العنوان برامج ومناهج التغريب
الكاتب عبدالله السفاف
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1987
مشاهدات 60
نشر في العدد 830
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 18-أغسطس-1987
كانت برامج التغريب وما زالت تخدم هدفًا مزدوجًا، فهي أولًا تخدم مصالح الاستعمار في تقريب الهوة بينه وبين المسلمين نتيجة للكره الذي يحمله المسلمون لمن يحتل بلادهم ثم أنه يضعف الرابطة الدينية التي تجمع المسلمين من خلال تشتيت الوحدة الفكرية التي كانوا يلتقون عليها جميعًا، وتوليد نزاعات وخلافات بين بعضهم البعض تحقق للاستعمار الانفراد بكل جماعة على حدة ليتعامل معها وهو آمن على نفسه من باقي المناطق الإسلامية الأخرى.
وبرامج التغريب تقوم على قاعدتين أساسيتين:
أولًا: اتخاذ الأولياء والأصدقاء من المسلمين وتمكينهم من السلطة ومنع الخصوم من الوصول إلى أي مركز وصد الناس عنهم.
ثانيًا: التسلط على برامج التعليم والأجهزة الإعلامية والثقافية عن طريق من نصبوهم من الأولياء وتوجيه هذه البرامج لإيجاد إسلام جديد يفسر حسب ما يريد هؤلاء الغربيون وبما يخدم مصلحتهم. «1».
وتطوير الإسلام مشكلة يعاني منها المسلمون في هذا العصر، وهي مشكلة يجب على المسلمين أن يهبوا لصد تياراتها فهذا العمل الذي أقبل عليه كثير من الناس دون أن يدركوا أبعاده الحقيقية ونتائجه التي تستتبع حدوثه قد يجر على الإسلام والمسلمين ما لا يحمد عقباه. وخطر تطوير الإسلام يأتي من وجهين، الوجه الأول هو إفساد لقيم الإسلام على مدار أربعة عشر قرنًا من الزمان. فوجود الزيف يعني الكثير بالنسبة للمجتمع الذي يرى إمكانية للخلاص برجوع القيم الأصلية، ولكن إذا أبعدت تلك القيم الأصيلة نهائيًا وأحلت مكانها قيم دخيلة زائفة وتمرس الناس عليها فإن المجتمع لن يقبل التغيير بعد ذلك إذا ظهرت القيم الأصلية إلا بصعوبة.
ثم أن هذا التطوير سوف ينتهي بالمسلمين إلى الفرقة التي لا اجتماع بعدها. فمن المؤكد أن كل جماعة سوف تذهب في التطوير مذهبًا يخالف الجماعة الأخرى ليكون البعد الثقافي بينهم في نهاية المطاف بعدًا لا يمكن المجتمعات من التواصل فيما بينها وكان ولا يزال معظم ما يجري في العالم الإسلامي من استهداف لتطوير الإسلام الاقتراب به من قيم الحضارة الغربية يجري باسم الاجتهاد، والاجتهاد في الإسلام حق لكل عالم قادر متمكن ومن التمكن أن يكون ملمًا بكل ما يحيط بالمسألة وبما قاله فيها من سبقه وشأن الاجتهاد الديني في ذلك شأن كل نوع آخر من طب وعلم وغيره.
والاجتهاد في حال افتتاننا بالحضارة الغربية خطر غير مأمون العواقب فالمجتهد لا يأمن على نفسه من حيث يدري أو لا يدري- أن يتأثر بما مال إليه وأن يقوم بتبرير القيم الأجنبية التي قد أعجب بها.
وتتضح فكرة التطوير وخطورتها لمن يطلع على عشرات الكتب التي ألفت في نصف القرن الأخير بواسطة ساسة الغرب وباحثيه حيث أصبحت تركز على حاضر العالم الإسلامي ومستقبله بدلًا من البحث في ماضيه «2».
فمع هذا القرن الميلادي تحول اتجاه اهتمام المستشرقين عن الدراسات الإسلامية القديمة إلى الدراسات الإسلامية الحديثة وإلى تطور المجتمعات والتغيرات التي تطرأ عليها في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. وهذه الدراسات هي دراسات موجهة وهادفة، تساير تطور السياسة الاستعمارية في البلاد الإسلامية واتجاهها إلى التغريب، يستطيع أن نستخلص هذه النظرة من كتابات جب GIBB .H-AR الذي قدم به مجموعة البحوث التي قدمها مجموعة من المستشرقين بعنوان «إلى أين يتجه الإسلام WHITHER ISLAM» وذلك في عام 1932- فهو يقرر في مقدمته هذه أن مشكلة الإسلام مع الغرب والأوروبيين ليست مشكلة علمية «أكاديمية» فقط. فالإسلام له من القوة ما يهيئ له السيطرة على تصرفات أفراده وحكمها بضوابط معينة وضمن حدود واضحة.
وهذه القوة هي ما هيئت له مكانًا بارزًا في أي تخطيط لاتجاهات العالم الإسلامي «فالإسلام ليس مجرد مجموعة من القوانين الدينية، ولكنه حضارة كاملة» «3».
ويقرر C. SMITH.W في كتابه «الإسلام في التاريخ الحديث IN MODERN HISTORY ISLAM» الذي ظهر سنة 1957 أن الإسلام يجتاز الآن مرحلة مخاض تنبئ عن تحول وشيك ودراسة هذا التحول والتطور تعني المسلمين كثيرًا، لكي يساهموا في تطوير حياتهم بأسلوب واع، وهي تعني الأجانب، لكي يراقبوا هذا التطور ويعرفوا مكانهم منه، وهي في النهاية تعني كلا الطرفين لتحقيق التواصل وتقوية العلاقات بينهما.
ويقول في الفصل الثالث من كتابه الذي تكلم فيه عن العرب: إن الإسلام كان ولا يزال هو العامل الأساسي في إيجاد الهوة التي تفصل الغرب والعرب.
وبعد أن يقيم الدليل على وجهة نظره بملاحظة الفرق في علاقات الغرب بالمسلمين من العرب، وبين علاقاته بغير المسلمين منهم يعود فيقول: «لقد أصبح من الحقائق الجديدة في مدنيتنا العصرية، أن من الواجب سد هذه الثغرات ببناء قنطرة فوق مثل هذه الهوة، وخلق الأسباب الموصلة للتفاهم والتواصل» ثم يكمل فيقول: «وخلق مثل هذا التفاهم بين المدنيات المختلفة والأديان المتباينة يتطلب جهودًا مبتكرة لا يتوصل إليها إلا بصعوبة» «4».
وقد ذكر في كتابه ملاحظة مهمة في معرض كلامه عن الإسلام في الباكستان من أن الأفكار العلمانية والتحررية لا تروج في العالم الإسلامي إلا إذا أخذت تفسيرًا إسلاميًا مقبولًا. وتظل أصعب الهزائم على الدوام هي الهزيمة النفسية. والهزيمة النفسية هي التي تنجم عن النقص في الشعور الاجتماعي بالنسبة لانتماء الأفراد ومجتمعاتهم، لذلك فإن خطط الاستعمار قد ركزت على ناحيتين أساسيتين هما تدمير الأسرة والرابطة الاجتماعية أولًا، وتدمير الأسرة لا يتم إلا بإلغاء الرابطة التي تجمع أفرادها، ومن هنا فقد وجد الاستعمار أن أسهل الطرق إلى ذلك هي بفتح أبواب التعليم لأبناء المسلمين، ولكن بحيث تكون مناهج التدريس تحت أيديهم ولا تتحرك إلا بوحي منهم. وعندما تم لهم ما أرادوا بدأت أفكارهم تتوالى فبدأوا بفصل التعليم الديني عن العلوم، هذا كرومر الذي أمضى حوالي ربع قرن وهو الحاكم الفعلي لمصر، متحكمًا في المتفرنجين الذين يوالون الحضارة الغربية والحاكم الأجنبي ويقبلون التعامل معه ويؤمنون بأن البلاد لن تسير على طريق الحضارة إلا إذا أخذت بالمنهج الغربي خيره وشره. وكان من ثمرة عمل كرومر أن ظهر لنا. أمثال لطفي السيد الذي جاهر بعداء الإسلام والمسلمين داعيًا إلى الإقليمية المصرية الفرعونية ومن أمثال طه حسين الذي قال: إننا يجب أن نأخذ الحضارة الغربية حلوها ومرها وخيرها وشرها وما يحمد منها وما يعاب «5». وبذلك تحقق للاستعمار ما يريد حيث تحكم في الدول الإسلامية عسكريًا باحتلالها فقد احتلت فرنسا سوريا ولبنان واحتل الإنجليز الأردن والعراق وفلسطين ثم ظهر وعد بلفور الذي أعطى اليهود وطنًا قوميًا في فلسطين. ثم تحكم الاستعمار في الدول الإسلامية ثقافيًا ففرض عليها ما يريد ومنع عنها ما كان يعتقد أن فيه الفائدة. ولما كانت مصر هي أكبر الدول العربية فقد كانت مثلًا يحتذى في كل شيء، ولذلك فقد كان لمصر نصيب الأسد من خطط الاستعمار.
بدأت الدول الإسلامية تستيقظ بعد ذلك، ولكنها لم تكن تجد من يرشدها إلى الطريق الصحيح. وكان الاستعمار يدرك جيدًا أن التحكم العسكري لن يطول طويلًا فعليه إذًا أن يبقى تحكمًا من نوع آخر أشد فتكًا، ذلك هو التحكم الحضاري والثقافي.
وفي سبيل ذلك بدأ مخططو السياسة الاستعمارية في محاولاتهم الهادفة إلى إبعاد المسلمين عن حقيقة الإسلام. وبدأوا باللغة العربية وقد ورد في تقرير اللورد كرزون الذي كتبه في أول الاحتلال، حيث يقول: «إن أمل التقدم ضعيف ما دام العامة يتعلمون اللغة العربية الفصحى لغة القرآن الكريم كما في الوقت الحاضر ولا يتعلمون اللغة العربية الدارجة لأن نسبة اللغة المصرية الدارجة إلى لغة القرآن كنسبة الإيطالية واللاتيني واليوناني الحديث إلى اليوناني القديم. وعربية الفلاح لغة قائمة بنفسها وقواعدها خاصة بها فإذا لم تؤخذ هذه الاحتياطات يستمر الجيل الجديد مثل مسابقة غير حاصل لخدمة وطنه وتظل عبارة مصر للمصريين كما كانت اسمًا بلا مسمى «6».
وهنا تتبين لنا الخطة الجهنمية التي وضعت، فإبعاد المسلم عن اللغة العربية الفصحى التي هي لغة القرآن تحطم الأمة من ناحيتين، ناحية الإحساس الديني بقطع الرابطة بين المسلمين وبين القرآن حينما ينظر إلى القرآن كمثل نظرة الإنجليزي إلى كتاب كتب باللاتينية والناحية الأخرى هي الناحية الترابطية بين الشعوب الإسلامية فمن المؤكد أن تشجيع اللغة العامية سوف يوجد لغات بعدد الشعوب العربية، وبهذا تقطع أي رابطة كان الإسلام قد بناها. كل هذه الخطط التي حيكت لإبعاد القرآن عن واقع المسلمين إنما تهدف أولًا وأخيرًا إلى جعل المسلم شخصية ضعيفة تستجيب لكل تأثير وتقلد بأسرع وقت ما تراه قد عرض عليها. هذا القرآن الذي أزعجهم هو الذي رمى به في يوم من الأيام في مجلس البرلمان الإنجليزي اللورد غلادستون، ودعا إلى إبعاده عن المسلمين وهو الذي قال عنه كرومر إنه يعيق التقدم. ثم دعا كرزون إلى العامية وجاء بعد ذلك ماسينون ليدعو إلى الكتابة بالحروف اللاتينية «7».
ثم لجأ الاستعمار بعد ذلك إلى تكريس التشكيك في السنة المطهرة على يد أعوانه المستشرقين وتلاميذهم. وقد بنى الاستشراق نظرته هذه على أن تهديم أكبر ركيزتين للفكر الإسلامي هي تدمير للعقيدة وللفكر والتراث الإسلامي من أساسه. وقد وردت في كتابات المستشرقين الكثير من الإشارات التي توصي بإرادتهم ترسيخ فكرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد تأثر بالنصرانية الموجودة في جزيرة العرب في الشام من خلال رحلاته التجارية، وهم يرمون من وراء ذلك إلى إنكار الوحي الإلهي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم- وإنكار فكرة الوحي ابتداء تؤدي إلى إنكار ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو الإسلام ومن هنا يتحقق لهم ما أردوا.
ثم ركز الاستعمار بعد ذلك على محاولة وضع التفسير المادي للتاريخ كشيء مسلم وذلك من خلال الربط بين الحاجة المادية والانتصار على الصعيد الواقعي. يقول المستشار سالم البهنساوي في مقال له: «إن المادية الجدلية التي ابتكرها کارل ماركس قد أثرت في تفكير بعض الكتاب فحاول أن يفسر انتصار الإسلام وأحداثه التاريخية تفسيرًا ماديًا لقد تبنى ذلك مونتجمري وات في كتابه محمد في مكة، ومحمد في المدينة». ثم يستطرد بقوله: إن أول من تبنى ذلك من الكتاب العرب طه حسين في كتابه الفتنة الكبرى الذي تأثر به عبد الرحمن الشرقاوي. وهذا التفسير لتاريخ الإسلام ليس تفسيرًا واقعيًا فكل المصادر التاريخية التي تتصف بالصدق تجمع على أن رسالة الإسلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن وليدة ظروف اجتماعية أحاطت بالنبي صلى الله عليه وسلم وإنما هي وحي من الله سبحانه وتعالى. وإحياء الحضارات الجاهلية نقطة ركز عليها الاستعمار ودعاته فشاهدنا دعوات مثل الفرعونية في مصر والطورانية في تركيا والفارسية في إيران وغيرها. وإحياء مثل هذه الدعوات تنمى عن حقد دفين يصرح بمحاربة الإسلام وحضارته.
وحاول الاستعمار تصوير الدور الإسلامي في حوض البحر الأبيض المتوسط كدور ثانوي لم يحدث أي تغيير وإنما كعامل ناقل فقط قام بحمل الحضارة اليونانية ليوصلها إلى أوروبا اليوم كما هي بلا زيادة. وهذا الافتراء تدحضه إنجازات العلماء المسلمين في كل مجال من طب وأدب وفلك وغيرها من العلوم.
وشجع الاستعمار على تطوير الأدب العربي عن طريق لفظ الأدب الإسلامي كأدب قديم كاسد وإحلال الأدب الجاهلي الذي يسمونه بالأدب الحديث مكانة. والأدب الحديث هنا كما يقولون هو ما جاء بعد نابليون وهو أدب يدعو إلى جعل العربية لغة قومية فقط لا تمت للدين والإسلام بأي صلة.
وهذه المحاولات ترمي أولًا وأخيرًا إلى هدم التراث الإسلامي ويظهر لنا ذلك جليًا في محاولات إحياء الفكر الوثني الإباحي كفكر عمر الخيام وغيره ثم هو يرمي من وراء ذلك إلى التشكيك في صلاحية الشريعة الإسلامية كمنهج للحياة. وكل ذلك إنما يعكس الرغبة القائمة في تكريس تبعية الدول الإسلامية للغرب في كل شيء حتى في مناهجه. وسبل حياته وقوانينه.
- الإسلام في المواجهة:
بداية لا بد لكل مسلم أن يدرك أن جميع الأساليب التي سلكها الغرب في حياته إنما هي وجهات نظر توصل إليها رجالاته عن حسن نية أو لمآرب شخصية وأنها ليست أبدًا مسلمات ولا قوانين.
ومن هنا نستطيع إدراك أن كل هذه التجارب إنما تبعث من محيط المجتمع الغربي الذي كان يعاني من مشاكل لا تحصى سواء مع الكنيسة أو الإقطاع لذلك فإن هذه التجارب إنما جاءت موافقة لأسلوب حياته ولما استدعته ظروفه الاجتماعية.
ثم أن للفكر الإسلامي رأيه في كل صغيرة وكبيرة من شؤون المجتمع بما يحقق له الطمأنينة والاستقرار. واستقرار النظريات الغربية الحالية في المجتمعات الإسلامية إنما تم لعدم وجود المخلصين من ذوي السلطة الذين يمكن أن يقوموا بدور فعال في وضع المناهج الإسلامية موضع التنفيذ والفكر الإسلامي من وجهات نظر يختلف ضمنيًا بصورة كاملة عن الفكر الغربي في فلسفته للحياة وفي معاملات المجتمع وواجبات الأفراد، ومحاولة الخلط بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي إنما هي مغالطة واضحة لا يقصد منها إلا إظهار الإسلام بصورة دين الحياة الشخصية فقط. فالإسلام بكله كيان قائم بذاته لا يحتمل الفصل أو التجزؤ وهدفه النهائي إنما هو سعادة الإنسان في الدنيا وسعادته في الآخرة بإيمانه وطمأنينته لما أداه من أعمال صالحة.
واستقلال الفكر الإسلامي وشموليته لا تعني الانغلاق والتقوقع وعدم قبول الجديد الصالح ولكن تعني عرض كل ما يستجد على الإسلام فما وافق المبادئ العامة للإسلام أخذناه وما تعارض رفضناه ولكن بعد محاولة الاستفادة القصوى مما فيه ومحاولة تنقيته من الفكر الضال والمبادئ الهدامة، يقول د. عبد الله النفيسي في مقال له بعد أن أخذ اليابان كمثال لمجتمع استفاد من معطيات الحضارة الغربية مع محافظته على كيانه الذاتي وأفكاره وقيمه الروحية، يقول: «الفرق بيننا وبين اليابان- من حيث الموقف من الغرب- جوهري للغاية نحن زبون لدى الغرب، أما اليابان فتلميذ لديه، وفرق كبير بين الزبون والتلميذ. فالزبون يشتري، أما التلميذ فيتعلم. ولذلك نجد أن نمط التنمية العربية الحالية يتجه نحو التغريب إنه يقلد- وبشكل حرفي- النموذج الغربي في مجتمع غير غربي «8».
- سبيل النهوض:
يقول الدكتور عمار الطالبي مدير جامعة الأمير عبد القادر الإسلامية بقسطنطينية «علينا أن نستعيد أصالتنا الفكرية واستقلالنا في ميدان الأفكار للمحافظة على استقلالنا السياسي والاقتصادي... فالمجتمع الذي لا يصنع أفكاره الأساسية لا يمكنه أن يصنع المنتجات الضرورية لاستهلاكه ولا المنتجات الضرورية لتصنيعه.. ولا يمكن لمجتمع يبني نهضته أن يبنيها بالأفكار المستوردة أو المسلطة عليه من الخارج «9».
هذه حقيقة واقعة فبداية أي عمل لا بد أن تبدأ من أساسه فلا يجوز أن نصنع حاضرنا على أخطاء من سبقنا.
ومن هنا كانت أهمية تأصيل الفكر الإسلامي في كل نواحي الحياة. وإذًا المطلوب منا هو إعادة بلورة وتنمية ما لدينا من مناهج لتتشكل بالصورة المطلوبة وبما يوافق فكرنا الإسلامي وحاجياتنا الاجتماعية. ثم يحق لنا بعد ذلك المطالبة بالانفتاح الثقافي بمفهومه الإسلامي الحقيقي بحيث نحمي مجتمعنا من المؤثرات الخارجية يقول الشيخ الغزالي: في معض توضيحه لانهزام المسلمين أمام الغرب فكريًا «هناك خط أساسي في أسلوب تفكيرنا وعبادتنا لربنا لأننا لم نعط القدرة المدنية والعسكرية وزنها الصحيح» ويستطرد قائلًا: «ونحن لا نمانع من أن نكون تلامذة لمن سبقونا وأن نتواضع لهم حتى نعرف ما لديهم ونحسن رتق فتوقنا» ثم يكمل واصفًا حال المبتعثين ومأساة الإسلام فيهم «الذاهب إلى موسكو يعود بفكر ماركس، والذاهب إلى واشنطن يعود بفكر انحلالي تنصيري.. والعلم النافع القليل الذي حصل عليه سرعان ما يتبخر ولا تجد له أثرًا، أو له أثر ضرره أكثر من نفعه.. والمرء إذا وهي دينه يقاد من بطنه وفرجه بدلًا من أن يكون قائده عقله وضميره.. وتلك حال مبعوثين كثيرين...» ثم حدد السبيل لمواجهة الغزو الثقافي قائلًا «ولكي أواجه تحديًا ثقافيًا وأنا راسخ التقدم، فعلي أن أعرف ديني من مصادره السماوية لا من تقاليدنا الأجناس المختلفة، وأن أفرق بين اليقينيات والظنيات.. وأن أدرس التاريخ الفقهي والسياسي دراسة اعتبار واستفادة تحميني من التورط فيما تورط فيه قوم آخرون» «10».
الهوامش
«1» أزمة العصر ص 176
«2» أزمة العصر ص 181
«3» أزمة العصر ص 182
«4» أزمة العصر ص 182
«5» حقائق عن الغزو الفكري للإسلام
«6» حقائق عن الغزو الفكري للإسلام
«7» حقائق عن الغزو الفكري للإسلام
«8» المجتمع- العدد 758
«9» الأمة 60
«10» الأمة 60