; القضية المحاصرة بين العملاقين (۱): الاتحاد السوفيتي | مجلة المجتمع

العنوان القضية المحاصرة بين العملاقين (۱): الاتحاد السوفيتي

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1986

مشاهدات 70

نشر في العدد 776

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 22-يوليو-1986

  • التحركات الجديدة للروس والأمريكان امتداد لتحركات قديمة دفعت القضية إلى داخل دائرة مفرغة.
  • الروس حاولوا بواسطة طرح بعض الشعارات إيجاد موطئ قدم لهم في المنطقة.
  • كانت القضية الفلسطينية الضالة المنشودة للدول الكبرى من أجل العبث بالمنطقة.
  • الاستراتيجية السوفيتية الثابتة تهدف إلى ضمان الأمن والاستمرار للكيان اليهودي.
  • السوفييت يحاولون من خلال دعاوَى السلام إعادة دور يعتقدون أنهم فقدوه.
  • الاتحاد السوفيتي يحاول من خلال مبادرات السلام تغطية موقفه الضعيف في المنطقة.

خلال الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران للاتحاد السوفيتي في الأسبوع الماضي، أعلن الاتحاد السوفيتي عن اقتراح جديد لحل ما يسمى بمشكلة الشرق الأوسط، يتضمن عقد مؤتمر دولي تحضره الدول الخمس «دائمة العضوية» في مجلس الأمن الدولي، وهي الاتحاد السوفيتي، والولايات المتحدة، والصين، وبريطانيا، وفرنسا؛ بهدف تمهيد الطريق أمام التوصل إلى ما تسميه العواصم الدولية تسوية سلمية في الشرق الأوسط. 

وتأتي الدعوة السوفيتية متزامنة مع إعلان الولايات المتحدة عن جولة يقوم بها جورج بوش نائب الرئيس الأمريكي إلى المنطقة العربية، يزور خلالها الكيان الصهيوني ومصر والأردن وربما سوريا أيضًا لإجراء محادثات حول الوصول إلى تسوية سلمية في الشرق الأوسط. والتحركات الجديدة للروس والأمريكان ما هي إلا امتداد لتحركات قديمة دفعت القضية الفلسطينية للدوران ومنذ أكثر من ربع قرن داخل حلقة مفرغة يديرها تارة تآمر الغرب وتارة أخرى خداع الشرق، أو بالأحرى يديرها تآمر القوتين العظميين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة معًا. 

القضية والموقف السوفيتي:

 يقول أحد المفكرين الإسلاميين: كما هو الحال في دعوات الديمقراطية الغربية وسيادة الحريات وحقوق الإنسان، التي يُخفي وراءها العدو الصليبي سهامه الموجهة للمسلمين، فإن شعارات التعايش السلمي وحق تقرير المصير وحرية الشعوب ومساندة الحركات التحررية ما هي إلا شعارات تخفي وراءها الشيوعية السوفيتية سهامها الموجهة للمسلمين. 

والاتحاد السوفيتي ومنذ سنوات طويلة يحاول من خلال تلك الشعارات أن يجد لنفسه موضع قدم في هذه المنطقة الحيوية من العالم. وعلى الرغم من أن الاتحاد السوفيتي كان أول السباقين للاعتراف بالكيان اليهودي عام (١٩٤٧)، بل ذهب إلى حد إبداء تعاطفه التام مع هذا الكيان؛ حيث عمد لدفع عشرات الآلاف من اليهود السوفييت إلى الهجرة إلى فلسطين المحتلة ليشكلوا ثقلًا بشريًّا يساعد الكيان الجديد على النمو والاستمرار. نقول إنه على الرغم من كل ذلك إلا أن القيادات السوفيتية والشعارات التي طرحوها لم تحقق لهم موضع قدم حقيقي ثابت في المنطقة العربية كما كانوا يطمحون. 

لذلك وجدوا في القضية الفلسطينية ضالتهم المنشودة التي من خلالها يمكنهم أن يحققوا ما عجزوا عن تحقيقه من خلال الشعارات. وخاصة أن العالم العربي يعيش هاجس القضية الفلسطينية منذ أكثر من خمسين عامًا، ورغم الهزيمة التي مني بها العرب عام ١٩٤٨ والتي نتج عنها ظهور الكيان اليهودي، إلا أن هذه القضية عادت إلى زخمها في بداية الخمسينيات «جماهيريًّا على الأقل». ومن حينها بدأت جهود واضعي السياسة السوفيتية الخارجية تتجه نحو استغلال هذه القضية في الاقتراب من المنطقة، وتحقق لهم ذلك من خلال بعض الأنظمة الثورية! وبدأ سيل الأسلحة السوفيتية يتدفق على المنطقة مقرونًا بحملة دعائية لا مثيل لها تؤكد على السياسة السوفيتية المناصرة للعرب. وبدأ النفوذ السوفيتي يجد له مكاًنا في المنطقة من خلال بعض الأنظمة التي مارست أكبر عملية خداع وتضليل لشعوب المنطقة حين أبرزت السوفييت على أنهم خير الأصدقاء. ولكن الأسلحة السوفيتية لم تحقق لتلك الجيوش أي انتصار؛ نظرًا لأن السلاح السوفيتي في معظمه كان سلاحًا دفاعيًّا لا يحقق نصرًا ولا يربح معركة. وفي هذا يقول مستشار السفارة السوفيتية في فلسطين المحتلة قبل أكثر من عشرين عامًا: «لم نقدم للعرب من الأسلحة إلا ما يلزمهم لحاجات الدفاع وليس للهجوم، وعلى إسرائيل أن تتأكد من أن السلاح السوفيتي يعطَى لقوى التحرر العربية من أجل معركتها مع الرجعية العربية، ومن المؤكد أن القضاء على الرجعية العربية يخدم المصلحة الإسرائيلية». 

وما ذهب إليه المستشار السوفيتي تأكد من خلال الهزائم العربية المتكررة، حيث كانت طائرات الميغ تتساقط على هذه الجبهة أو تلك، والدبابات السوفيتية تحترق في تلك الصحراء أو في ذلك الجبل لكون تلك الأسلحة السوفيتية دفاعية أو غير متطورة، ولا يمكنها الصمود أمام الأسلحة الحديثة المتطورة التي كانت تدفعها الولايات المتحدة لإسرائيل. ويقول الملحق العسكري في السفارة السوفيتية في باريس: «إن ما قدمناه للعرب من سلاح هو لأغراض دفاعية ولن نسمح باستخدامه ضد إسرائيل». بينما نجد أن السوفييت لا يتأخرون عن تزويد أصدقائهم الحقيقيين أو من تعنيهم مساندته لتحقيق أهداف حيوية للاتحاد السوفيتي بأحدث الأسلحة التي تنتجها الترسانة السوفيتية، وهذا يتضح تمامًا من خلال المساندة العسكرية السوفيتية لدول حلف وارسو وإثيوبيا وكوبا... إلخ. وحتى الهند التي تقف في مواجهة الباكستان وتؤثر على الأوضاع الأفغانية، يدفع لها السوفييت أحدث تلك الأسلحة. 

وفي الأسبوع الماضي تم توقيع اتفاقية بين الهند والاتحاد السوفيتي تحصل الهند بموجبها على سربين من طائرات الميغ ٢٩ المقاتلة، إضافة إلى حق تجميع عدد منها في الهند، وهذه الطائرة هي أحدث طائرة مقاتلة سوفيتية. ويمكننا فهم موقف الاتحاد السوفيتي من القضية من خلال ما ذكره الملحق العسكري السوفيتي في باريس: «إننا لن نقوم بأي عمل من شأنه أن يلحق الضرر بالكيان المستقل لإسرائيل». 

السوفييت وتسوية القضية:

ما ذكرناه عن السياسة السوفيتية بالنسبة للسلاح لا يمثل سوى نقطة من عدة نقاط تتعلق بحقيقة الموقف السوفيتي من القضية الفلسطينية يحتاج تناولها إلى صفحات وصفحات، وتناولنا لقضية السلاح تتفق مع المفهوم الذي تدور حوله القضية والذي يتعلق بالكفاح المسلح طريقًا وحيدًا لإنهاء هذه القضية. والاتحاد السوفيتي بإسقاطه ذلك المفهوم من خلال مواقفه الرديئة المتعلقة بالتسليح، فإنه يكمل نفس السياسة المدافعة عن الوجود الصهيوني في فلسطين المحتلة، من خلال مشروعاته الخاصة بالتسوية السلمية، والتي تدور حول أحقية الكيان اليهودي في ضمان الأمن والاستقرار. وهذا المبدأ يتفق تمامًا مع السياسة الاستراتيجية الثابتة للاتحاد السوفيتي بالنسبة للقضية الفلسطينية، ولهذا فإن الزعيم السوفيتي الراحل ليونيد بريجينيف حين أعلن عن مبادرته السلمية عام ١٩٨٢ لم يخرج عن المبدأ الثابت للسياسة السوفيتية الذي يبينه بريجينيف بقوله: «إن من حق إسرائيل أن تنعم بالوجود والأمن، ومن الضروري الحفاظ على مصالحها الحيوية». 

وانطلاقًا من هذا القول كان الاتحاد السوفيتي يؤكد على القيادات الفلسطينية ضرورة الاعتراف بالدولة اليهودية في فلسطين المحتلة، ففي لقاء بين القيادتين السوفيتية والفلسطينية يقول وزير خارجية الاتحاد السوفيتي آنذاك أندريه غروميكو: «إن الاتحاد السوفيتي يرى أنه وتسهيلًا لإيجاد نقاط التقاء حول حل المشكلة الفلسطينية، أن تقوم منظمة التحرير بالاعتراف بإسرائيل، حيث إن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي متفقان تمامًا على ضمان الوجود الإسرائيلي». ويقول غروميكو أيضًا: «إن عدم وجود علاقات دبلوماسية في الوقت الراهن بين الاتحاد السوفيتي وإسرائيل لا يعني أن السوفييت سحبوا اعترافهم بإسرائيل». ويتابع غروميكو قوله: «إن هناك موظفين سوفييت كبار يذهبون من حين لآخر إلى إسرائيل بمهمات مختلفة. لهذا فإنه لا بد للعرب من أن يعترفوا بإسرائيل لأنني أعتقد كدبلوماسي محترف أن الاعتراف بإسرائيل ضرورة ملحة وهامة...». 

وخلال لقاء عراب السياسة السوفيتية غروميكو مع إسماعيل فهمي وزير خارجية مصر الأسبق، يقول غروميكو: «إن الاتحاد السوفيتي يريد تسوية لأزمة الشرق الأوسط تؤكد حق جميع الدول في المنطقة بما فيها إسرائيل في الوجود والاستقلال والتطور». 

ويكرر غروميكو هذا القول مع كل مسؤول عربي يجتمع به، وفي كل مرة يؤكد على المبدأ السوفيتي الثابت في ضمان أمن إسرائيل. ولذلك فإن كافة المبادرات والدعوات السوفيتية كانت تنطلق من هذا المبدأ، ولا تخرج الدعوة الأخيرة لغورباتشوف ولا تحرك وزیر خارجية السوفييت الجديد شيفر نادزاده عن هذا المنحى وذلك الاتجاه.

لماذا يدعو السوفييت للسلام؟ 

إن الدعوة لإحلال السلام بالمنطقة تشترك بها معظم القوى الدولية، ولكن لكل من هذه القوى أسلوبها وأهدافها. والاتحاد السوفيتي حين يدعو لقضية السلام في الشرق الأوسط، فإنه يحاول أن يوجد لنفسه دورًا لم يتمكن من الحصول عليه من خلال الشعارات التي رفعها أو من خلال الوضع القتالي الذي كان قائمًا خلال السنوات الماضية، فتجارب الشعوب العربية مع الأنظمة التي ساندها الاتحاد السوفيتي أسقطت كل الشعارات، ثم إن الجيوش العربية التي كان السلاح السوفيتي عصبها الأساسي أسقطت مصداقية السوفييت العسكرية، وبالتالي فإن السوفييت يحاول من خلال المبادرات السلمية التي يعلنها تغطية موقفه الضعيف في المنطقة، وأيضًا عرقلة الجهود الخاصة بإقصائه عن الساحة من خلال مقولة: نحن هنا.

فالاتحاد السوفيتي رغم المبادرات التي أعلن عنها، إلا أنه يعلم تمامًا أنه لا يملك إمكانات لحل مشكلة الشرق الأوسط، وهو يحاول فقط إعادة دور يعتقد أنه فقده أو محاولة لمنع ترتيبات سياسية وأمنية ربما تهدد مصالحه الحيوية مستقبلًا. ويعتقد السوفييت أن أية تسوية تبحث بعيدًا عنهم ربما يتم من خلالها رسم مثل تلك السياسات. وهذا ما يؤكده روبرت توردییف مسؤول قسم الشرق الأوسط بوزارة الخارجية السوفيتية حين يقول: «نحن من جانبنا لا نعتقد أن المؤتمر الدولي الذي ندعو إليه يستبعد عقد محادثات ثنائية تخص الطرفين، لكن المؤتمر الدولي قضية تهم الجميع وأية محادثات تهم الاتحاد السوفيتي والاعتبارات الأمنية الخاصة به». 

ومن هنا فإن موقف الاتحاد السوفيتي من اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر وحكومة العدو اليهودي لم يتسم بالمعارضة المطلقة، لأن سياسة السوفييت لا تتعارض مع مضمون تلك الاتفاقيات، إنما معارضة السوفييت تكمن في كون الاتفاقية كانت ثنائية وبعيدة عن رقابته التي يسعى من خلالها إلى ضمان مصالحه الحيوية والأمنية. 

ومن هنا نفهم سر التحرك الأخير للسوفييت في المنطقة سواء من خلال دعاوى السلام الجديدة أو من خلال الاقتراب من الساحة اللبنانية، ودعم بعض القوى في جنوب اليمن والتحرك في الخليج، وحتى في الساحة الفلسطينية نفسها من خلال دعم القوى اليسارية الفلسطينية التي أعلنت انشقاقها عن قيادة منظمة التحرير، وبالتالي توجيه الضغوط نحو تلك القيادة لقبول ما يتفق مع الاتجاهات السوفيتية بالنسبة لعملية السلام في المنطقة. 

إن مسار السياسة السوفيتية بالنسبة للقضية يؤكد على تأييد السوفييت للدولة اليهودية وضمان وجودها واستمرارها. ودعاوى السلام التي يرفعونها ومشاركتهم في مؤتمر جنيف وفي فصل القوات وتأييدهم للمبادرة الأمريكية المعروفة باسم مبادرة روجرز وموافقتهم الضمنية على اتفاقيات كامب ديفيد، كل ذلك يثبت أن المساعي السوفيتية من أجل السلام تهدف أولًا وأخيرًا إلى تحقيق الأمن والسلام للعدو الصهيوني على حساب قضيتنا المقدسة.

الرابط المختصر :