العنوان أقباط مصر.. بين التدويل والحوار الداخلي
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر السبت 25-مارس-2006
مشاهدات 58
نشر في العدد 1694
نشر في الصفحة 26
السبت 25-مارس-2006
بعد قبول الأمم المتحدة مناقشة شكوى إحدى منظماتها في المهجر، أثارت الشكوى التي قدمها أقباط مصريون يعيشون في المهجر إلى منظمة الأقباط متحدون بالمشاركة مع الرابطة الدولية لحقوق الإنسان، حالة من الجدل والانقسام داخل الأقلية القبطية في مصر. بين رافضين لتدويل مشاكل الأقباط وما يترتب عليها من إعطاء قوى خارجية فرصة التدخل في الشؤون المصرية، وبين مؤيدين لهذا التدويل.
وفي الوقت الذي حدد فيه المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة النصف الثاني من مارس الجاري «الأربعاء الماضي»، موعدًا لمناقشة ما يسمى بمسألة اضطهاد الأقباط في مصر بناء على المذكرة المقدمة من عدلي أبادير رئيس منظمة الأقباط متحدون، حذر مثقفون وصحف مصرية من أن تدخل الأمم المتحدة – لأول مرة – في مناقشة مشاكل أقلية دينية في دولة عربية مسلمة سوف تكون له عواقب وخيمة على ترسيخ مبدأ التدخل في شؤون الدول الداخلية، فضلًا عن أنه سوف يثير حفيظة المسلمين ويزيد الفجوة بين المسلمين والأقباط التي اشتهرت في مصر برباطها الوثيق.
التمثيل القبطي:
ويقول مثقفون مصريون إن المؤتمرات القبطية الدولية التي سعى أبادير لعقدها في أوقات سابقة، ومنها مؤتمر زيوريخ عام 2004 وواشنطن عام 2005، ربما كانت خطوات تمهيدية باتجاه تدويل القضية القبطية في مصر، وأنها في سياق حملة الضغط التي يقوم بها أقباط المهجر للمطالبة بجملة من المطالب السياسية، منها زيادة التمثيل القبطي في المجالس المنتخبة، والمساواة في شغل الوظائف الإدارية، وتخصيص الموارد المالية وغيرها.
وقد رفض عدد من الأقباط والسياسيين المصريين اللجوء إلى المنظمات الدولية لعرض مشاكل داخلية واعتبروا قبول إحدى منظمات الأمم المتحدة مناقشة قضية داخلية مصرية خطوة قد يترتب عليها مشاكل كثيرة. كما تم رصد بوادر خلافات أخرى وتصدعات في جبهة أقباط المهجر في منظمتي الأقباط متحدون وأقباط الولايات المتحدة، وتبادل اتهامات بين الرموز القبطية، خصوصًا بين مايكل منير رئيس منظمة أقباط الولايات المتحدة وعدد من الكتاب الأقباط مثل مجدي خليل، بسبب ترحيب البعض بالحوار مع الحكومة المصرية واتهام آخرين لهم بأنهم يخونون قضية الأقباط.
فقد أكد الدكتور صفوت البياضي رئيس الطائفة الإنجيلية في مصر أن تدويل قضايا الأقباط في مصر ليس في مصلحة الأقباط أو مصلحة مصر عمومًا، كما أنه يسيء إلى المجتمع نفسه. فيما شدد الأنبا مرقس أسقف شبرا في مصر على أن مشاكل الأقباط يمكن أن تحل بالتفاهم والحوار الهادئ، خاصة أن العلاقة بين الحكومة والكنيسة في تحسن مستمر، والرئيس مبارك بدأ خطوات جادة لتيسير بناء وترميم الكنائس. ودعا منير فخري عبد النور القيادي القبطي السابق في حزب الوفد لمناقشة قضية الأقباط في إطار الجماعة الوطنية، مؤكدًا أن إخراجها عن ذلك خطأ فادح في حق الوطنية المصرية التي هي في تقديره أقوى ما يمتلكه الشعب المصري مقارنة ببلاد أخرى. ودعا عبد النور إلى تحرك عاجل لعقد مؤتمر وطني يضم جميع المؤمنين بفكر الوحدة الوطنية من قادة المجتمع المدني الأقباط والمسلمين لإيجاد حلول جذرية لمشكلة الأقباط.
إدانة مصر:
كذلك حذر المفكر القبطي جمال أسعد عبد الملاك من أن مناقشة مشكلة الأقباط أمام 158 دولة أعضاء في الأمم المتحدة، خصوصًا ما تحدثت عنه المذكرة المقدمة من اختطاف مسيحيات ومشاكل في بناء الكنائس، أمر خطير قد يترتب عليه الدعوة لإرسال لجنة دولية للتحقيق في تلك المشاكل في مصر واحتمال إدانة مصر، ومن ثم تنفيذ مخطط التدخل الحقيقي في الشؤون المصرية كما حدث في دول أخرى. كما وصف في مقال بمجلة روز اليوسف المصرية يوم الخميس 9 مارس 2006، من طالبوا بتدخل الأمم المتحدة في مشاكل أقباط مصر بأنهم يعملون بالجنسية الأجنبية وولاؤهم لغير مصر ومشاكل الأقباط هي الذريعة التي يتمسكون بها لتبرير التدخل، ووصفهم بأنهم يعيدون تاريخ العملاء المصريين مع المستعمر البريطاني أوائل القرن العشرين.
كما امتدح عماد عبد الفتاح، نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، تصرف المهندس عدلي أبادير بتدويل الملف القبطي، معتبرًا أنه سيؤدي إلى مزيد من الخلاف بين أقباط المهجر بعضهم البعض وبين أقباط الداخل، مؤكدًا أن اللجوء إلى المنظمة الدولية سيؤدي إلى مزيد من التوتر، وسيدعم بعض الآراء التي تسود بين المتشددين بأن أقباط المهجر سيستقوون بالخارج للضغط على الحكومة والمجتمع المصري.
وعلى حين يرى أبادير، وكذلك المستشار نجيب جبرائيل، أن من حق الأقباط تدويل القضية مثلما فعلت حركة كفاية التي طالبت بتحقيق دولي في الاعتداء على صحفيات، يرون أن ما يسمونه "تعنت السلطات المصرية" وراء هذا التدويل. قال جورج إسحاق، المنسق العام لحركة كفاية، إن لجوء كفاية إلى جهات دولية في قضية الاعتداء عليها أمر مختلف، لأن الاعتداء على كفاية اعتداء على جميع المصريين، ويقول إن هذه القضية "مشاكل الأقباط" تهم المصريين وحدهم، ولا يجوز أن يتدخل فيها طرف أجنبي أو دولي لأن الوحدة الوطنية هي عصب الأمة.
ويقول المستشار نجيب جبرائيل، رئيس منظمة الاتحاد المصري لحقوق الإنسان، في تبرير قبول الأمم المتحدة مناقشة هذه المسألة، إن مناقشة ما يسمى مشاكل اضطهاد أقباط مصر يأتي متوافقًا مع الاتفاقات والمعاهدات الدولية التي وقعتها مصر، مشيرًا إلى أن المادة 18 من اتفاقية العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية والبروتوكول الاختياري تجيز للأفراد والهيئات طرح شكوى أو مسألة تتعلق بالاضطهاد والتمييز في المعاملة ضد الأقليات بعد استنفاد الإجراءات المحلية.
وتزعم المذكرة التي قدمها أبادير أن عدد الأقباط المصريين 12 مليون نسمة، معظمهم من الأرثوذكس (الأرقام الرسمية حوالي 5% من السكان، ومصادر كنسية أخرى تقدرها بـ 10%)، وأن الأقباط يخضعون لنظام الذمية، وهو نظام إسلامي يطلق كلمة ذمي على مجموعة من الناس يختلفون دينيًا، ومن تنطبق عليهم هذه الكلمة يخضعون لمعاملة مختلفة مع التزامات. وأن السلطان العثماني أصدر عام 1856 ما يسمى بالخط الهمايوني، الذي كان يتطلب موافقة منه لبناء كنيسة جديدة، وأن الأقباط لا يزالون يعانون من آثار هذا الخط الهمايوني.
مطالب قبطية:
وقد سبق للبابا شنودة، بابا أقباط مصر، أن طالب في لقاءات جماهيرية سابقة، بعضها في نادي ليونز القاهرة، بالمساواة بين المسلمين والأقباط في مصر في مقاعد البرلمان والمناصب العليا. واستغلت هذه التصريحات عشرات الجماعات القبطية في المهجر (أمريكا وكندا) وجماعات صهيونية أخرى لشن حملة جديدة على الحكومة المصرية بدعوى التفرقة الدينية، ومطالبة الكونجرس والحكومة الأمريكية للتدخل والضغط على مصر لإجبارها على تخصيص 50 مقعدًا من مقاعد البرلمان (454) للأقباط الذين لا يزيد عددهم في البرلمان غالبًا على نسبة 5% من الأعضاء (3-5 أعضاء). بيد أن سياسيين مصريين وجهوا نقدًا للأقلية القبطية بأنها لا تشارك في الانتخابات وتتميز بالسلبية مثل نسبة كبيرة من المصريين، وانتقدوا مطالبة بعضهم بفكرة التمثيل النسبي في الوظائف – التي سبق أن رفضها الزعماء الأقباط عام 1923 – على اعتبار أنها تحول الأقباط إلى مجرد أقلية، لا شركاء في الوطن والمواطنة، ومعاملتهم على هذا الأساس بدلًا من التعامل معهم وفق مفهوم المواطنة الكاملة.
وينفي مثقفون وكتاب مسلمون أن يكون هناك أي اضطهاد لأقباط مصر. في حين يؤكد د. محمد عمارة – في دراسة له عن النصارى في مصر ولقاء سابق مع الجزيرة 2002/10/31 – أن أقباط مصر يملكون 40% من ثروة مصر رغم أنهم لا يشكلون 6% من السكان. وأن بعض كبار رجال الكهنة في الكنيسة المصرية، مثل الأنبا موسى أسقف الشباب في الكنيسة الأرثوذكسية المصرية، لا ينفون هذا التميز الاقتصادي للأقباط في مصر كما يسميه. وفي هذا السياق كشفت مجلة فوربس الاقتصادية الأمريكية، التي تعنى بالثروة والأثرياء في العالم عام 2005، أن ثروة عائلة ساويرس القبطية المصرية التي تعمل في مجال المقاولات والاتصالات وغيرها بلغت حوالي 20 مليار جنيه. ولم تكن هذه الحقيقة مفاجأة للكثيرين لأنه سبق أن اختارت المجلة عائلة ساويرس عدة مرات في قائمتها لأغنى أغنياء العالم في سنوات سابقة.