العنوان شؤون دولية: 1488
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 09-فبراير-2002
مشاهدات 54
نشر في العدد 1488
نشر في الصفحة 38
السبت 09-فبراير-2002
في السودان.. اتفاق جبال النوبة.. خطوة نحو التدويل أم التقسيم؟
السيد الشامي
برعاية أمريكية وسويسرية، وقع وفدان من الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان في التاسع عشر من يناير المنتهي، اتفاقًا لوقف إطلاق النار في منطقة جبال النوبة وسط السودان، بدأ دخوله حيز التنفيذ في الثاني والعشرين من الشهر نفسه، ويتضمن الاتفاق عددًا من البنود أهمها:
وقف لإطلاق النار يشمل كل القوة الموجودة في جبال النوبة لفترة ٦ أشهر قابلة للتجديد.
تتولى لجنة عسكرية مشتركة تضم ثلاثة ممثلين عن كل طرف -ويتولى رئاستها رئيس محايد مع نائبين- تطبيق وقف إطلاق النار والإشراف عليه.
نشر بعثة مراقبة دولية تضم مراقبين عسكريين ومدنيين من دول يوافق عليها الطرفان، وتعد هذه هي المرة الأولى من نوعها، التي يشارك فيها مراقبون أجانب بوقف إطلاق النار في السودان.
حرية وصول المساعدات الإنسانية إلى جبال النوبة.
ويثير الاتفاق عددًا من المخاوف التي يبديها المراقبون والمتابعون للشأن السوداني، إذ يعتبره الكثيرون هزيمة للنظام السوداني على المستوى التفاوضي والعسكري مع الحركة الشعبية، وخطوة نحو تقسيم السودان لا إلى شمال وجنوب فحسب، بل إلى دويلات تبدأ بجبال النوبة ولا تنتهي بفصل الجنوب.
وفي أحسن الفروض، فإن بعض الدوائر الغربية تطرح مبادرة جديدة تقودها الولايات المتحدة، وتشارك فيها دول غربية وعربية وإفريقية لحل الأزمة السودانية، وتقوم المبادرة على أساس دولة سودانية موحدة ذات دستور فيدرالي لا إسلامي ولا علماني، تختار فيه الأقاليم قوانينها وتعكس هذه المبادرة الاهتمام الأمريكي الجديد بالسودان، كما تستند إلى جهود المبعوث الأمريكي.
ولا شك أن القبول بوقف إطلاق النار في منطقة جبال النوبة، يعد اعترافًا من الحكومة باستحالة الحل العسكري أو على الأقل صعوبته.
البعض يقرأ الاتفاق في سياق المعطيات الدولية والإقليمية، إذ يرى أن الاتفاق ربما يكون مناورة من قبل الحكومة السودانية، ومحاولة لتفادي ضربة أمريكية للسودان، وحتى لا يظهر بمظهر المتعنت في المفاوضات.
السؤال المهم: لماذا اختارت الولايات المتحدة جبال النوبة أولًا؟ هل لأنها الحلقة الأضعف والأسهل في الصراع؟ ربما.. ولكن المراقبين يرون أن هناك احتمالًا ثانيًا لا يمكن استبعاده، وهو أن جبال النوبة تقع جغرافيًّا ضمن شمال السودان، وغالبية أبنائها من المسلمين، ومن ثم فإن معالجة هذه القضية بمعزل عن الجنوب، قد تكون أهم الخطوات تجاه فصل الجنوب عن الشمال، ويستند هذا التحليل إلى بعض المقترحات التي وردت في تقرير بمعهد الدراسات الاستراتيجية الأمريكية، صدر العام الماضي، وفيه حلول تشير إلى قيام دولة واحدة بنظامين مختلفين إسلامية في الشمال ومسيحية في الجنوب في إطار كونفدرالية هي الانفصال بعينه، وإبعاد جبال النوبة يسهل هذا الطرح خاصة إذا أمكن حل مشكلتها، وفك الارتباط من حركة جارانج مما يعني فك ارتباطها بالجنوب.
الأكثر خطورة في بنود الاتفاق هو نصه لأول مرة على وجود لجنة عسكرية لمراقبة وقف إطلاق النار ذات صلاحيات واسعة، وترددت الأنباء عن ترؤس كولونيل أمريكي برتبة عقيد لهذه اللجنة. الخطورة أن لرئيس اللجنة صوتًا مرجحًا في حال عدم اتفاق الطرفين وصلاحيات واسعة في إدارة عملية المراقبة، ورغم إعلان الحكومة السودانية عن رفضها لوجود مراقبين من دول معادية مثل الولايات المتحدة، إلا أن ترؤس ضابط أمريكي للجنة العسكرية سوف يجعله يقود فريق المراقبين بغض النظر عن جنسياتهم ودولهم.
باختصار، فإن وجود هذه اللجنة، وفريق المراقبين يعني دخول الأزمة السودانية في نفق التدويل.
فإلى أين يتجه السودان إلى التدويل أم التقسيم؟ أمران أحلاهما مر ويبقى القول: إن السودان يتعرض لمخاطر كثيرة تحيط به وتساعد عليها وتقويها الأجواء الدولية.
مؤتمر «جنيف».. ودور دولي غير ملائم
خيري عمر
يأتي اتفاق وقف إطلاق النار في بلاد النوبة في إطار تغيرات داخلية وخارجية في السودان يمكن أن تساهم في بناء علاقات جديدة ومختلفة بين الحكومة السودانية من جهة، والمعارضة والأطراف الدولية من جهة أخرى، حيث يعتبر الاتفاق تغيرًا نوعيًّا في السياسة السودانية، وذلك من جهة الإجراءات التي يرتبط بها.
فقد وقَّعت الحكومة السودانية والحركة الشعبية اتفاقًا لوقف إطلاق النار في جبال النوبة، في إطار رعاية دولية -للمرة الأولى- حيث شاركت الولايات المتحدة وبريطانيا، بالإضافة إلى أطراف أوروبية أخرى في الترتيب لمؤتمر جنيف، وكان من الملاحظ غياب الدول الإقليمية الفاعلة.
وقد تحدد هدف المؤتمر في معالجة المشكلات الأمنية وحقوق الإنسان في منطقة الجنوب، على أن يبدأ التطبيق الفعلي من منطقة النوبة.
وقد تمت صياغة أفكار المؤتمر وفق اقتراح أمريكي صاغه المبعوث الأمريكي للسودان، ولعل هذا ما يتضح من الورقة الأساسية للمؤتمر، ومن طبيعة القضايا التي وضعت على قائمة المناقشات.
واستطاعت الولايات المتحدة إقناع الحركة الشعبية بحضور المؤتمر وقبول الورقة الأساسية، وهذا ما يعد مؤشرًا على مدى نفوذ الأطراف الدولية على الحركة الشعبية، إذ إنها المرة الأولى التي يوافق فيها الجنوبيون على مسودة مؤتمر مع الحكومة السودانية.
وقد نتج عن المؤتمر آليات تحددت وظيفتها في مراقبة وقف إطلاق النار، وتنمية ومتابعة برنامج المساعدات الإنسانية، كان أهمها إنشاء لجنة لمراقبة وقف إطلاق النار وتحديد دور الصليب الأحمر في تأمين المساعدات الإنسانية وتوزيعها. ولم يتم حسم تشكيل لجنة مراقبة وقف إطلاق النار أثناء المؤتمر -عددها حوالي ۳۰ مراقبًا- إذ ثار خلاف بين الحكومة والحركة الشعبية حول جنسية المراقبين، إذ ترى الحكومة ضرورة إشراك مراقبين من دول إقليمية، بينما ترى الحركة الشعبية أن يكون المراقبون أمريكيين وأوروبيين، وهذا الخلاف يعد تقليديًّا بين الطرفين مثلما يعكس طبيعة الارتباطات الدولية لكل طرف.
ويبدو أن الطرفين «الحكومة والحركة الشعبية» حققا بعضًا من أهدافهما من المؤتمر حيث ترى الحكومة أن تقليل مساحة العمل العسكري، وتأمين حقول النفط من الأهداف المؤدية إلى الاستقرار، والتي يمكن أن تحسم في المستقبل المسألة الجنوبية، هذا بالإضافة إلى تحسن الوضع الدولي للحكومة السودانية، وخاصة بعد إلغاء العقوبات الدولية عليها.
بينما على الجانب الآخر، فإن الحركة الشعبية ترى أنها أصبحت في وضع أقرب إلى الاعتراف الدولي، حيث إنها طرف رئيس في الشؤون السودانية، كما أنها نجحت في نقل قضيتها مع الحكومة من الإطار الإقليمي إلى الإطار الدولي، وهذا من شأنه ترتيب وضعية جديدة للحركة في مواجهة المنظمات الإقليمية، فقد صدرت تصريحات عن مسؤولين في الحركة، تؤكد ضرورة تعديل المبادرات الإقليمية بما يحقق ميزة تفضيلية للحركة الشعبية تمكنها من القيام بدور رئيس في الشؤون السودانية.
أما على المستوى الدولي، فإنه يمكن القول إن الولايات المتحدة كانت الطرف الوحيد الذي استطاع إقناع الحركة الشعبية بإمكانية التوصل إلى اتفاق مع الحكومة، وخطورة هذا الأمر تتمثل في وجود الولايات المتحدة كوسيط وراع بين الطرفين، وقد يوفر ذلك الوضع مناخًا لوضع شروط التسوية.
يطرح الاتفاق وطبيعة الإجراءات المرتبطة به أشكالًا من المتوقع أن تؤثر بصورة رئيسة في مسار الوضع الداخلي في السودان، فهو يعطي مؤشرات على زيادة الدور الدولي، وتراجع الدور الحكومي، إذ إن الإشكالية المطروحة في المدى المنظور، تتعلق بمدى قدرة الحكومة على التعامل مع الوضع الجديد الذي أنشأه الاتفاق، بمعنى أن وجود مراقبين أجانب يمثل من الناحية الواقعية تحديًّا لسلطة الدولة وسياتها وموطئًا للنفوذ الأجنبي.
وتكتسب مسألة النفوذ هذه أهميتها من أنها تستند إلى عاملين دعم الحركة الشعبية، وقبول الحكومة السودانية بدور مباشر للأطراف الأجنبية وهذا ما يوفر مناخًا ملائمًا لتطوير الروابط الأجنبية مع أطراف سودانية.
هذه الحالة ما زالت في بدايتها، حيث لا يمكن الحديث عن نفوذ أجنبي داخل السودان، غير أن مؤشرات الأداء الحالية للحكومة، وخاصة تجاه الولايات المتحدة تفيد بإمكانية زيادة النفوذ الأجنبي في المستقبل القريب، حيث تفرض الأوضاع والترتيبات الحالية، تحديات أمام الحكومة السودانية يصعب التخلص منها، أو تعديلها إذا ما تحولت إلى أوضاع فعلية أو قانونية خاصة أن مؤتمر جنيف يعد تدويلًا لمشكلة داخلية، وهذا ما يضعف المركز السياسي للحكومة السودانية تجاه الأطراف الأجنبية الراعية للاتفاق، وكذلك في مواجهة الأطراف السودانية الأخرى.
لعل النتيجة الأهم في هذا السياق، تتمثل في ضعف مساهمة الدور الإقليمي تجاه حل المشكلة السودانية، وهذا ما يلقي بظلال شك على مصير المبادرات الإقليمية «الإيجاد والمصرية - الليبية»، إذ إنه رغم طرح المبادرتين منذ فترة، إلا أن الخلافات حولهما منعت من تحول أي منهما إلى إجراء يقبل الطرفان به ومن هنا يمكن القول إن طرح الوضع في السودان للنقاش على المستوى الإقليمي، لن يؤدي إلى نتائج ملموسة في ظل الوضع الدولي الحالي، وهذا ما يؤثر مباشرة وبصورة سلبية على دول الجوار.
ثوابت وتحديات العلاقات المصرية الإريترية
ركزت ندوة العلاقات المصرية - الإريترية، التي عقدت بمعهد البحوث الإفريقية بجامعة القاهرة مؤخرًا على الأبعاد التاريخية لهذه العلاقات، وتطوراتها في الوقت الحالي، ودارت المناقشات حول «أن هناك قاعدة علاقات إيجابية لا بد من توظيفها لخدمة الحاضر، لأجل تجاوز مرحلة ركود».
فقد رأى «د. أحمد دحلي» أن بناء علاقات إيجابية بين مصر وإريتريا، يتوقف بالأساس على فهم الآخر وتركيبته البشرية والطبيعية وهو في هذا السياق يرى أن المكون التاريخي لإريتريا وتطورات العمران فيها، أديا إلى إيجاد أرضية مشتركة، تشكلت على أساسها الشخصية الإريترية، وهذا ما عكسته خبرة الكفاح ضد الاستعمار الإثيوبي، حيث اشتركت كل القوميات الإريترية في صياغة الكفاح المسلح.
وهو يرى أن العلاقات المصرية الإريترية -في العصر الحديث- ما زالت دون المستوى المأمول، رغم العمق التاريخي والثقافي منذ دخول الإسلام شرق إفريقيا، حيث إن المساهمة المصرية في دعم الحركة الوطنية منذ الستينيات لم تساعد على تطوير هذه العلاقة، وهذه سلبية لا بد من التعامل معها.
ويرى البعض أن العلاقات المصرية - الإريترية ترتكز بالأساس على ثلاثة عناصر رئيسة: البحر الأحمر، المصالح المشتركة في مياه النيل القرن الإفريقي، ويذهب هذا الاتجاه إلى أن إيجاد صيغة ملائمة للتعاون في هذه العناصر، يساعد على إيجاد علاقة قوية بين الطرفين.
ويرى حلمي شعراوي «أنه في ظل مخاطر الإقليمية الجديدة والتهديد الذي تواجهه دول القرن الإفريقي، لا بد من إيجاد صيغة لكومنولث القرن الإفريقي»، ويضيف «أبو العنيين» أن بناء علاقات قوية مع إريتريا يتطلب وجود استقرار في القرن الإفريقي، ووجود دولة صومالية موحدة، وهذا ما يمكن ترجمته في وجود شراكة في تأمين البحر الأحمر، والتنسيق الإقليمي والتعاون الاقتصادي.
وتواجه العلاقات المصرية - الإريترية، تحديات كبيرة، أهمها أن علاقات إريتريا الخارجية تعارضت مع المصالح المصرية، حيث أدارت علاقاتها بشكل ثوري، مما أدى إلى حدوث صدام مع دول الجوار وأدى بالتالي إلى آثار سلبية على العلاقات المصرية - الإثيوبية.
كما أن العلاقات الصهيونية الإريترية تمثل عامل عدم استقرار في منطقة البحر الأحمر، وهذا ما يؤدي إلى عدم الاستقرار الإقليمي، ومن ثم إعاقة تطور العلاقات مع مصر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل