العنوان خواطر داعية
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 08-يناير-2011
مشاهدات 59
نشر في العدد 1934
نشر في الصفحة 55
السبت 08-يناير-2011
الإحساس المتبلد
القرآن الكريم مليء بتذكير الإنسان بأنه ليس خالدًا في هذه الأرض، وأنه لا يلبث أن يغادرها إلى الدار الآخرة، وأن عمره محدود، وأنه لا بد أن يغادر هذه الأرض عاجلًا أم آجلًا..
وامتلأت السنة النبوية بنفس هذا النوع من التذكير، وكما أن صور الحياة التي نراها كل يوم تذكرنا بهذه الحقيقة، ومع كل ذلك ينسى الإنسان أو يتناسى، ويتبلد الإحساس لديه بحقيقة المغادرة، وبحقيقة الإقامة المؤقتة على هذه الأرض.
الله يذكره في القرآن، ويقول له: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ (الانشقاق:6).. تتعب، وتذهب، وتشقى من أجل الدنيا أو من أجل الآخرة، ولكنك في نهاية الأمر ستلاقي الله.
ويربيه الرسول ﷺ على تذكر هذه الحقيقة، منذ استيقاظه من النوم: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور»، ثم عند ركوبه لدابته: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون».. ثم إذا لجأ إلى فراشه للنوم
قال: «باسمك اللهم وضعت جنبي، وبك أرفعه، اللهم إن أمسكت لها، وإن أرسلتها، فاحفظها بما تحفظ به عبادك نفسي، فاغفر الصالحين».
ومع ذلك يستمر تبلد الإحساس، والذي ينعكس بالسلوك اللامبالي تجاه الأوامر والنواهي الربانية والتسويف في إصلاح نفسه، وتنقيتها من المعاصي.. إنه يسمع ويرى الأموات كل يوم بل وكل ساعة حوله، وقريبًا منه بالصوت والصورة، والحقيقة.. ولا يهز ذلك فيه شعرة من الإحساس.
إنه يسافر بين فترة وأخرى، وفي السفر صورة حقيقية للرحيل، ولكنه يستمر في تبلد الحس..
يقول أحد الصالحين: من لم تلن قلبه مواعظ القرآن، فلا تلينه إلا نار جهنم.
نسأل الله أن تكون من الذاكرين الله والذاكرات.
طاقية الإخفاء
فيلم عربي قديم، بطولة عبد المنعم إبراهيم، حيث يلبس طاقية، وما أن يلبسها حتى يختفي فلا يراه أحد، ليقوم بعد ذلك بفعل ما يريد فعله، وينتقم ممن يريد الانتقام منه دون أن يراه أو يعرفه أحد.. ونفس الفكرة كانت لفيلم أجنبي قديم أيضًا، حيث يقوم بطل الفيلم إذا أراد التخفي بلف رأسه بلفافة بيضاء ليختفي بعد ذلك، ويفعل ما يحلو له أن يفعل..
هذه أفكار نابعة من أمنيات تطرأ على الكثير منا عندما يرى أوضاعًا خاطئة، أو تجاوزا للظلم في بقعة من بقاع العالم الإسلامي، أو تجاوز بعض الطغاة الذي يسبب الكثير من المآسي والفواجع، فيتمنى أنه لو كانت له طاقية الإخفاء ليلبسها، ويتوجه إلى الطغاة واحدًا تلو الآخر فيقضي عليهم، ويشفي صدور قوم مؤمنين، وينصر المظلومين في بقاع العالم، ليسود الحق، وتنتشر العدالة بين الناس، ولكنه عندما يصحو من أحلامه ويرجع إلى عقله يدرك أن هذا لا يمكن أن يحدث، وإنما هي أمنيات الضعيف، وأحلام الأطفال، أما الأقوياء هم الذين يحولون هذه الأحلام والأمنيات إلى حقائق على الأرض، بما يبذلونه من جهود لتقوية الصف الداخلي، وإحكام وضع الخطط الواعية، وتحفيز الهمم لتنفيذ تلك الخطط، وبعد بذل الأسباب وإتمامها بالتوكل على الله، لا يستحيل على الله تعالى تحويل الأحلام إلى حقائق، وتحويل أماني طاقية الإخفاء إلى «طاقة الإحقاق للحق».
مثلث الفاشلين
الفاشلون في هذه الحياة يبررون عجزهم بمبررات كثيرة تبعد عنهم الاتهام بالفشل والعجز، وتحيل الاتهام إلى الآخرين ليستمروا في فشلهم دون ملامة من أحد، وليستمر التخدير بهذه المبررات.
ومن أبرز هذه المبررات ثلاثية يفسرون فيها جميع الأحداث التي تحدث لهم، ولا شيء سواها، وهي: «السحر والجن والحسد»، فيتزوج ولد أحدهم من أخرى، ويحدث ما يعكر صفو الحياة الزوجية فيكون السبب المباشر «مسحورًا».
ويصاب أحدهم بأمراض متوالية لها علاج، ولكنهم لا يتوجهون إلى الأطباء بل يتوجهون إلى المشعوذين، أو الذين يسترزقون بالقرآن الكريم، والسبب «مسكين ممسوس»... ويأخذ أحد أبنائهم درجات منخفضة في الاختبار، فيكون السبب «محسودًا»، وبالرغم من وجود السحر والجن والعين، إلا أنه لا يمكن إلغاء الأسباب التي تسبب الكثير من أحداث الحياة، وربط كل شيء في هذه الحياة بهذه «الثلاثية»، ولماذا لا يقال في الحالة الأولى: إنه كان اختيارًا خاطئًا ابتداء، أو جهلًا بالواجبات الزوجية، أو غيرها من الأسباب البيئة؟ ولماذا لا يقال في الحالة الثانية إنها أخطاء في تناول بعض الأطعمة، والعادات الصحية سببت تلك الأمراض؟ ولماذا لا يقال في الحالة الثالثة إنه الكسل والتواني، وعدم الاستعداد الجيد للاختبار، أو بسبب طارئ حدث قبيل الاختبار، فالناجحون في الحياة لا يبحثون عن المبررات عندما لا تتحقق الأهداف بل يتحملون المسؤولية كاملة، ويتهمون أنفسهم قبل الآخرين.
ويبحثون عن تقصيرهم، وأخطائهم، ليتلافوها في المرات القادمة، وينطلقون تارة أخرى.
ولا يضرهم توجيه أصابع الاتهام نحوهم إذا كانوا حقًا هم أحد هذه الأسباب، بل لا يشغلون أنفسهم بهذا الأمر، لأن الأهم هو تحقيق الهدف.