العنوان الإحياء الهندوسي: عقائد المنظمات الهندوسية... أفكارها... ومناهجها
الكاتب ظفر الاسلام خان
تاريخ النشر الثلاثاء 17-فبراير-1998
مشاهدات 64
نشر في العدد 1288
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 17-فبراير-1998
على مدار أيام ١٦و ۲۲و ۲۸ فبراير الجاري يتوجه ٦٠٠ مليون ناخب هندي إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في ثاني انتخابات تشريعية تجرى خلال عامين، ومن بين ٤٠حزبًا سياسيًا تخوض الانتخابات، يأتي حزب بهارتيا جاناتا القومي الهندوسي المتعصب في المقدمة منذ عام ١٩٩٦م، ومرشحه لرئاسة الوزراء هو أتال بياري فاجباي «۷۱سنة»، وتتوقع الاستطلاعات أن يظل الحزب متقدمًا بعد الانتخابات على بقية الأحزاب، وأهمها حزب المؤتمر الذي قدم سونيا غاندي أرملة رئيس الوزراء الأسبق راجيف غاندي زعيمة جديدة له.
ما أفكار القوميين الهندوس؟ وما منظماتهم؟ وكيف تتم عملية الإحياء الهندوسي؟ هذا ما تجيب عنه هذه الدراسة...
- الحركة القومية الهندوسية تدعو لحمل المسلمين على اعتناق الهندوسية، وأن يحظر عليهم ذبح البقر.
- تهافتت الأحزاب السياسية على كسب أصوات الهندوس المتطرفين، فاكتسبوا شرعيتهم، وتقدموا على كل الأحزاب.
- منظمة الخدمة الذاتية القومية هي أكبر المنظمات الهندوسية المتواجدة على الساحة حاليًا.. فروعها 35 ألف فرع وأعضاؤها 3.5 مليون عضو.
- حزب الشعب الهندي من أشد الأصوات المنادية بشن حب على باكستان رغم أن هذه الخطوة الحمقاء ستؤخر تنمية البلاد لعشر سنوات إلى الوراء.
«الهندوسية في خطر!».. هذا هو شعار عشرات المنظمات الهندوسية النشيطة في الهند ونيبال والمهاجر الهندوسية عبر العالم، ويكاد المسلمون يمثلون العدو الوحيد في نظر هؤلاء، وهم مستعدون للتحالف مع الكل ضد المسلمين، ولقد كان هؤلاء في طليعة المنادين بإقامة العلاقات مع الكيان الصهيوني، الذي ينظرون إليه نظرة إعجاب لقدرته على التغلب على القوة العربية البشرية والعسكرية الهائلة، وقد ذهب وفد من علمائهم إلى إسبانيا لدراسة كيف تم استئصال الإسلام من ديار الأندلس.. وهم يعقدون ابتهالات دينية تسمى «باغنا» تكون مخصصة للدعاء لدمار المسلمين، ويزعمون أن موت المسلمين في كوارث متعددة عبر العالم هو نتيجة لهذه الابتهالات، وكانت هذه العناصر هي التي تصدرت الدعوة إلى هدم المسجد البابري ثم قامت بهدمه بالفعل في 6 ديسمبر ١٩٩٢م.
تلك العملية التي أصبحت الآن تطوق أعناقهم، وهم لا يعرفون كيف يتخلصون منها، ويدعى زعماؤهم أمام المحاكم أنهم لا علاقة لهم بذلك الحادث، وقد رفضتهم كل القوى السياسية من يسار ويمين ووسط، فلم يتمكنوا من الاستمرار في الحكم في مايو الماضي لأكثر من ١٣ يومًا رغم كونهم أكبر كتلة في البرلمان المركزي، إذ لم يرض أحد بالتحالف معهم لتمكينهم حتى من التمتع بالغالبية البسيطة في البرلمان، لقد أصبح البابري أكبر حجر عثرة في وجه طموحهم السياسي للوصول إلى سدة الحكم المركزي في الهند.
وكانت الحكومة الهندية قد حظرت في 10 ديسمبر ۱۹۹۲م- نتيجة هدم المسجد البابري والاضطرابات التي تلته- ثلاث منظمات هندوسية متطرفة هي راشتريا سوايام سيواك سانغ «منظمة الخدمة الذاتية القومية» RSS و«ويشوا هيندو باریشاد» VHP «المنظمة الهندوسية العالمية» وباجرائغ دال «جيش باجرانغ»، وهذه الأخيرة منظمة شبيبة شبه عسكرية.
وشمل الحظر كذلك منظمتين إسلاميتين هما الجماعة الإسلامية «أكبر منظمة إسلامية في الهند» و«منظمة الخدمة الإسلامية» ISS «إسلاميك سيواك سانغ»، ولم تقم الحكومة بحظر المنظمتين الإسلاميتين إلا لإقامة توازن طائفي في قرارها، بينما الحقيقة هي أن الجماعة الإسلامية لا علاقة لها بنشر الطائفية، ولم يعرف عنها يومًا اللجوء إلى العنف، أما منظمة الخدمة الإسلامية، وهي منظمة حديثة، وجودها محدود ببعض مناطق ولاية كيرالا بجنوب الهند، وقد نشأت ردًا على الأنشطة الاستفزازية لمنظمة راشتريا سيواك سانغ في الجنوب.
والمنظمات الهندوسية الثلاث ذات إمكانات ضخمة، وقاعدة شعبية عريضة، لا تقاس بأي حال بإمكانات المنظمات الإسلامية المتواضعة وقواعدها، كما أن منظمات هندوسية أخرى كثيرة متفرعة عن هذه المنظمات أو متحالفة معها لم يشملها الحظر، وبالتالي لم تتأثر الحركة الهندوسية، تمامًا كما حدث في الماضي، إذ لم يستمر الحظر عليها من قبل إلا عامًا واحدًا «سنة ١٩٤٨م» وعامين «سنتي ١٩٧٥م-١٩٧٦م»، وحتى حظر سنة ١٩٩٢م فقد ألغي في السنة التالية، وبالتالي عادت الحركة الهندوسية أكثر نشاطًا وصخبًا.
أفكار سلبية:
تقوم هذه المنظمات الهندوسية على أفكار سلبية من الألف للياء، وعدوها رقم واحد هو الإسلام والمسلمون، وهي تؤيد كل من يعادي المسلمين ابتداء من إسرائيل والصهيونية إلى الصرب في البوسنة، لقد جعلوا الغالبية الهندوسية تشعر بأنها أقلية في بلادها! وهم يقولون للجماهير الهندوسية إن ديانتها وثقافتها- بل وحتى مجرد وجودها- في خطر! والهدف الرئيسي لهذه الحملة الحاقدة هو الأقلية المسلمة في الهند، والتي يبلغ تعدادها الرسمي ۱۱۰ مليون في مقابل نحو ۷۰۰ مليون هندوسي، وهم يوهمون الجماهير الهندوسية بأن عدد مسلمي الهند سيفوق عدد الهندوس عما قريب، بسبب مبدأ تعدد الزوجات في الإسلام، «ولذلك لا بد من تحريم العمل بالإسلام حتى في إطار الأحوال الشخصية».
وأدت حملة الحقد والكراهية هذه إلى ما يسمى بـ «ردة الفعل» الهندوسية، وهو مصطلح ظهر الأول مرة خلال الانتخابات النيابية السابقة في أواخر سنة ١٩٨٤م، حين سعى حزب المؤتمر «جناح إنديرا» إلى كسب الأصوات الهندوسية واستمالتها بصورة مكشوفة، وأعلن أنه لا قيمة لأصوات المسلمين التي ظلت حتى ذلك الوقت العامل الفعال لترجيح كفة أي حزب أو مرشح في مناطق كثيرة.
وفي الانتخابات النيابية العامة التالية «نوفمبر۱۹۸۹م» دفعت هذه الموجة الهندوسية نفسها حزب المؤتمر إلى مقاعد المعارضة في البرلمان، وأوصلت «الجبهة القومية» المعارضة إلى مقاعد السلطة، وبعد هذا أفاق حزب المؤتمر، وبدأ يرفع عقيرته ضد مخاطر «الطائفية» المتفشية في البلاد، ولكنه لم يكف يومًا ما عن سياسات ترضية المشاعر الهندوسية رغم ادعاءاته العلمانية، وكان رئيس الوزراء السابق نارا سيما راو ضليعًا في هدم المسجد البابري.
وقد اتهم عدد من قادة حزب المؤتمر علانية- مثل وزير الداخلية آنذاك «تشاوان»، ووزير الصناعة «فوتيدار»، ووزير القوى البشرية «أرجون سينغ»- أن راو هو المسؤول الحقيقي عن هدم البابري، إذ رفض اتخاذ أي إجراء رغم التحذيرات المتكررة، إلا بعد أن علم بالتأكيد بأن المسجد قد هدم نهائيًا، فجاء يبكي أمام كاميرات التليفزيون، زاعمًا أنه قد خدع، مؤكدًا أن ما أزيل سيعاد بناؤه، ذلك التأكيد الذي فسره وزیر داخليته «تشاوان» بأنه لا يعني أن المسجد سيعاد بناؤه على نفس بقعته السابقة!
وإن كانت الحركة الهندوسية المتطرفة قد ظهرت منذ قرن تقريبًا، إلا أن النشاط الهندوسي الحالي يعود إلى اعتناق مئات من المنبوذين «الهاريجان» للإسلام في قرية ميناكشي بورام بجنوب الهند سنة ۱۹۸۱م، ذلك الحدث الذي أدى إلى صدور صرخات حامية بأن الإسلام يغزو الهند من جديد مستغلًا «دولارات النفط العربية».
وقابل زعماء الهندوس رئيسة الوزراء آنذاك إنديرا غاندي يطالبونها بفرض حظر حكومي على تغيير الهندوس ديانتهم، واتفقت إنديرا غاندي مع مطلبهم، وأشارت عليهم بأن يخلقوا جوًا شعبيًا مناسبًا يسهل مهمة الحكومة، وهكذا فإن الموجة الجنونية التي انطلقت بموافقة حكومية سرية غيرت خريطة الهند السياسية والطائفية.
وقد اكتسبت الفلسفة الطائفية الهندوسية الشرعية والقبول بفعل نتائج الانتخابات النيابية المتتالية منذئذ، تلك الشرعية التي ظلت تفتقدها منذ الاستقلال، حين تبنت البلاد العلمانية كسياسة رسمية، نظرًا لوجود أديان وعروق ولغات مختلفة ومتباينة في أرجاء البلاد.
«الإحياء» الهندوسي حلم قديم في الهند، رغم أنه ليس هناك من ماض ذهبي هندوسي يمكن «إحياؤه»، وكانت الحركة القومية قبل ظهور غاندي على مسرح السياسة تتميز بمحتوى هندوسي ديني ملحوظ، مثل حركة «شودهي» «التطهير»، أي حمل المسلمين على العودة إلى الهندوسية، والمطالبة بحظر ذبح البقر، وإحياء احتفال «غاناباتي» الوثني الهندوسي، وجاء زعيم حزب المؤتمر غاندي ليستخدم الرمزية الدينية الهندوسية في كفاحه السياسي.
والتاريخ الرسمي في الهند، وكذلك الاعتقاد العام، يؤمنان بأن المسلمين هم وحدهم مسئولون عن تقسيم البلاد سنة ١٩٤٧م، بينما الحقيقة هي أن المطالبة بإنشاء الدولة الهندوسية «هيندو راشترا» ونظرية العرق الآري كانتا معروفتين قبل عقود كثيرة من اتخاذ الرابطة الإسلامية قرارها بالمطالبة بباكستان في ۲۳ مارس ١٩٤٠م، وبالتالي فإن الهندوس هم الذين زرعوا بذور التقسيم في الهند، ويرى منظرو الأصولية الهندوسية مثل «غيري لال جين» «رئيس تحرير جريدة تايمز أوف إنديا سابقًا» في كتابه الظاهرة الهندوسية Hindu Phenomenon «دلهي الجديدة ١٩٩٤م» أن تقسيم الهند كان «أفضل شيء حدث للهندوس»، إذ خلصهم من أعداد كبيرة من المسلمين الذين لم يكونوا ليسمحوا للهندوس بفرض سيطرتهم الكاملة على الهند المستقلة «هكذا»، وهو يضيف قائلًا: «إن التقسيم أنهى حالة المواجهة بين المسلمين والهندوس في ثلثي البلاد، ومكن الهندوس من معاودة دورهم الحضاري».
الحركة الهندوسية القائمة على فكرة «هيندوتوا» «الهندوية» كانت تنادي بها العصبة الهندوسية «هندو سانغتان» في أوائل هذا القرن.. وكان زعيمها« لالا هاردبال» قد حدد أهداف الحركة الهندوسية في أربع نقاط في كتابه «أفکاري» «Mere vichar»:
- الوحدة الهندوسية.
- الحكم الهندوسي.
- تطهير المسلمين أي تحويلهم إلى الهندوسية.
- فتح أفغانستان وتطهيرها «باعتبار أفغانستان مصدر كل الحملات التي وصلت الهند برًا»، وقال معقبًا على هذه الأهداف: «طالما لم يحقق الشعب الهندوسي هذه الأهداف الأربعة، فإن أمن العرق الهندوسي سيظل مستحيل المنال».
واستمرت هذه الفكرة بأشكال وصور مختلفة، فنادى بها حزب المؤتمر القومي «قبل ١٩٤٧م» ومنظمات هيندو مهاسبها، وراشتريا سيواك سانغ، وحزب جان سانغ، وويرات هيندو ساميلان، وهندو سماج أوتساو، وحزب الشعب الهندي «بهارتيا جاناتا»، وويشوا هيندو باريشاد، وباجرانغ دال، وقوات الشبيبة المتطوعة، وشيوسينا، وهيندو شيوسينا، وهيندو سوراكشا ساميتي، وهيندو شيوشكتي دال، وراشتريا هيندو سانغتان، إلخ.. ومن الملاحظ أن كبار رجال الصناعة والتجارة في الهند مثل «دالميا» و«بيرلا» و«سينغانيا» و«أمباني» و«مودي» يتصدرون- كمؤيدين وممولين وحملة مناصب- قيادة هذه المنظمات الطائفية.
ومنظمة الخدمة الذاتية القومية RSS التي أسسها سنة ۱۹۲۹م الطبيب ك.ب هيدغيوار بمدينة ناغبور مع حفنة من البراهمة من منطقة مهاراشترا بغرب الهند، هي أكبر المنظمات الهندوسية اليوم، وهي آخر منظمة باقية في العالم اليوم من بين المنظمات التي قامت بمحاكاة النازية كالكتائب اللبنانية، وأكبر منظري هذه المنظمة هو غورو «المعلم» غولوالكار صاحب كتاب عنقود الأفكار Bunch of Thoughts الذي يعتبر إنجيل الأصولية الهندوسية.
وكل المنظمات الهندوسية المتطرفة الأخرى إما تفرعت عن هذه المنظمة، أو هي واجهات لها، أو ترتبط بها ارتباطًا قويًا، ولهذه المنظمة ٣٥ ألف فرع ونحو ثلاثة ملايين ونصف مليون عضو عامل ونشيط في مختلف أنحاء الهند الآن، وهم معروفون بممارسة الرياضة والتدريبات شبه العسكرية في الميادين العامة كل صباح في أنحاء البلاد.
وتؤمن راشتريا سيواك سانغ بأن الأمة الهندوسية «إله حي»، وأن الهند «أم» الهندوس، وهذه المنظمة محاولة لتقليد الأمة الإسلامية «الواحدة»، فخلاصة الفكرة التي تقوم عليها هي تجميع أشتات الهندوس كأمة واحدة، وتحاول هذه المنظمة، بتأكيدها على التدريب الجسماني اليومي شبه العسكري غرس فلسفة «الأدفيتا» الهندوسية، وهي تسعى إلى تحقيق الحلم الذي رآه فيفيكاناندا بأن يكون الهندوس «جسدًا إسلاميًا وقلبًا فيدانتيًا»، وكانت منظمة RSS سوايام سيواك سانغ في أوائل سنواتها متمسكة تمسكًا جنونيًا باللغة «الهندية» «التي هي لغة شمال الهند»، الأمر الذي حد من نفوذها، وحال دون انتشارها خارج مناطق شمال الهند، وقد خففت المنظمة في السنوات الأخيرة من غلواء هذه السياسة، فتمكنت من التوغل في ولايات لا تتحدث بالهندية مثل كيرالا، وكرناتكا، وآندهرا براديش، وتاميل نادو بجنوب الهند.
وتنشط هذه المنظمة من خلال واجهات متعددة يهيمن عليها الهندوس من الطبقات العليا، وهي قد اهتدت في السنوات الأخيرة إلى قضايا شعبية عاطفية لإثارة الهندوس، وكانت المنظمة قد لاحظت في تقريرها السنوي لسنة ١٩٩٠م أنه «قد تم إحراز تقدم ملحوظ نحو إنشاء الدولة الهندوسية» «صحيفة ستيتسمان دهلي، 3 أبريل ۱۹۹۰م».
وكانت أول واجهة سياسية لراشتريا سيواك سانغ هي حزب «الجان سانغ» الذي أنشئ سنة ١٩٥١م برئاسة شياما براساد موكرجي «عضو أول وزارة ألفها جواهرلال نهرو»، وذلك في أعقاب فرض الحظر على المنظمة، والضربة التي تلقتها سنة ١٩٤٨م حين أقدم أحد أعضائها «ناتورام غودسيه» على اغتيال غاندي، مما أدى إلى فرض الحظر عليها لمدة سنة، ولا تزال عناصر من هذه المنظمة تحيي ذكرى «غودسيه» هذا، وتكرمه كل سنة كبطل من أبطال الهندوس.
ورفع هذا الحزب شعار «هندي، هيندو، هیندوستان» «أي أن لغتنا هي الهندية، ونحن شعب هندوسي، وبلادنا بلاد الهندوس»، ولم يحرز هذا الحزب نجاحًا يذكر في الانتخابات النيابية المتعاقبة، وتداعى الحزب وانهارت قياداته خلال حكم الطوارئ سنة ١٩٧٥م- ۱۹۷۷م، وبعد رفع حكم الطوارئ قرر الحزب الانضمام إلى حزب الشعب «جاناتا»، ولكنه اضطر إلى ترك حزب الشعب سنة ۱۹۸۰ م، حين ثارت قضية ازدواجية الولاء، ورفض أعضاء جناح الجان سانغ التخلي عن عضويتهم بمنظمة راشتريا سيواك سانغ، وهنا ظهر حزب الجان سانغ باسم جديد هو حزب الشعب الهندي «بهارتيا جاناتا» BJP وبدأ ينادي بالاشتراكية الغاندية بدلًا من خطه القديم المنادي بالاقتصاد على النمط الأمريكي، ورغم أنه كان مولودًا من مواليد راشتريا سيواك سانغ، إلا أن علاقاته بالمنظمة الأم اتسمت بالبرود والفتور خلال سنوات ۱۹۸۰ م- ۱۹۸۸م؛ لأن المنظمة الأم رأت أن المولود الجديد ليس متحمسًا بما يكفي للمصالح والقضايا الهندوسية، وفضلت راشتريا سيواك سانغ تأييد حزب المؤتمر في انتخابات ١٩٨٤م، وبالتالي مني حزب الشعب الهندي بفشل ذريع، إذ لم يفز إلا بمقعدين في البرلمان الهندي!
شعارات جوفاء:
يؤمن حزب الشعب الهندي بالعلمانية «الإيجابية»، و«الفلسفة الإنسانية المتكاملة»، وهو يندد بسياسات الحكومات الهندية المتعاقبة تجاه المسلمين والنصارى واصفًا إياها بسياسات إرضاء الأقليات على حساب الأغلبية، وهو ينادي بسن قانون عام للأحوال الشخصية يطبق على الكل بما فيهم المسلمون، الذين لا يزالون يتمتعون بالقوانين الإسلامية فيما يتعلق بالأحوال الشخصية، وهم عندما يشرحون «هذا القانون العام»، يتضح أن المراد هو تطبيق القانون الهندوسي على الكل لا أكثر.
ويرى هذا الحزب أن «الهندوسية» مرادفة للقومية، وأن كل شيء خارج هذا الإطار الهندوسي يعتبر أجنبيًا، وقد لقيت سياسات الحزب- وخصوصًا شعار بناء معبد راما مكان «المسجد البابري»- قبولًا ملحوظًا لدى الناخبين خلال انتخابات ۱۹۸۹م، ففاز الحزب بثمانين مقعدًا في البرلمان، وفي الانتخابات المحلية التالية، التي جرت في الولايات الهندية في مارس ۱۹۹۰م، أحرز الحزب الأكثرية في ثلاث ولايات هي براديش وهيماتشال براديش وراجستهان؛ فتمكن من تأليف حكومات إقليمية بهذه الولايات، أما في انتخابات ۱۹۹۱م «التي جرت بسبب سقوط الجبهة القومية حين سحب بهارتيا جاناتا تأييده منها في أعقاب إحباط محاولة المتعصبين بناء المعبد على أنقاض مسجد البابري في أكتوبر ۱۹۹۰م» فارتفع عدد نواب بهارتيا جاناتا إلى ۱۲٥عضوًا، وبالتالي أصبح حزب المعارضة الرئيسي، وفاز الحزب كذلك في ولاية أوتار براديش- أهم ولاية هندية- التي تقع بها أيودهيا، الأمر الذي سهل هدفها كثيرًا في إنشاء معبد راما على أنقاض المسجد البابري، أما في الانتخابات النيابية الأخيرة قبل الحالية، فقد أحرز الحزب ١٦٠مقعدًا في البرلمان.
أما منظمة ويشوا هيندو باريشاد «المنظمة الهندوسية العالمية» التي ظهرت إلى الوجود سنة ١٩٦٤م، فهي جناح التعبئة الجماهيرية المنظمة راشتريا سيواك سانغ، وقد برزت هذه المنظمة سنة ۱۹۸۲م في أعقاب اعتناق المنبوذين للإسلام بقرية ميناكشي بورام بجنوب الهند، فشنت حملة لإعادة المسلمين إلى حظيرة الهندوسية، وتوجت جهودها بـ «تطهير» آلاف من المسلمين بمدينة أجمير حسب زعمها.
وأيد حزب المؤتمر الحاكم سرًا جهود ويشوا هيندو باريشاد، رغبة منه في الحصول على مكتسبات سياسية، وخرقت رئيسة الوزراء آنذاك إنديرا غاندي العرف السائد حين توجهت إلى مدينة الهندوس المقدسة هاريدوار بشمال الهند، لافتتاح معبد الهند الأم الذي أقامته ويشوا هيندو باريشاد، وذلك في ١٥مايو سنة ١٩٨٣م.
ومنظمة ويشوا هيندو باريشاد هي التي قادت الحملة لهدم المسجد البابري بمدينة أبودهيا، وتحويله إلى معبد «الإله الهندوسي الأسطوري» راما، وكانت السلطات قد تواطأت حين فتحت هذا المسجد للعبادة الهندوسية في فبراير سنة ١٩٨٦م، ثم سمحت لويشوا هيندو بريشاد بوضع حجر الأساس للمعبد المقترح في قطعة أرض ملاصقة للمسجد تتبع مقبرة إسلامية قديمة في نوفمبر ۱۹۸۹م، وجرى كل هذا بمباركة رئيس الوزراء آنذاك راجيف غاندي، ثم تمكنت عناصر هذه المنظمة من تدمير المسجد البابري بعد من ذلك الحدث نتيجة تقاعس رئيس الوزراء آنذاك «ناراسيما راو» عن القيام بمسؤولياته الدستورية، رغم التحذيرات المتكررة التي تلقاها من مختلف الجهات، وحتى من زملائه في الوزارة.
برلمان ديني:
كان من أهم مكتسبات حركة الإحياء الهندوسية إنشاء «البرلمان الديني» «دهارما سانساد» سنة ١٩٨٥م بمدينة «يوديبي» بولاية كرناتكا بجنوب الهند، لإرشاد خطوات ويشوا هيندو باريشاد، وتوفيرها غطاء الشرعية الدينية، ويتكون هذا البرلمان من نحو ۹۰۰ مندوب يمثلون كل طائفة وفرقة هندوسية بما فيها السيخ.
وبالإضافة إلى هذا، هناك عدد من المليشيات الهندوسية- أو جماعات الدفاع الذاتي- بولايتي أوتار براديش والبنجاب وغيرهما من الولايات، وهي تتكون عمومًا من الشبان العاطلين وصغار التجار وأصحاب الدكاكين الصغيرة.
ورمز هذه المجموعات المسلحة هو «تريشول»، أو الرمح الثلاثي المنسوب إلى الإله الهندوسي «شيوا»، وتشارك هذه المجموعات الغاضبة مشاركة فعالة في الاضطرابات الطائفية التي تقع في كل مكان تنشط فيه ويشوا هيندو باريشاد؛ فيقتلون الآلاف من المسلمين، ويدمرون ممتلكاتهم وينهبونها، ويحرقونها، وهو أمر معتاد في شمال الهند، وقد انتقل هذا الوباء الآن إلى جنوب الهند أيضًا نتيجة نشر السموم الطائفية هناك بصورة منظمة وتغاضي السلطات عنها.
ومن الشعارات المفضلة لدى ويشو هيندو بریشاد الشعار الآتي: «مسلمانون كادو هي استهان: باکستان یا قبرستان» «للمسلم مكانان اثنان فقط: باكستان أو المقابر»، وهذا الشعار جريمة واضحة تحت البند ١٥٣ من قانون العقوبات الهندي، ولكن لم يعرف بعد أن السلطات اتخذت أي إجراء ضد رافعي هذا الشعار في أي مكان.
والحقيقة المعروفة هي أن غالبية الهندوس أميون يعيشون تحت خط الفقر، ويعانون من وطأة تقاليد وطقوس قديمة لا معنى لها، والمنظمات الهندوسية لا تحارب من أجل قضايا حقيقية مثل: قهر الفقر، وإلغاء المنبوذية، والقضاء على الأمية، ومنع دخول المجرمين إلى عالم السياسة، ومحاربة الجريمة المنظمة المتفشية، والفساد السياس والبيروقراطي المستشري، بل هي تفضل إثارة قضايا عاطفية، وتسلط الأضواء على أخطار وهمية تزعم أنها تواجهها من أقلية مضطهدة وخائفة.
والرسالة التي تنشرها هذه المنظمات بين الجماهير الهندوسية الأمية هي أن الحكومات المتعاقبة جرت على سياسة إرضاء المسلمين ودللتهم، بينما الغالبية «ممنوعة» من فرض الأساس الوحيد لتوحيد البلاد، والمتمثل في القومية الهندوسية، وهم يزعمون أن تعداد المسلمين يتزايد بسرعة أكبر من الهندوس نتيجة تعدد الزوجات، وعدم التزام المسلمين بتحديد النسل، ويتم ترديد هذه الأوهام كل يوم عبر وسائل الإعلام، رغم أن دراسات جادة- رسمية وغير رسمية- قد أبطلتها، وقد أظهرت أن الهندوس يمارسون تعدد الزوجات أكثر من المسلمين، وهم يحملون الهندوس- الذين يمثلون غالبية سبعة مقابل واحد إزاء المسلمين- على الاعتقاد بأن مؤامرة اجتماعية وديموجرافية ستحولهم عما قريب إلى أقلية في بلادهم.
اصطياد الفرص لإهانة المسلمين:
لا يضيع الطائفيون الهندوس أي فرصة لجرح مشاعر المسلمين وإهانتهم، فكانوا في طليعة الحملة في منتصف الثمانينيات بشأن قضية المطلقة «شاه بانو» لأجل النفقة مدى الحياة بعد الطلاق، مطالبين بحقوق للمطلقة المسلمة لا ترضاها الشريعة الإسلامية، وارتد غضب هؤلاء إلى الحكومة الهندية حين تنازلت أمام المطلب الإسلامي المتحد لتنفيذ قانون الأحوال الشخصية الإسلامية في هذا المجال، فأصدرت قانونًا خاصًا يحفظ حقوق المطلقات المسلمات سنة ١٩٨٦م، وأيد هؤلاء- بدون حياء- الروائي المرتد سلمان رشدي، ثم الكاتبة البنجلاديشية تسليمة نسرين، ونشروا كتابها «العار» في الهند، وتجاسر أحدهم على التقدم إلى محكمة كلكوتا العالية لتحريم تداول القرآن الكريم سنة ١٩٨٦م!
وبينما تنادي هذه المنظمات بحظر اعتناق الهندوس للإسلام والنصرانية، تقوم هي بنشاط لإعادة المسلمين والنصارى إلى حظيرة الهندوسية، وتزعم- بل وتفتخر بين الحين والآخر- أنها قد تمكنت من كسب كذا ألف من المسلمين إلى حظيرة الهندوسية.
وكان حزب الشعب الهندي من أشد الأصوات المنادية في السنوات الأخيرة لشن الحرب على باكستان، رغم أن مثل هذه الخطوة الحمقاء ستؤخر تنمية البلاد لعشر سنوات إلى الوراء حسب التقديرات، وكان رئيس حزب الشعب الهندي لال کریشان أدواني قد حدد سنة ١٩٨٦م ثلاث تحديات تواجهها الهندوسية، وهي: الإسلام، والشيوعية، والاستهلاكية الغربية، وبالتالي لم يبق من عدو للحركة الهندوسية الآن إلا الإسلام بعد سقوط الشيوعية، وتبني النخبة الهندية سياسة الاستهلاكية الغربية بكل همة ونشاط، وزعماء الحركة الهندوسية ينادون بصخب بتأييد الصهيونية والصليبية في حربهما العالمية على الإسلام تحت غطاء محاربة «التطرف الإسلامي».
إن الحركة الإحيائية الهندوسية مفيدة لبعض الأشخاص والمجموعات السياسية «التي اكتسبت أهمية سياسية، وجمعت ثروات طائلة تحت ستار التبرعات لبناء المعبد، وقضايا عاطفية مماثلة»، إلا أنها عدوة البلاد بدون شك، فهي تشغل غالبية البلاد بقضايا سطحية وعاطفية؛ فتمتص طاقاتهم، وتنهب هدوءهم العقلي الذي لا بد منه للإبداع والعمل الإيجابي في الحياة، كما أنها تنقل الأضواء بعيدًا عن القضايا الحقيقية في المجتمع الهندي، كالفقر، والمنبوذية، والفساد المستشري في الوسطين السياسي والبيروقراطي، وهي في الوقت نفسه تضيق الخناق على الأقليات، وتجبرها على اتخاذ مواقف متطرفة، وقد تكون نتيجة هذا كله «لبننة» الهند.
وفي نهاية الأمر سيكون الخاسر هم الهندوس، والبلد الذي يزعمون حبه، وستتوارى راشتريا سيواك سانغ كما توارت مثيلتها الكتائب اللبنانية التي هي الأخرى قامت بمحاكاة النازية.