مع الغرب»

عاد الحديث عن نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب ينهي النموذج الأمريكي المهيمن على العالم ويمنع الولايات المتحدة من الانفراد بالقرارات الدولية، ودعا يفجيني بريماكوف رئيس وزراء روسيا إلى إنشاء مثلث استراتيجي يضم بلاده ومعها الصين والهند لمواجهة عالم القطب الواحد القائم حاليًا.

فما خلفية تلك الدعوة وأسبابها؟ وراء هذه الدعوة بعض الإخفاقات الروسية في مجال العلاقة مع الولايات المتحدة والغرب عمومًا والتي عبرت عن نفسها في عدد من المظاهر:

1- إخفاق القمة الروسية الأمريكية الأخيرة التي جاءت في توقيت غير مناسب إذ جاء انعقادها في وقت كان الرئيس الروسي يلقى فيه معارضة داخلية بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة، فضلًا عن وضع الرئيس الأمريكي الحرج نتيجة فضيحة «مونيكا جيت»

2- إخفاق الولايات المتحدة في إقناع مجلس الدوما بالتصديق على معاهدة «ستارت-2» لخفض الصواريخ الاستراتيجية نظرًا للتكلفة المالية الباهظة التي ستتحملها موسكو.

3- اعتراض الكونجرس الأمريكي على المساعدات الأمريكية الخارجية لروسيا إذ يرى أعضاء الكونجرس أن مثل هذه المساعدات لا توفر عائداً سياسيًا ملموسًا يغري بالموافقة عليها. وعلاوة على هذا، فإن برامج المساعدات المالية الضخمة التي حصلت عليها موسكو من صندوق النقد الدولي تتهددها مخاطر التوقف الكامل بسبب اتجاه مجلس النواب الروسي الواضح لاعتماد سياسات الاقتصاد المخطط مركزيًا بدلًا من سياسة اقتصاد السوق، أي أن جهود واشنطن طيلة الأعوام الماضية لتفكيك آليات النظام الاشتراكي قد تتبخر لتسجل مزيدًا من الفشل لإدارة كلينتون.

4- اختلاف وجهة نظر البلدين بشأن بعض القضايا المهمة، ومن بينها الإرهاب الدولي، فبرغم الاهتمام الذي أولته الولايات المتحدة بقضية الإرهاب منذ تفجير السفارتين الأمريكيتين بنيروبيودار السلام 3 من أغسطس الماضي، إلا أنها تتحرك بشكل منفرد لعلاج القضية دون تنسيق مسبق سواء على مستوى التشاور الثنائي، أو من خلال مجلس الأمن وغيره.

وفضلًا عن موقف روسيا من توسيع حلف الأطلنطي شرقًا، فقد عجز كلينتون خلال قمتي هلسنكي ۱۹۹۷م، وموسكو ١٩٩٨م في إقناع روسيا بضم مزيد من دول شرق أوروبا إلى الحلف إضافة إلى موقف روسيا الداعم للمجرم الصربي سلوبودان ميلوسيفتش.

بالإضافة إلى التحفظ الروسي على المقترحات التي قدمتها الولايات المتحدة في آخر اجتماع لوزراء خارجية حلف الأطلسي في بروكسيل حول استراتيجية الحلف في السنوات القادمة التي تركزت في إعطاء الناتو حرية الحركة والتدخل في الأزمات الدولية دون انتظار الإذن من مجلس الأمن وتوسيع نطاق اهتمامه بحيث يتحول من النطاق الجغرافي «أوروبا» إلى الدفاع عن مصالح دوله في أي مكان.

علاقات قوية بين الأطراف الثلاثة

وعلى الجانب الآخر فإن عوامل عديدة تدفع في اتجاه تقوية وتدعيم الاقتراح الروسي بشأن التحالف الثلاثي مع الصين والهند أهم هذه العوامل هي:

أولًا: المصالح المشتركة التي تجمع بين كل من موسكو وبكين، والتي يمكن الإشارة إلى أهمها في الآتي:

المصالح العسكرية: حيث تعتبر الصين أهم دولة تتعامل معها روسيا عسكريًا في الوقت الحالي، فقد وقع الرئيس الروسي يلتسين خلال زيارته لبكين في عام ١٩٩٥م اتفاقًا للتعاون العسكري – التقني ينص على توريد الدبابات والطائرات الحربية والمدرعات والغواصات الروسية إلى الصين.

وفي هذا الإطار جاءت زيارة الرئيس الصيني جيانج زيمين لموسكو في نوفمبر الماضي، لبحث سبل تعزيز التعاون الثنائي بين البلدين في كافة المجالات الاقتصادية والعسكرية.

ويذكر أن القمة الروسية - الصينية الأخيرة جاءت بعد نجاح القمتين السابقتين، سواء تلك التي عقدت في موسكو في أبريل ١٩٩٦م، وانتهت بالدعوة لقيام عالم متعدد الأقطاب في مواجهة نظام عالمي أحادي تهيمن عليه الولايات المتحدة، أو تلك التي عقدت عام ١٩٩٧م في بكين، وانتهت بتسوية تاريخية للنزاع الحدودي بين البلدين.

المصالح الاقتصادية: يبرز البعد الاقتصادي كأحد أهم دعائم المشاركة المتميزة بين الطرفين وهناك العديد من المؤشرات التي تؤكد ذلك هي: 

ارتفاع معدل التبادل التجاري بين البلدين من 3,9 مليارات دولار عام ١٩٩١م إلى 7 مليارات دولار عام ١٩٩٦م، ومن المتوقع أن يصل هذا المعدل إلى ٢٢ مليار دولار بحلول عام ۲۰۰۰م

- تعتبر الصين ثالث أكبر شريك تجاري لروسيا خارج الجمهوريات السوفييتية السابقة. بعد ألمانيا والولايات المتحدة، فيما تعد روسيا الدولة السابعة بين أكبر الشركاء التجاريين للصين بعد اليابان والولايات المتحدة وهونغ كونج وكوريا الجنوبية وتايوان وألمانيا، كما تعد الصين سوقًا مهمة للآلات والمعدات الروسية ومصدرًا المجموعة متنوعة من السلع الاستهلاكية والمواد الغذائية والمواد الخام الاستراتيجية، وتعتمد الصين على استيراد المخصبات والمعادن والمواد الكيماوية والآلات والمعدات من روسيا.

- تشارك روسيا في واحد من أهم المشاريع الصينية الذي يوصف بـ «مشروع القرن»، وهو مشروع إقامة المحطة الكهرومائية على نهر «يانج تسي».

ثانيًا: التقارب الاستراتيجي بين روسيا والصين يزيد من إمكانية قيام المثلث الاستراتيجي المقترح إذ تعتبر الهند شريكًا استراتيجيًا لروسيا في المنطقة، وهناك علاقات متنامية عبر صفقات السلاح إذ تتصدر الهند قائمة المستوردين للأسلحة الروسية حتى أن حوالي ٧٠% من معداتها العسكرية من روسيا وأهمها:

- أنظمة دفاع جوي وطائرات مقاتلة من طراز «میج ۲۹».

- طائرات هليكوبتر هجومية من طراز «ميج 24».

- اشترت الهند ٤٠ مقاتلة روسية من طراز« سوخوي – ٣٠»، قيمتها نحو 1.8 مليار دولار، في صفقة وصفت بأنها «صفقة القرن»، واعتبرت ضربة للشركات الأمريكية المنتجة للسلاح. 

- ترخيص بإنتاج الصاروخ أرض جو المضاد للطائرات والصاروخ س- ٣٠٠ الذي يعتبر المنافس الروسي للصاروخ الأمريكي باتريوت.

- وقعت الهند وروسيا خلال زيارة رئيس الوزراء الروسي يفجيني بريماكوف لنيودلهي يوم ٢٠ من ديسمبر الماضي اتفاقًا دفاعيًا، حصلت بمقتضاه الهند على عشر طائرات روسية من طراز «أس يو ٣٠٠» فضلًا عن اشتراك البلدين في إنتاج أسلحة مشتركة.

ومن ناحية أخرى تنوي الهند الحصول على 3۰۰ مدرعة طراز تي - 9٠ وغواصات روسية، كما تعتزم تجهيز منشأتها بالصواريخ المضادة للصواريخ من العتاد الروسي.

أما بالنسبة للعلاقات الصينية - الهندية فبالرغم من وجود خلافات حدودية كثيرة بين البلدين، إلا أن الصين تتبع سياسة حسن الجوار مع الهند.

وفي هذا السياق تم تدعيم العلاقات الاقتصادية والسياسية بين البلدين، فقد وصل حجم التجارة بينهما إلى 1.8 مليار دولار، وفي مطلع الثمانينيات دعمت الهند المواقف الصينية في الأمم المتحدة بشأن قضية تايوان وعدم الانتشار النووي.

وفي مقابل هذا التقارب الملحوظ بين موسكو، وبكين ونيودلهي تشهد العلاقات الأمريكية – الصينية، والعلاقات الأمريكية الروسية المزيد من التباعد.

أولًا: العلاقات الأمريكية – الصينية: بالرغم من علاقة تبادل المنفعة بين واشنطن ويكين والمصالح الاستراتيجية التي تربطهما إلا أن هناك العديد من القضايا الخلافية وأهمها:

1- حقوق الإنسان إذ من الواضح أن الولايات المتحدة تتخذ من هذه المسألة ذريعة باستمرار للضغط على بكين في العديد من القضايا الدولية.

2- تايوان تعتبر الصين تايوان جزءًا لا يتجزأ منها سيعود إليها إن أجلًا أو عاجلًا وتستغل الولايات المتحدة هذا في استخدام تايوان كورقة ضغط ضدها، إلا أن التحركات الأمريكية في هذا الصدد تبقى داخل خطوط حمراء في إطار ما يمكن أن نسميه اتفاقًا ضمنيًا متبادلًا بينها وبين الصين على ألا تساعد الاتجاهات الانفصالية في تايوان مقابل ألا تدعم الصين دولًا مثل إيران وباكستان بالتكنولوجيا النووية، وهو ما يسمى في استراتيجية الردع بوجود معايير للمنافسة.

3- النزاع على جزر سبراتلي الواقعة في الجزء الجنوبي من بحر الصين: حيث نصر الصين على أنه ليس للولايات المتحدة أي مصلحة – في الجزر، وعليها ألا تقحم نفسها فيها، في حين ترى الأخيرة أن مصلحتها تقتضي المحافظة على هذه الجزر ذات القيمة الجيوستراتيجية، إذ من يسيطر عليها يستطيع منع معظم واردات اليابان من البترول والغاز الطبيعي، وقطع العمليات البحرية الأمريكية والتابعة لحلفائها في الإقليم.

4- التقارب الأمريكي – الياباني: الذي يثير حفيظة بكين، إذ يأتي ضمن التوجهات الأمريكية الجديدة تجاه أسيا التي تقضي بالمحافظة على النفوذ الأمريكي في منطقة الباسيفيكي، وبالتالي الدخول في تنافس مع الصين التي تحاول أن تثبت نفوذها في هذه المنطقة، وتعمل الولايات المتحدة على تقوية الدور الياباني في الباسيفيكي.

5- التجارة حيث يشكل الفائض التجاري – الصيني الكبير في التعاملات التجارية مع الولايات المتحدة عاملًا مثيرًا للتوتر بسبب فشل الشركات الأمريكية في منافسة الصادرات الصينية في الظروف العادية مما دفع الإدارة الأمريكية إلى تحديد حصص الصادرات الصينية وإثارة مشكلات بشأن التجارة بين الدولتين.

ثانيًا: أما بالنسبة للعلاقات الأمريكية- الروسية فهي الأخرى تشهد المزيد من التنافس والصراع، وذلك بسبب إصرار الولايات المتحدة على السيطرة على قيادة حلف شمال الأطلنطي ومحاورة الثلاثة الشمالي، والأوسط والجنوبي وحيث إنه طبقًا للمفهوم العسكري لهذا الحلف تدخل منطقة المواجهة الرئيسة مع روسيا في المحور الأوسط وبالذات في سهول أوكرانيا، التي تسمح بالمناورة وخفة الحركة للجيوش المتحاربة، كما دلت على ذلك خبرة الحرب العالمية الثانية بعكس شمال روسيا الممتلئ بالغابات الصنوبرية الكثيفة ذات المناطق الجبلية الوعرة، فإن الولايات المتحدة تصر على ضم ثلاث دول فقط من دول أوروبا الشرقية للحلف وهيبولندا، والمجر، والتشيك وهي الدول المحيطة بأوكرانيا التي من المنتظر أن تتحدد في سهولها أي نتائج لمواجهة عسكرية مستقبلية.

كما بدأت الولايات المتحدة في التوجه نحو جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، التي تعتبر ذات أهمية استراتيجية كبيرة لروسيا من حيث حماية الأمن القومي الروسي في الجناح الجنوبي مثل كازاخستان التي كانت تقدم 12.5 من إجمالي الصواريخ الروسية بعيدة المدى حاملة الرؤوس النووية كما أنها مركز إطلاق ومراقبة  الأقمار الصناعية الروسية والموجودة حتى الآن كما ظهر ذلك من خلال الوساطة الأمريكية في النزاع بين كل من أذربيجان وأرمينيا لحل الخلاف بينهما على إقليم ناجورنو – كارباخ.

وتوقيع الولايات المتحدة على اتفاقية للتعاون الاقتصادي مع أذربيجان تبلغ قيمتها ثمانية مليارات دولار للتنقيب عن البترول وتوقيع اتفاقية للتعاون الاقتصادي مع تركمانستان التي تملك ثلث- احتياطي العالم من الغاز الطبيعي – تقضي بعد خط أنابيب للغاز لأوروبا، وبهذه الصورة أصبحت . منطقة جنوب القوقاز منطقة مصالح أمريكية.

وفي إطار تخلي سكان القوقاز في روسيا عن ولائهم للدولة الأم «روسيا» رحبت الولايات المتحدة باقتراح الرئيس الأرميني بإنشاء برلمان قوقازي. واحد يضم كلًا من جورجيا وأذربيجان وأرمينيا  بالإضافة إلى إقليمين موجودين حاليًا ضمن روسيا الاتحادية هما «أنجوشيا وداغستان»، وهذا الاقتراح في حالة نجاحه فإنه يعني أنه الخطوة الأولى في سبیل طرد روسيا نهائيًا من القوقاز.

ولهذا فإن «المثلث الاستراتيجي» يمثل تحديًا للمصالح الأمريكية من أكثر من ناحية:

أ- يمكن أن ينعكس التقارب الاستراتيجي بين هذه الدول على علاقاتها بإيران المتهم الأول بامتلاك قدرات نووية بمشاركة روسية وصينية لتطوير القدرات العسكرية الإيرانية التقليدية والنووية.

ب- يثير التقارب الثلاثي قلقًا كبيرًا لباكستان في آسيا.

ج- فقدان روسيا زعامتها لدول أوروبا الشرقية التي اندمجت تدريجيًا في عضوية حلف الناتو قد يدفعها والصين إلى التعاون الاستراتيجي مع جمهوريات آسيا الوسطى إذ تسعى روسيا في ظل اشتداد ضغوط المنافسة الاقتصادية والتجارية والصعوبات التي وجدتها منتجاتها في الأسواق الغربية إلى الاستفادة من المنافع الاقتصادية التي يحققها التعاون مع آسيا الوسطى.

إلا أنه بالرغم من بوادر التحسين في العلاقات بين موسكو وبكين ونيودلهي فإن هناك عدة معوقات تحول دون تجاوز هذا التحسن لحدود معينة أهمها:

1- التحديات الضخمة التي تحد من قدرة روسيا والصين على التحرك سريعًا في هذا الاتجاه، وهي الوضع السياسي والاقتصادي الهش في روسيا، ومضاعفات الأزمة المالية التي عصفت باقتصادات العديد من الدول الأسيوية.

2- ميراث العداء التاريخي بين بكين ونيودلهي ،إذ خاض البلدان حربًا مريرة في الستينيات، عندما خرقت الثانية سياسة التعايش السلمي، وتدخلت في الشؤون الداخلية للتبت، رغبة منها في جعلها منطقة عازلة.

3- عدم تحمس الصين لفكرة إنشاء المثلث الاستراتيجي، إذ اكتفى الناطق باسم الخارجية الصينية بالقول إن بلاده تنهج سياسة خارجية سلمية ومستقلة فهي مستعدة لتطوير علاقاتها الديبلوماسية مع كل دول العالم على أساس مبادئ التعايش السلمي.

4- اختلاف رؤية كل دولة للأساس الذي يقوم عليه النظام متعدد الأقطاب فروسيا ترى أنه نظام ينبغي أن يقوم على التنافس، في حين ترى بكين أنه يقوم على أساس السلام والتعاون.

وبالرغم من هذه التحديات والعقبات؛ فإن هناك مؤشرات تسمح بقيام نظام متعدد الأقطاب ولو على المدى البعيد أهمها أن الصين مازالت صامدة في وجه الهزات المالية العالمية، مما يعني أن النموذج الأسيوي لم يمت بعد، كما أن روسيا التي أدارت ظهرها لآسيا عقب انهيار الاتحاد السوفييتي بدأت تعيد توجيه سياساتها الخارجية ناحية الشرق.

الرابط المختصر :