العنوان أحداث عام في الميزان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يناير-1985
مشاهدات 68
نشر في العدد 698
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 01-يناير-1985
دراسات سياسية
استراتيجيات وتناقضات دولية
وراء أبرز الأحداث في الساحة العربية والدولية...
- على الساحة الإسلامية: القضية الأفغانية.
- على الساحة العربية: القضية الفلسطينية.
- على الساحة الخليجية: الحرب العراقية- الإيرانية.
ما أن يصبح هذا العدد بين يدي القارئ حتى يكون عام 1984 قد انتهى إلى حيث شاء الله مفسحًا الطريق لولادة عام جديد مقرونًا بصفحة جديدة تسجل فيها حركاتنا وسكناتنا سرنا وعلانيتنا.
فإن كان خيرًا فخير وإن كان شرًا فشر، والملاحظ أنه في مثل هذا الوقت من كل عام تستعرض جميع الوسائل الإعلامية المسموعة منها والمرئية كالإذاعة والتلفاز والمكتوبة كالصحف اليومية والأسبوعية.. أهم أحداث العام الذي رحل إلى حيث شاء الله مستبشرين بما سوف يحمله العام القادم، وقد كان استعراض هذه الوسائل لمعظم أحداث عام 84 لا يتفق مع اهتمامات مجتمعاتنا العربية والإسلامية كالحديث عن ولادة زوجة ولي عهد بريطانيا أو الراقص الأمريكي جاكسون أو دورة لوس أنجلوس أو استعراض بعض القضايا السياسية الدولية البعيدة عن اهتماماتنا.. ولهذا كله كان لا بُدَّ من استعراض بعض الأحداث التي تدخل ضمن دائرة الأولوية في اهتماماتنا الخليجية والعربية والإسلامية والدولية.
أولًا- في الساحة الخليجية:
المتتبع للأحداث التي وقعت ضمن الساحة الخليجية خلال عام 1984 يلاحظ أنها في مجملها تدور ضمن حدث أساسي وهو الحرب العراقية - الإيرانية وبمعنى آخر أن هذه الأحداث ما هي إلا إفرازات للحرب العراقية - الإيرانية. فما عرف بحرب الناقلات وزرع الألغام وحوادث المتفجرات في الكويت حيث تم نسف مبنى السفارة الأمريكية.. ثم العملية الإرهابية المتمثلة بخطف الطائرة الكويتية إلى طهران واحتجازها لمدة ستة أيام في واحدة من أكثر حوادث الخطف إيلامًا وتأثيرًا وإرهابًا.. كل هذه الأحداث مع شدة تأثيرها على المجتمع الخليجي كانت في محصلتها إفرازات متوقعة لاستمرار الحرب العراقية - الإيرانية لأكثر من 4 سنوات. وبالتالي فإن هذه الإفرازات تؤكد على عمق الانعكاسات السلبية التي ولدتها هذه الحرب على كافة الاتجاهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية..
كما تؤكد على امتداد هذه الانعكاسات السلبية من الخليج إلى المحيط العربي والإسلامي والدولي، وإن اختلفت نسبة هذا التأثير فهو بالنسبة للخليج أقوى منه بالنسبة للعالمين العربي والإسلامي، وهو بالنسبة لهذين العالمين أقوى منه بالنسبة للمجتمع الدولي.. وفي العموم فإن تأثيرات هذه الحرب كانت من العمق بحيث أخلت بالعديد من الموازين التي لا يمكن للمنطقة الإسلامية أن تستقر بدون هذه الموازين، وعلى سبيل المثال فإن هذه الحرب قد أدت إلى تعميق الانقسام الطائفي في العالم الإسلامي إلى الحد الذي بات معه الالتقاء أمرًا مستحيلا، هذا الأثر كان وليد الإصرار الإيراني والتعنت الإيراني على استمرار الحرب ووضع شروط تعجيزية لإيقافها تخفي وراءها منطلقات طائفية استشعرها البعيد والقريب الأمي والمتعلم السياسي ومن لا يفقه بأمور السياسة..
وعلى سبيل المثال أيضًا فإن هذه الحرب أفرزت تدهورًا اقتصاديًّا لا مثيل له في المنطقة الإسلامية، فمن المعروف أن جزءًا كبيرًا من الأموال النفطية تحرق بنار الحرب، وأن هذه الأموال نتيجة لذلك تقع سهلة لينة بين يدي الشيطان الأكبر وأقرانه من أبالسة الشرق والغرب على السواء ثمنًا لآلات الموت والدمار والحقائق تقول إن آلاف الملايين قد دفعت من أجل استمرار حمل آلة الحرب، ولو أن هذه الأموال أو نصفها أو حتى جزءًا منها صرف على المشاريع في عالمنا الاسلامي لكفته السنوات طويلة، وها هي أمتنا الإسلامية تتطلع إلى العام القادم وهي تمني النفس بانتهاء هذه الحرب فهل يتحقق لها ذلك؟
ثانيًا- في الساحة العربية:
يتميز عام 84 بالنسبة للساحة العربية بزخم في الأحداث واختلاف في النوعية ومع ذلك تبقى القضية الفلسطينية وسط كل الأحداث وتنوعها هي القضية الأولى والحدث الأهم، ولكن الشيء المؤسف هنا أن القضية لم تشهد خلال عام 84 سوى انتكاسات وتراجعات دفعت الى مزيد من اليأس الذي تولد في النفس العربية مع بداية الخروج من البوابة اللبنانية، فمحاولات بعض الأنظمة العربية لاحتواء المنظمة والهيمنة عليها والتحكم في مسارها بالإضافة إلى تحريض بعض الفصائل على الانشقاق عن جسم المنظمة إضافة إلى ضرب العمود الفقري للمنظمة والمتمثل في حركة فتح وانقسامها إلى حركتين متناقضتين متصارعتين، ومن ثم ظهور ما يعرف بالتحالف الوطني وبالمقابل هناك التحالف الديمقراطي وكل من هذين التجمعين يختلف عن الآخر من حيث التوجه والمنطلق والولاء.. وقد أدى ذلك كله إلى حدوث تغييرات أساسية في الخطط الإستراتيجية؛ فكلمة لا تحولت إلى نعم والرفض أصبح قبولًا، وارتفع غصن الزيتون على حساب البندقية، وبدأ الكل يلهث بحثًا عن مبادرة من هنا أو هناك لا يهم أن كانت المبادرة شرقية أم غربية، والمهم فقط الوصول إلى الحل السلمي.
وعام 84 حفل أيضًا بالإضافة إلى القضية الفلسطينية بكثير من الأحداث التي كان لها وزنها وتأثيرها على الساحة العربية؛ فعلى سبيل المثال كانت أحداث لبنان في مقدمة هذه الأحداث من حيث الأهمية والتأثير، ومع تميز عام 84 بإلغاء اتفاق 17 مايو إلا أن أجواء المفاوضات الجارية في الناقورة تشير إلى استمرار مضمون أو جوهر اتفاق 17 أيار وهيمنته على مفاوضات الناقورة، كما تميز عام 84 بعودة مصر إلى الصف الإسلامي والعربي بعد المقاطعة الشكلية إثر اتفاقيات كامب ديفيد.
وبالنسبة لمصر كانت الانتخابات البرلمانية وهي الأولى من نوعها منذ انقلاب 52 حيث فاز فيها 10 نواب من الإخوان المسلمين رغم الحظر المفروض عليهم، كما كانت المحاكمات للإسلاميين فيما عرف بمحاكمة الجهاد وإعلان الأحكام في هذه القضية، وفي تونس والمغرب كانت هناك أحداث دموية واضطرابات واسعة فيما عُرف باسم ثورة الخبز، وكان هناك اعتقال الإسلاميين في المغرب ومحاكمتهم والحكم بالسجن على العالم الداعية عبد السلام ياسين وعشرات من تلاميذه وأتباعه، وفي المغرب أيضًا عُقد أول مؤتمر من نوعه في العالم العربي وهو المؤتمر اليهودي الذي عُقد في شهر مايو 84 والذي ضم نخبة من رجال السياسة والإعلام الإسرائيليين في أكبر تحد للمشاعر العربية والإسلامية، وفي تونس تميز العام المنصرم بالإفراج عن الشباب الإسلامي بعد عدة سنوات قضوها في السجن.
ثالثًا- في الساحة الاسلامية:
ما من شك أن القضية الأفغانية تأتي في مقدمة القضايا والأحداث التي حفل بها عام على طول الأرض الإسلامية؛ فرغم مرور خمس سنوات على الغزو الروسي لأفغانستان. فإن القوات الغازية لم تتمكن من تحقيق أي نجاح في خطتها الرامية إلى سحق كافة أشكال المقاومة الإسلامية لهذا الغزو، وقد تميز العام الماضي بمنهج جديد اتبعته العسكرية الروسية يعتمد على الوحشية كأسلوب للحد من فاعلية المقاومة الأفغانية فراحت هذه القوات تنفذ السياسة التي عرفت بالأرض المحروقة حيث راح ضحيتها عشرات الآلاف من النساء والشيوخ والأطفال نتيجة القصف اليومي المستمر والعشوائي على القرى والمدن الأفغانية، إضافة إلى استعمال كافة أنواع الأسلحة الكيميائية والجرثومية. وهذا ما ظهر واضحًا أثناء الهجوم على وادي بانجشير، كما تميز عام 84 بالتحركات الدولية المريبة لاحتواء الجهاد الأفغاني عن طريق إبراز الملك المخلوع محمد ظاهر شاه، ومع ذلك فإن حركة الجهاد الأفغاني ورغم الأعداد الهائلة من الشهداء ورغم الملايين من اللاجئين ورغم قلة الإمكانيات لا زالت قوية بإيمانها صامدة في وجه الغزاة الذين فقدوا حتى الآن ما يقرب من 40 ألف جندي روسي ومع حلول العام الجديد نتمنى على الله أن يحقق للمجاهدين النصر الموعود.
ولا ننسى هنا أن نذكر أن عام 84 تميز بإعلان تكوين الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية وبناء أكبر مركز إسلامي في العالم في العاصمة الإيطالية -روما.
رابعًا- في الساحة الدولية:
مع تعدد الأحداث على الساحة الدولية واختلاف درجة أهميتها فإن كارثة الجوع التي أحاطت بالقارة الإفريقية كانت من أكبر وأشد الأحداث إثارة وتأثيرًا في معظم أنحاء العالم. والكارثة تعتبر أكبر تحد للمجتمع الإنساني الذي لم يقدم حتى هذه اللحظة الدعم الكافي لإنقاذ مئات الآلاف من المهددين بالموت جوعًا في أول كارثة من نوعها في التاريخ الإنساني، ومع أن هذه المساعدات لا تكفي إلا لإنقاذ القليل فإن النظام الشيوعي في أديس أبابا يقوم بمصادرة هذه المساعدات ودفعها إلى قواته المسلحة التي تحارب الشعب المسلم في أرتيريا. وبلغت حدة الهمجية الشيوعية المتمثلة في النظام الأثيوبي إلى حد قيام الطيران الأثيوبي بمهاجمة معسكرات وقوافل الجياع وإطلاق النار عليهم في مجازر جماعية، لا يقوى على تنفيذها سوى الإنسان الفاقد لأي معنى من معاني الإنسانية.
ومع استمرار هذه الكارثة كان عام 84 مليئًا بالأحداث الدولية؛ فكارثة مدينة بوبال الهندية؛ حيث قتل 3 آلاف شخص نتيجة الغاز السام، وفي الهند كانت حادثة اغتيال آنديرا غاندي، وهناك أيضًا أعادة انتخاب ريغان بأصوات فاقت كافة الأصوات التي حصل عليها أي رئيس أمريكي سابق.