; الأقلام والسياسة.. والبحث عن الطاسة | مجلة المجتمع

العنوان الأقلام والسياسة.. والبحث عن الطاسة

الكاتب عبد الله عيسى السلامة

تاريخ النشر السبت 03-أغسطس-2002

مشاهدات 69

نشر في العدد 1512

نشر في الصفحة 44

السبت 03-أغسطس-2002

الأقلام من كل ملة ونحلة، راعفة بألوان الحبر كلها، وبأنواع السموم كلها، تتصايح هنا وهناك:

 الإسلام بحاجة إلى تجديد، الفكر الإسلامي بحاجة إلى إعادة نظر، الفقه الإسلامي قديم مهترئ، العقل الإسلامي في أزمة، الفكر الإسلامي منغلق محدود، الفكر الإسلامي وأزمته البنيوية، «ونحن هنا نتحدث عن جوقات التطوير والتنوير، لا عن جوقات الزندقة العارية، التي لا تجيد سوى شتم الإسلام وأهله باللفظ الصريح وبالعربي الفصيح». 

ثم: الإسلاميون، «الإسلامويون»، الأصولية الإسلامية، الأصوليون المسلمون، ثم.. ثم.. نداءات من كل حدب وصوب، صيحات استنكار واستنفار، ما معنى كل هذا؟ 

الأحزاب العلمانية الملحدة دمرت الأمة. 

اليساريون على اختلاف مشاربهم وألوان أمزجتهم الحمر والصفر.. حكموا أصقاعًا عدة من بلاد العالم الإسلامي، ولا يزالون. 

والقوميون بسائر تلاوينهم حكموا أقطارًا كثيرة من العالم الإسلامي، ولا يزالون. والليبراليون بشتى تصنيفاتهم حكموا أقطارًا كثيرة، ولا يزالون. 

وها هو ذا العالم الإسلامي، مضرب الأمثال في التخلف والانحطاط، بين أمم الأرض التي عرفت شيئًا من معنى الحرية الإنسانية والكرامة الإنسانية، فكم قلمٍ في العالم الإسلامي اليوم فيما نقرأ في الصحف يتحدث، لا عن أزمات الفكر لدى هذه المذاهب والأحزاب، بل عن أزمة الأمة تحت سلطاتها. 

قد يقول قائل إن اهتمام هذه الأقلام بالإسلام وأهله ودعاته، إنما هو من قبيل المحبة، وقد نرغب في أن نصدق متناسين قول الشاعر: «ومن الحب ما قتل».

وقد يزعم زاعم أن هذا الاهتمام كله ناجم عن رغبة عارمة في تطوير الفكر الإسلامي.

ونحب أن نصدق أيضًا، فنسأل التطوير كيف يكون؟ وضمن أي سياقات؟ وإلى أي درجة؟ ومن الجهات المخولة به، والمؤهلة له: أهي الفئات المنتمية إلى الإسلام الحريصة عليه؟ أم هي الجهات المعادية له التي تكيد له وتحمل معاول الهدم التي تحاول أن تصدعه بها، وتنسفه نسفًا؟ 

وقد يفترض مفترِض أن هذه الأقلام -غير المنتمية إلى الإسلام- ليس لديها عمل، وتحب أن تعيش ولا تجد مادة مثيرة للاهتمام سوى الحديث عن تطوير الإسلام والفكر الإسلامي والفقه الإسلامي والتشريعات الإسلامية.. والعقيدة الإسلامية! 

فهل يلام أحد إذا بحث عن رزقه في «مصادر رزقه؟».

وقد يرى راءٍ أن المذاهب المذكورة آنفًا أفلست كلها، أفلست فكرًا وتطبيقًا، والبديل الوحيد لها جميعًا هو الإسلام -عقيدة الأكثرية في بلاد المسلمين- فلا بد من تطويره بالصورة التي تجعله مثل المذاهب الأخرى، بل أشد منها ضعفًا، لأنه «متخلف، رجعي، منغلق.» وهي متنورة، متقدمة، منفتحة.! 

وقد يتخيل متخيل خصب الخيال أن هذه الأقلام، إنما تمنح ماءها من محبرة واحدة، هي ذاتها التي أمدت الأقلام السالفة منذ ظهور الإسلام بالحبر الذي سودت به الصفحات لتشويه صورة الإسلام، وأن الحبر الذي يُستقى من هذه المحبرة يتحول -بقدرة قادر- إلى ذهب ودولارات، انطلاقًا من قول القائل: «إن لي قلمًا أملؤه حبرًا، فيملأ جيبي تبرًا». 

وقد يظن ظان حسن الظن أن بعض هذه الأقلام -ونقصد المحسوبة من حيث العدد على الإسلام وأهله- إنما يدفعها إلى الحديث عن تطوير الإسلام، رغبتها في أن تنتمي إليه فعلًا وتحس بالفخر عندما تنتمي إليه، إذا كان بالصورة المطورة أو المحسنة التي تراها أو تتمناها، أو يراها ويتمناها كل قلم من هذه الأقلام بطريقته الخاصة، ومن منظوره الخاص، وحسب البيئة التي يعيش فيها، وحسب المطالعات الأدبية والفلسفية «المتحضرة» التي يطالعها في بلاد الغرب أو الشرق، أو الشمال أو الجنوب، أي أن يكون لكل صاحب قلم إسلامه الخاص الذي يعجبه ويريحه ويلائم مزاجه حيثما كان وكيفما كان. أو ليست هذه رغبة مشروعة؟ ألا يختار المرء الثياب التي تلائم حجم بدنه وتريح مزاجه؟ أو لا يختار قبعته بحجم رأسه، وقميصه بحجم صدره ورقبته وكتفيه؟ 

وقد يتوهم متوهم أن هذه أقلام مأجورة، أو حاقدة.. لا سمح الله! موظفة -أو موظف بعضها- لحساب القوى التي تمسك بمقاليد السلطات في بلادها، والتي هي بدورها موظفة لحساب سلطات خارج بلادها، وأن هذه السلطات العليا «تنصحها» بأن تسخر أقلام مأجوريها لتطوير الإسلام ليكون سهلًا طبعًا منقادًا، يشكلونه عقيدة وتشريعًا وخلقًا بالصورة التي يريدون؛ ليحكموا بلاده وأهله بالكيفية التي يريدون، بعد أن ثلمت صخرته الصلبة، معاولهم وفؤوسهم في مقارعته، عبر مئات السنين.

وقد.. وقد.. ظنون شتى، واحتمالات كثيرة، ولكن..

أن يتحدث المسلمون -أبناء الملة الحقيقيون- عن تطوير بيتهم، وتحسين ظروفهم المعيشية فيه، فهذا سائغ عقلًا وعُرفًا وخلقًا، فهم يحيون ضمن إطاره، يتغذون به قبل الطعام، ويشربونه قبل الماء، ويتنفسونه قبل الهواء، يعرفون سقوفه التي لا يمكن تجاوزها، وجدرانه التي لا يجوز تصديعها، وأرضيته التي لا يمكن حرقها، وردهاته وساحاته التي تسمح ببعض التحسين لما فيها من هوامش مرنة، وحديقته التي يمكن -بل يجب أحيانًا- تقليم بعض أغصانها بأيدٍ خبيرة في التقليم. 

أن يتصدى أبناء البيت -أهله وسكانه- لتطوير بيتهم فيما يمكن تطويره، فلا غرابة في هذا، ولا استنكار، بل هذا هو الأصل والواجب، وإن اختلف أهل البيت وتصايحوا أحيانًا حول النسب والكيفيات والأسباب والمسببات، والدوافع والمآلات.

أما أن يتصدى الآخرون الغرباء سواء منهم من كان غريبًا في الأصل، ومن خرج من البيت وكفر به وبأهله وتغرب جسدًا وقلبًا، أو قلبًا فحسب، أن يتصدى هؤلاء لتطوير البيت، كل بالصورة التي يراها، أو يُريها إياه «دافع ثمن حبره وخمره»، فهذا من الغرائب، بل من المنكرات بكل مقياس من المقاييس التي عرفها بنو البشر، وتبقى هذه الحزمة الصغيرة من الأسئلة:

۱ - أين أرباب البيت الحقيقيون من كل ما يجري من حفر لأسس بيتهم، وتصديع لبنيانه، وهدم لسقفه؟

۲ - هذه الأقلام -المعاول- التي تحفر وتصدع وتهدم، هل فكرت يومًا ما -ونقصد المؤهلة للتفكير منها- بأن يسأل سائل: عم تبحثين أيتها الأقلام تحت أسس هذا البيت؟ هل «أضعتِ الطاسة»، كما يقول المثل العامي في أحد حماماته، فطفقت تُعملين أسنتك في بنيانه لاهثة في كل اتجاه؟ 

3- وهل الطاسة التي هي بحجم الهيكل الذي أضاعه «شارون وباراك، وبيريز ونتن ياهو وشامير، وقبلهم بن جوريون وروتشيل ووایزمان» تحت جدران المسجد الأقصى، ومضى عليهم ثلث قرن حتى الآن وهم يبحثون عنه، بعد أن حفروا عميقًا تحت كل جدار من جدران المسجد؟!

فإذا كانت الطاسة التي أضعتموها تحت جدران الإسلام بحجم الهيكل الضائع، فكم سنة ينبغي أن تمر عليكم لكي تكملوا الهدم -حسبما تتوقعون- لتجدوا الطاسة؟

وإذا كانت هذه المهمة التي ورثتموها عن آبائكم -آباء العقيدة أو الفكر أو الروح أو الدرهم- لم تستطيعوا إنجازها أنتم ولا آباؤكم من قبل طوال قرن من الزمان سبقته قرون كثيرة في التمهيد والتوطئة.

 فهل تتوقعون أن تتموا إنجازها خلال قرن آخر أو قرنين؟

أم أن إنجازها مرتبط بإنجاز المهمة الأخرى، العثور على الهيكل، فإذا وُجد الهيكل وُجدت الطاسة للتلازم الوثيق بينهما!

لن نقول لكم: اتقوا الله، فهذا الكلام لا يوجه إلى أمثالكم .

بل نقول لأهل البيت: اتقوا الله في بيتكم، بل في بيتيكم: البيت الذي أضاع تحته عباقرة الفكر والتطوير والتنوير، طاستهم -أو طاسة سادتهم-، والبيت الذي أضاع تحته «شارونات» يهود هيكلهم.

وأنتم تعلمون معنى قول ربكم لكم: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (محمد: 38).

فإن كان فيما يُفعل بكم وبدينكم وبلادكم من ذوي الأقلام -المعاول- المذكورة وأسيادهم، حافز لتهبُّوا وتذودوا وتدفعوا، فهذا ما ندبتم له، ويكون شأن حملة الأقلام هؤلاء عندئذ، هو ما ورد في حديث نبيكم ﷺ: «إن الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر»، فتحفيز الفجرة لكم هو نوع من أنواع النصر الذي لا يريدونه، وإنما مكر الله بهم فوق ما يمكرون. وإن أعرضتم عن التذكرة، فأنتم وذاك، ولكلٍّ حسابه عند ربه وشعبه.

 

الرابط المختصر :