; أحداث 11 سبتمبر: الطبخة التي لم تنضج بعد! | مجلة المجتمع

العنوان أحداث 11 سبتمبر: الطبخة التي لم تنضج بعد!

الكاتب علاء بيومي

تاريخ النشر السبت 03-سبتمبر-2005

مشاهدات 81

نشر في العدد 1667

نشر في الصفحة 30

السبت 03-سبتمبر-2005

  • المسلمون تميزوا بعدها.. وهناك سلبيات أحاطت بهم وإيجابيات استفادوها لكن الصوت الإسلامي أصبح مهمًا وهو في طريقه ليكون مؤثرًا

لا تزال أحداث 11 سبتمبر تثير الجدل داخل الأوساط الأمريكية، خاصة أن المسلمين تميزوا بعدها وأصبحوا داخل دائرة الضوء، ولكن هناك سلبيات أحاطت بهم وإيجابيات استفادوها، وأصبح الصوت الإسلامي في الولايات المتحدة الأمريكية مسموعًا ومهمًا وهو في طريقه كي يصبح مؤثرًا أيضًا.

فالدول والمجتمعات تتعامل مع الأقليات المكونة لها من خلال عدة بدائل أساسية أو خمسة اختيارات رئيسة، فالبديل الأول والأكثر سلبية هو الاستبعاد، ونعني بذلك استبعاد الأغلبية لفكرة وجود جماعات متعددة داخل المجتمع، مما قد يترتب عليه سعي الاستبعاديين لاستئصال الجماعات المختلفة عنهم. 

وترى ديانا إك، أستاذة الأديان بجامعة هارفرد الأمريكية، أن الاستبعاديين ليسوا غرباء عن المجتمع الأمريكي، فقد ظهرت على مدى التاريخ الأمريكي جماعات متعصبة للثقافة الأنجلو - بروتستانتية رفضت وجود الآخر، ففي منتصف القرن التاسع عشر ركز الاستبعاديون من الأمريكيون طاقتهم ضد الأقليات الكاثوليكية واليهودية، حيث اتهموهم برفض الاندماج في المجتمع الأمريكي، في الوقت الذي رفض الاستبعاديون فكرة دمج هذه الأقليات من أساسه في المجتمع الأمريكي (1).

التسامح: أما البديل الثاني والأقل إيجابية فهو التسامح، ولا يعني هذا المفهوم في الثقافة الأمريكية الكثير، إذ يرى ليو ريبفو، الأستاذ بجامعة جورج واشنطن الأمريكية، أن التسامح أمر ضروري ومفروض على الأمريكيين بحكم أن المجتمع الأمريكي بطبيعته مجتمع من المهاجرين، مما يفرض على الجماعات المكونة للمجتمع الأمريكي في علاقاتها بعضها مع بعض قدرا من التسامح المتبادل حتى تتمكن من العيش معًا، ولكن هذا التسامح لا يعني الكثير (2). 

التسامح كما ترى ديانا إك يحدث غالبًا من موقع قوة لا من موقع ضعف، وقد يدفع التسامح الأغلبية إلى التحكم في ذاتها وعدم الاعتداء على الأقليات ولكنه لا يقود إلى الفهم والاحترام المتبادل، كما أن علاقة التسامح - كما يرى ليو ريبفو - هي علاقة هشة ممكن أن تنهار في فترات الأزمات والحوادث القومية الكبيرةكازمة الحادي عشر من سبتمبر 2001م. 

الاندماج: والبديل الثالث هو الاندماج، وهو يعني أن تترك الأقلية لتشارك في أكبر المؤسسات المكونة لمجتمعها، وتؤكد الخبرة التاريخية الأمريكية - كما يرى مصطفى مالك وهو باحث هندي مقيم في الولايات المتحدة - أن اندماج الأقليات في المجتمع الأمريكي يحدث بشكل تدريجي على فترات زمنية طويلة، فالأجيال الأولى المهاجرة من أي أقلية لا تتمكن من تحقيق الاندماج الكامل، والذي يتأتى فقط للأجيال الثانية وربما الثالثة، حيث يتم الاندماج على مراحل خصوصًا في أوساط الأقليات الدينية الأمريكية المتعددة عرقيًا كاليهود والكاثوليك والمسلمين، فالأقليات الثلاثة السابقة تتكون من جماعات عرقية مختلفة فالمسلمون - على سبيل المثال - يوصفون بأنهم أكثر الأقليات الدينية الأمريكية تعددية داخلية، نظرًا لأن المسلمين الأمريكيين يمثلون غالبية إن لم يكن جميع بلدان العالم تقريبًا، ولكي تندمج أقلية كالأقلية المسلمة في المجتمع الأمريكي ينبغي لها أن تحقق درجة من التجانس الداخلي وأن تقوم بنشر هوية مشتركة بين أعضائها أولًا حتى يبدؤوا في النظر لأنفسهم كجماعة مسلمة ذات هوية مشتركة وليس كمجموعات عرقية ووطنية وثقافية متعددة ومختلفة، وعندما يتحقق هذا التجانس فإنه سوف يساعد المسلمين على الاندماج في المجتمع الأمريكي كأقلية مسلمة أمريكية موحدة (3). 

بقي لنا أن نشير إلى أن اندماج أي أقلية في المجتمع الأمريكي ليس هبة تمنحها الأغلبية للأقلية، فالاندماج يحدث بعد كفاح ومجهود سياسي واقتصادي كبير، وخبرة الأفارقة الأمريكيين التاريخية وكفاحهم لنيل حقوقهم المدنية خير دليل على ذلك.

الصهر: البديل الرابع هو الصهر، وهو بديل مفضل للأغلبية التي تسعى لصهر الأقلية في المجتمع على المستويات الثقافية والدينية والعرقية، وذلك من خلال التزاوج والتنصير والضغط الثقافي، وقد كان الصهر البديل المسيطر للنخب الأمريكية المسيطرة حتى النصف الثاني من القرن العشرين، حيث كان ينظر للمجتمع الأمريكي على أنه بوتقة صهر كبيرة تصهر أعراق الأقليات المختلفة وتحولها إلى نسيج أمريكي جديد واحد. 

ولكن الدراسات الأساسية في علم الاندماج الأمريكي - كدراسة عالم الاجتماع الأمريكي ميلتون جوردون الصادرة في منتصف الستينيات من القرن الماضي بعنوان «الانصهار في الحياة الأمريكية: دور العرق والدين والأصل الوطني» - أكدت أن للانصهار حدودًا، فالانصهار كما يرى جوردون يتوقف عند حدود كبرى وعلى رأسها الدين (4).

فعلى سبيل المثال نجحت بوتقة الصهر الأمريكية تاريخيا في صهر الخلفيات العرقية والوطنية للمهاجرين الأوروبيين الذين استقروا  في أمريكا، فلم يعد - بمرور الزمن - هناك وجود يذكر للهويات الوطنية للمهاجرين الأوروبيين الأمريكيين - كالهوية الإيطالية أو  الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية - حيث ذاب أبناء تلك الهويات في الأغلبية الأمريكية البيضاء، ولكن بوتقة الصهر الأمريكية فشلت في الوقت نفسه في تحويل جميع هؤلاء المهاجرين إلى دين واحد، حيث ظلت الأديان الأمريكية التقليدية الكبرى كالبروتستانتية والكاثوليكية واليهودية موجودة وقائمة وذات تأثير.

التعددية: البديل الخامس والأكثر إيجابية هو التعددية، ويقصد بالتعددية هنا أن تترك الأقليات لتندمج في المجتمع سياسيًا واقتصاديًا وأن تشارك في أكبر مؤسسات المجتمع الذي تعيش فيه دون أن يفرض عليها التخلي عن ثقافتها ودينها لصالح الثقافة والدين السائدين. 

وهنا تؤكد ديانا أن التعددية رغم إيجابياتها في عملية صعبة التحقيق بسبب طبيعة البشر وصعوبة تحقيق التناغم الكامل بين جماعات عديدة مختلفة، إذ تشبه ديانا إلك التعددية بالآلات الموسيقية المتعددة التي تؤدي لحنًا واحدًا معًا، وهي بدون شك عملية صعبة تحتاج لمران طويل وليس من السهل الوصول إليها. 

لذا يلتمس محللون مثل بريما كورين - أستاذ علم الاجتماع بجامعة سيركيوس الأمريكية - قدرًا من العذر للولايات المتحدة بحكم أنها واحدة من أكثر بلدان العالم تعددية خصوصًا على المستوى الديني، فحتى الأديان الأمريكية الكبرى كالمسيحية تتمتع بتعددية داخلية كبيرة للغاية (5).

بقي لنا أن نشير إلى حقيقة مهمة هي أن وضع أقلية ما داخل مجتمع وموقف هذا المجتمع من تلك الأقلية من حيث استبعادها أو التسامح معها أو دمجها أو غير ذلك أمر تحدده بالأساس المؤسسات الكبرى بهذا المجتمع وعلى رأسها مؤسسات الدولة السياسية والتشريعية، فلو قامت دولة ما بإقرار سياسات أو تشريعات تنظم وضع الأقليات بها فمن شأن هذه القواعد المفروضة من قبل الدولة أن تترك تأثيرًا شديد القوة على وضع الأقليات داخل هذا المجتمع (6).

المسلمون والتعددية:

أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م زادت من التهديدات التي تتعرض لها التعددية الأمريكية لسببين رئيسين على الأقل، أولهما أن أحداث سمي 11/9 والحرب على الإرهاب أضعفتا دور المجتمع في مواجهة الدولة بالولايات المتحدة، وذلك كرد فعل لفترات الأزمات التي تطلب زيادة نفوذ الدولة ودورها في توجيه المجتمع وحشد طاقاته في فترات الحروب (7).

وقد ترتب على الظاهرة زيادة الطلب على تدخل الدولة والسلطات التنفيذية لضمان الأمن القومي الأمريكي حتى لو أدى ذلك إلى الحد من بعض الحريات المدنية، حتى إن استطلاعًا أجراه في أواخر العام الماضي مركز أبحاث تابع لجامعة كورنيل الأمريكية كشف أن 44% من الأمريكيين يعتقدون أنه ينبغي للحكومة الأمريكية التدخل للحد من حقوق مسلمي أمريكا المدنية (8).

العامل الثاني هو صعود نوع من القومية الأمريكية الخطرة التي يمتزج فيها الدين بالقومية بمشاعر وأفكار مبسطة مثالية يرى فيها الشعب الأمريكي نفسه كشعب مثالي صاحب رسالة يقف في جانب الخير ولكنه في الوقت نفسه ضحية مظلوم لا يفهمه الآخرون، وهي فكرة عبر عنها بوضوح باحث أمريكي يعمل بمعهد كارنيجي لدراسات السلام يدعى أناتول ليفين في كتاب أصدره حديثًا عن القومية الأمريكية، ويرى ليفين أن خطورة هذه القومية تكمن في سذاجتها وفي خلطها القومية بالدين وفي سهولة استغلالها من قبل الساسة الأمريكيين.

سلبيات وإيجابيات:

وفي ظل العوامل والظروف السابقة يمكن القول إن وضع المسلمين كأقلية داخل المجتمع الأمريكي تأثر منذ أحداث سبتمبر على المستويات الأساسية التالية:

على المستوى الإيجابي: زاد الاعتراف الأمريكي الرسمي بالإسلام والمسلمين والمؤسسات الدينية الإسلامية كأجزاء أساسية من المجتمع الأمريكي، وقد أتى هذا الاعتراف من أعلى مستويات القيادة السياسية الأمريكية بما في ذلك الرئيس الأمريكي نفسه مما أغضب بعض القيادات اليمينية المتطرفة (9).

يمكن أيضا القول: إن الأزمة زادت شعور المسلمين الأمريكيين بهويتهم وبالحاجة للتوحد والعمل معًا والنشاط على المستويات السياسية والحقوقية للدفاع عن حقوقهم وحرياتهم. 

على المستوى السلبي: زادت الأزمة من دعاوى الجماعات اليمينية المعادية للتعددية والأقليات والمهاجرين، ويجب أن نوضح هنا أن دعاوى تلك الجماعات السلبية لا تستهدف المسلمين وحدهم بل تستهدف أقليات أمريكية أخرى - كالأمريكيين اللاتينيين - بدرجة أكبر أحيانًا، فكتاب صموئيل هنتنجتون السابق الإشارة إليه في هذا المقال استهدف الهجرات اللاتينية الأمريكية بشكل أساسي بحكم حجمهم الكبير وسرعة نمو أعدادهم في الولايات المتحدة مقارنة بالأقليات الأخرى.

لهجة العداء:

لكن المشكلة تكمن في أن الضغوط ولهجة العداء التي يتعرض لها المسلمون في أمريكا لا تتناسب بأي شكل من الأشكال مع حجم وجودهم في الولايات المتحدة، فالعداء للإسلام كما يرى كاتب مثل أناتول ليفين يستغل أسوأ استغلال، إذ يتم تضخيم الخطر الإسلامي لتبرير أفكار يمينية متطرفة، وهي فكرة عبر عنها بصراحة هنتنجتون في كتابه الأخير، إذ يتحدث هنتنجتون في غالبية كتابه عن خطر الهجرات اللاتينية الأمريكية على المجتمع الأمريكي بشكل أساسي، ولكنه رغم ذلك يروج في خاتمة كتابه لفكرة أن العداء للإسلام قد يمثل أداة لتوحيد الأمريكيين حول هويتهم. 

أضف إلى ذلك حقيقة مهمة تشير إليها تقارير الحقوق المدنية الخاصة بالمسلمين الأمريكيين، وهي زيادة التمييز ضد حقوق المسلمين الأمريكيين من قبل مؤسسات الدولة والسلطة التنفيذية، إذ يشير أحدث التقارير الخاصة بحقوق المسلمين في أمريكا خلال عام 2003م والصادر عن مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية «كير» وهو أكبر مؤسسات الحقوق المدنية المسلمة الأمريكية، إلى أن أماكن العمل كانت تمثل المصدر الأول من مصادر التمييز ضد مسلمي أمريكا حتى عام 2002م، وهو العام الذي تساوت فيه أماكن العمل مع المؤسسات الحكومية كمصدر أول للتمييز ضد مسلمي أمريكا وفقًا لتقارير كير، أما في عام 2003م فقد أتت المؤسسات الحكومية في المرتبة الأولى بنسبة 29% من مجمل حوادث التمييز ضد مسلمي أمريكا في ذلك العام، بينما احتلت أماكن العمل مرتبة ثانية بنسبة 23%. 

العامل الرابع هو أن أحداث سبتمبر أعطت فرصة لأصحاب التوجهات الاستبعادية والمعادية لمسلمي أمريكا لتصوير مسلمي الغرب بصفة عامة ومسلمي أمريكا بصفة خاصة على أنهم جماعات ترفض الاندماج في المجتمعات الغربية وتحمل قيمًا منافية لقيم الحرية والتعددية، في الوقت الذي يرفض فيه الاستبعاديون فكرة دمج المسلمين في المجتمعات الغربية من أساسه، بل إن أفكار الاستبعاديين قادت في أحيان كثيرة إلى التمييز ضد المسلمين والاعتداء عليهم (10).

وفي النهاية يجب أن نوضح أن الصورة الحقيقية لتبعات أحداث الحادي عشر من سبتمبر على موقف المجتمع الأمريكي من الأقلية المسلمة الأمريكية لم تتضح كاملة بعد، والسنوات القادمة سوف تكون مهمة ومؤثرة في إيضاح تلك الصورة، كما أنه من المؤكد أن المسلمين الأمريكيين لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام الأحداث، وسوف يكون نشاطهم للدفاع عن حقوقهم ومكانتهم في المجتمع الأمريكي في الفترة الحالية أكبر الأثر على صياغة موقف المجتمع الأمريكي تجاههم لسنوات عديدة قادمة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 8

148

الثلاثاء 05-مايو-1970

مع القراء - العدد 8

نشر في العدد 10

147

الثلاثاء 19-مايو-1970

صحافة - العدد 10

نشر في العدد 10

134

الثلاثاء 19-مايو-1970

الطلبة المسلمون في أمريكا