العنوان الافتتاحية .. السقوط الكبير لأحمد شاه مسعود
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 14-أبريل-2001
مشاهدات 65
نشر في العدد 1446
نشر في الصفحة 9
السبت 14-أبريل-2001
قام أحمد شاه مسعود «أسد بانجشير» السابق، والمعارض الأفغاني الحالي، بزيارة إلى أوروبا، التقى فيها عددًا من وزراء الخارجية والمسؤولين الأوروبيين، وزار البرلمان الأوروبي؛ حيث استقبل فيه استقبال رؤساء الدول.
وقد كانت فرصة لمسعود المعزول دوليًّا وأفغانيًّا في مساحة لا تتجاوز 5% من أراضي أفغانستان؛ لأن يدلي بعدد من التصريحات خلال الزيارة؛ حيث سلط الإعلام الغربي بعض الضوء عليه، فكان مما قاله: إنه طالب دول أوروبا بتقديم المساعدات للمعارضة الأفغانية، وأبدى استعداده للقبول بالمساعدة أيًّا كان مصدرها، فهي في ظنه ستساعد في إحلال السلام في أفغانستان، واشتكى مسعود من أنه لا يحظى بأي دعم خارجي، وأنه غير قادر على شراء السلاح والذخائر إلى درجة أنه غير قادر على تأمين الصيانة اللازمة للمروحيات العسكرية التي يستخدمها في قتال حركة طالبان.
واعترف مسعود بأن قواته تعادل۲۰٪ فقط من قوات طالبان، التي تسيطر على ٩٠٪ من أراضي أفغانستان، واستغل مسعود الحملة الدولية على طالبان؛ ليمارس التحريض عليها في أوروبا، وضرب على الوتر الذي يطرب الغرب، فقال: إن قواته تقاتل ضد مجموعات تشجع الإرهاب، وتخرق حقوق الإنسان، وتساند تجارة المخدرات، وتعارض المساواة بين الجنسين.
إن من يستعرض تصريحات مسعود، ويربطها بتصريحات وتحركات سابقة، يدرك أن تلك الأفعال والأقوال لا يقصد بها خدمة الإسلام، ولا الجهاد الذي كان يومًا من رجاله، ولا شعب أفغانستان الواقع بين شقي الدمار الداخلي الدمار الداخلي والتآمر الخارجي، وقد استغل مسعود حادث تحطيم طالبان لأصنام بوذا في بلد إسلامي، وحالة الغيظ التي انتابت بعض دول العالم؛ نتيجة موقف طالبان المبدئي في تلك القضية، استغل مسعود ذلك ليقدم نفسه كبديل عن طالبان يقبله الغرب، وفي ذلك ما فيه من تهافت واضح، ورغبة في إرضاء جهات معينة، واستمداد العون منها لمحاربة السلطة الحاكمة في أفغانستان.
ومن المهم في هذا الصدد الإشارة إلى بعض الأمور التي نأمل أن تجلي حالة الغبش والضبابية التي احتوت المسألة الأفغانية، فقد عانت أفغانستان منذ ربع قرن من الانقلابات العسكرية التي نفذها بعض الشيوعيين المرتبطين بموسكو، وقد وجد الأفغان آنذاك أن ذلك يمثل تهديدًا لعقيدة أهل البلاد، فقرروا مواجهة تلك الأنظمة، ثم اتضحت الصورة بإقدام السوفيت على احتلال أفغانستان، وأصبح لزامًا على كل مسلم، سواء كان أفغانيًّا أو غير أفغاني، أن يجاهد أولئك المحتلين الشيوعيين وأعوانهم، ورفعت رايات كثيرة للجهاد، ولم تكن حالة الحرب الضروس المشتعلة آنذاك تسمح بتمحيص تلك الرايات، وبيان توجهات أصحابها، فقد كان الهدف الرئيس هو مواجهة المحتل وأعوانه.
وبعد جلاء السوفيت وسقوط الحكومة العميلة، ظهرت الخلافات بين الفصائل، ولم تفلح جهود الوساطة والتوفيق الكثيرة والمتعاقبة التي قام بها عدد كبير من رجال الحركة الإسلامية في جمع تلك الفصائل على فهم مشترك، وتوجه محدد يخدم الشعب الأفغاني، ويعوضه ما لاقي من عنت الشيوعيين، فكان أن تفجرت الخلافات بين تلك الفصائل، وتحول الأمر إلى صراع على السلطة، واستغلت أطراف خارجية الوضع، فغذت الانقسامات القبلية والعرقية، وأمدت كل طرف بالسلاح؛ ليستقوي به على منافسه حتی ساءت أوضاع أفغانستان أكثر مما كانت، وافتقد الشعب الأفغاني الأمن، وفي غضون ذلك ظهرت مجموعات من طلبة العلوم الشرعية، أو ما عرف باسم طالبان، واستطاعت الوصول إلى العاصمة كابول عام ١٩٩٦م، وهي تحكمها منذ ذلك التاريخ، كما اتسعت رقعة الأراضي الواقعة تحت سيطرتها حتى أصبحت تحكم ٩٠٪ من أراضي أفغانستان، والغريب أن العالم الذي يعترف بتغيير الأنظمة عبر الانقلابات العسكرية والثورات الشعبية ويعترف بحكومات منبوذة ومرفوضة من شعوبها، يرفض حتى اليوم الاعتراف بحكومة طالبان، كما يرفض منحها مقعدها في الأمم المتحدة.
وبينما يعاني الشعب الأفغاني الأمرين من المجاعة والحصار وانشقاق البعض على السلطة الحاكمة، والتآمر الخارجي، وعبث أصابع المنصرين والمخربين بالعقيدة يلجأ احمد شاه مسعود للغرب طالبًا المساعدة للمعارضة الأفغانية، وبالطبع فإن المعارضة لا تطلب الخبز والدواء للشعب، وإنما تطلب السلاح؛ ليزيد تأجح الاقتتال بين المسلمين الأفغان، والغريب أيضًا أنه بينما يطلب مسعود الضغط على باكستان لوقف ما يسميه تدخلها في أفغانستان، يلجأ هو إلى الغرب طالبًا التدخل بإمداده بالسلاح.
قد يتفق البعض مع طالبان في عدد من القضايا، وقد يختلف معها في قضايا أخرى، ولكن ذلك لا ينفي أنها تحكم أفغانستان منذ خمس سنوات، وتحظى بتأييد داخلي كبير، وأن الأغلبية الساحقة من أراضي البلاد تقع تحت سيطرتها، وأنها تسعى - فيما تعلم من المصادر الموثوقة غير المغرضة - إلى توفير حاجات الشعب الأفغاني في حدود إمكاناتها الضئيلة، وفي بلد مدمر من الأصل، وفي ظل ظروف إقليمية ودولية صعبة؛ حيث يتربص بها المناوئون من أكثر الجهات، وفي المقابل، فإن المعارضة أصبحت توجهها دول خارجية لتضرب بها طالبان، وقد سبق لتلك الجهات الخارجية أن ناصبت أولئك المعارضين العداء يوم أن كانوا في السلطة، وهي إنما تستخدمهم اليوم ضد طالبان؛ لتضرب بعضهم ببعض، ويفني بعضهم بعضًا، ويفنى معهم الشعب الأفغاني، فيما يحقق المتآمر الأجنبي أغراضه.
إن الشرع والعقل يلزمان كل مسلم مخلص أن ينأى بنفسه عن أن يشارك في أي مؤامرة من هذا النوع، وعلى جماعة المعارضة الشمالية أن تكف عن قتال السلطة الحاكمة، كما أن على الأخيرة أن تسعى لاستيعاب المعارضة، وليكن هدف الجميع إقامة شرع الله في الأرض، والعمل على نهضة أفغانستان، وتعويض شعبها عما لاقاه من مآس.
وليعمل الجميع بقول الله – تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ ﴾ (آل عمران: 118) وبقوله تعالى:﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ ﴾ (الأنفال: 1).