; النص القرآني الخامس عشر لوم الله المؤمنين على طمعهم في إيمان اليهود | مجلة المجتمع

العنوان النص القرآني الخامس عشر لوم الله المؤمنين على طمعهم في إيمان اليهود

الكاتب د. عمر سليمان الأشقر

تاريخ النشر السبت 22-يناير-2011

مشاهدات 41

نشر في العدد 1936

نشر في الصفحة 58

السبت 22-يناير-2011

سورة البقرة:

كثير من اليهود أميون لا علم لهم بدينهم والذين يستحقون اللوم والتوبيخ أحبارهم المبدلون لدينهم

حرف بعض علماء اليهود كتابهم التوراة عن علم وعقل وتعمد ومن أعظم ما حرفوه البشارة بالرسول صلى الله عليه وسلم

أنكر الله - تبارك وتعالى - على المؤمنين في المدينة طمعهم في إيمان اليهود، فاليهود فسدت فطرهم، وتدنست طبائعهم، وقد بلغ بهم السوء إلى تحريف كتاب الله عن قصد بعد أن فقهوه وفهموه، وامتهنوا النفاق، فقد كان بعضهم يزعمون الإيمان عندما يقابلون المؤمنين، ثم يلوم بعضهم بعضاً على فعلهم ذلك، والدين عند عوام اليهود تخرصات وظنون، أما الأحبار والعلماء فإنهم يحرفون الكتاب الذي بأيديهم، وهم يدَّعون دعاوى كاذبة، فيزعمون أن النار لا تمسهم إلا أياماً قليلة، وهم في ذلك يكذبون على رب العزة، فكيف تطمعون أيها المؤمنون بإيمان من كانت فيه كل هذه المصائب والبلايا!!

آيات هذا النص من القرآن الكريم ﴿أّفّتّطًمّعٍونّ أّن يٍؤًمٌنٍوا لّكٍمً قّدً كّانّ فّرٌيقِ مٌَنًهٍمً يّسًمّعٍونّ كّلامّ پلَّهٌ ثٍمَّ يٍحّرٌَفٍونّهٍ مٌنً بّعًدٌ مّا عّقّلٍوهٍ هٍمً يعّلًمّوٍن إذّا لّقٍوا پَّذٌينّ آمّنٍوا قّالٍوا آمّنَّا إذّا خّلا بّعًضٍهٍمً إلّى بّعًضُ قّالٍوا أّتٍحّدٌَثٍونّهٍم بٌمّا فّتّحّ پلَّهٍ عّلّيًكٍمً ليٌٍحّاجٍَوكٍم بٌهٌ عٌندّ رّبٌَكٍمً أفّّلا تّعًقٌلوٍنّ أّوّلا يّعًلّمٍونّ أّنَّ پلَّهّ يّعًلّمٍ مّا يٍسٌرٍَونّ مّا يٍعًلٌنٍونّ مٌنًهٍمً أمٌٍَيٍَونّ لا يّعًلّمٍونّ پًكٌتّابّ إلا أّمّانٌيَّ إنً هٍمً إلاَّ يّظٍنٍَونّ فّوّيًلِ لٌَلَّذٌينّ يّكًتٍبٍونّ پًكٌتّابّ بٌأّيًدٌيهٌمً ثٍمَّ يّقٍولٍونّ هّذّا مٌنً عٌندٌ پلَّهٌ لٌيّشًتّرٍوا بٌهٌ ثّمّنْا قّلٌيلاْْ فّوّيًلِ لَّهٍم مَمٌَّا كّتّبّتً أيّدًٌيهٌمً وّيلًِ لهٍَّم مٌَماَّ يكًّسٌبوٍنّ قّالٍوا لّن تّمّسَّنّا پنَّارٍ إلاَّ أّيَّامْا مَّعًدٍودّةْ قٍلً أّتَّخّذًتٍمً عٌندّ پلَّهٌ عّهًدْا فّلّن يٍخًلٌفّ پلَّهٍ عّهًدّهٍ أّمً تّقٍولٍونّ عّلّى پلَّهٌ مّا لا تّعًلّمٍونّ بلّىّ مّن كّسّبّ سّيٌَئّةْْ أّحّاطّتً بٌهٌ خّطٌيئّتٍهٍ فّأٍوًلّئٌكّ أّصًحّابٍ پنَّارٌ هٍمً فٌيهّا خّالٌ دٍونّ الَّذٌينّ آمّنٍوا عّمٌلٍوا پصَّالٌحّاتٌ أوًٍلّئٌكّ أّصًحّابٍ پًجّنَّةٌ هٍمً فٌيهّا خّالدٌٍونّ﴾ البقرة.

المعاني الحسان في تفسير هذه الآيات

-1 إنكار الله على المؤمنين طمعهم في إيمان اليهود:

أنكر الله على المؤمنين طمعهم في إيمان اليهود الذين كانوا يسكنون المدينة، وحال اليهود في غير المدينة كحالهم فيها، وها قد مرَّ على نزول القرآن أكثر من ألف وأربعمائة عام، ولم يستجب اليهود لنداء الإيمان الذي جاء به القرآن، قال تعالى: ﴿أّفّتّطًمّعٍونّ أّن يٍؤًمٌنٍوا لّكٍمً﴾، والطمع كما يقول الراغب الأصفهاني: «نزوع النفس إلى الشيء شهوة له » المفردات: 307 ، والمراد بالإيمان لهم: انقياد اليهود لهم.

-2 ما يحول بين اليهود وبين الإيمان: ليس كل إنسان بصالح للإيمان، فبعض الناس تقذرت فطرهم، وتلطخت بالقاذورات التي تحول بينهم وبين الإيمان، وقد ذكر الله في هذا النص ثلاثة أمور تحول بين يهود وبين الإيمان.

أولها: تحريف اليهود كالم الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون: قال تعالى في هؤلاء: ﴿قّدً كّانّ فّرٌيقِ مٌَنًهٍمً يّسًمّعٍونّ كّلامّ پلَّهٌ ثٍمَّ يٍحّرٌَفٍونّهٍ مٌنً بّعًدٌ مّا عّقّلٍوهٍ هٍمً يعّلًمّوٍن﴾، والمراد باليهود الذين يحرفون كالم الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون، هم بعض أحبارهم وسادتهم، والمحَّرف هو التوراة التي أنزلها الله على نبيهم موسى عليه السلام، فالقرآن لا سبيل إلى تحريفه، فهو محفوظ بحفظ الله، وتوراة اليهود تحمل - اليوم - الكثير من التحريف، وسيأتي ذكر نماذج من هذا التحريف.

ومعنى ﴿يحٍّرفٌَوٍنهّ﴾: يبدلون معناه، ويغيرونه عن علم وقصد، ولذلك قال: }مٌنً بّعًدٌ مّا عّقّلٍوهٍهٍمً يّعًلّمٍونّ﴾ والذين بلغ بهم الأمر إلى تحريف كلام الله عن قصد وعلم يكون الفساد قد بلغ فيهم منتهاه وغايته.

ثانياً: ادعاء اليهود الإيمان إذا لقوا المؤمنين، فإذا خلا بعضهم إلى بعض تلاوموا فيما بينهم:

كان بعض اليهود في المدينة يدَّعون الإيمان عندما يقابلون المؤمنين، فإذا خلا بعضهم إلى بعض بعيداً عن المؤمنين تلاوموا فيما بينهم، وقال بعضهم لبعض ناسين أنَّ الله سامع لما يقولونه: أتحدثون المؤمنين بصفات محمد ﷺ التي حوتها التوراة، وهذا هو الحديث الذي فتحه الله عليهم، وكانوا فيما مضى يظهرونها، ويتوقعون متابعتهم له، ومقاتلة المشركين معه، فلما بعث من غيرهم تنكروا له، وكفروا به، وحاربوه: ﴿إذّا لّقٍوا پَّذٌينّ آمّنٍوا قّالوٍا آمّنَّا إذّا خّلا بّعًضٍهٍمً إلّى بّعًضُ قّالوٍا أّتٍحّدٌَثٍونّهٍم بٌّما فّتّحّ پلَّهٍ عّلّيًكٍمً ليٌٍحّاجٍَوكٍم بهٌٌ عٌندّ رّبَكٌٍمً أفّّلا تّعًقٌلوٍنّ﴾.

ومحاججة المؤمنني لهم أنهم يقولون لليهود: أنتم كنتم تحدثوننا عن هذا النبي قبل بعثته، وتتوعدوننا بالإيمان به، ومقاتلتنا معه، فكيف تكفرون بالنبي الذي كنتم تتوعدوننا، وقد ذكَّرهم الله تبارك وتعالى بأنه عالم بما يسرونه من صفات الرسول ﷺ وما يعلنونه من الكفر به، ﴿أّوّلا يّعًلّمٍونّ أّنَّ پلَّهّ يّعًلّمٍ مّا يٍسٌرٍَونّ مّا يعٍلًنٌوٍن﴾.

الصنف المحرِّف للتوراة من يهود: أخبرنا اللهُ أن كثيرا من اليهود أميُّون لا يعلمون الكتاب الذي بني أيديهم وهو التوراة إلا أماني، والمراد بالأماني القراءة، وهؤلاء لا أثر لهم ولا فعل في مسيرة اليهود، وكل ما في عقولهم ظنون وتخرصات، أمَّا الفريق الذي يستحقّ أن يوجه إليه الويل فهم الأحبار والزعماء والرؤساء الذين يقومون بتحريف كتابهم، فهم يكتبون الكتاب بأيديهم، ويقولون: هو من عند الله، ليحصلوا من وراء ذلك على ثمن قليل، يتمثل في الزعامة والرئاسة والأموال الزائلة ﴿مٌنًهٍمً أٍمٌَيٍَونّ لا يّعًلّمٍونّ پًكٌتّابّ إلا أّمّانٌيَّ إنً هٍمً إلاَّ يّظٍنٍَونّ فّوّيًلِ لٌَلَّذٌينّ يّكًتٍبٍونّ پًكٌتّابّ بٌأّيًدٌيهٌمً ثٍمَّ يّقٍولوٍنّ هّذّا مٌنً عٌندٌ پلَّهٌ ليٌّشًتّرٍوا بٌهٌ ثّمّنْا قّلٌيلاْْ﴾.

وقد تهدد الله هؤلاء بسبب ما كتبوه بأيديهم، وتهددهم بسبب ما يكسبونه من عرض الدنيا، ﴿فّوّيًلِ لَّهٍم مَمٌَّا كّتّبّتً أّيًدٌيهٌمً وّيًلِ لهٍَّم مٌَماَّ يّكًسٌبوٍنّ﴾.

والويل: العذاب الشديد الذي ينكل بمن وجه إليهم، وهذا الويل موجه لهؤلاء الذين اخترعوا هذه الكتب، ونسبوها إلى الله كذبا وافتراءً عليه، وويل لهؤلاء الذين قصدوا من وراء فعلهم عرض الدنيا الزائل. وإذا كان هذا هو حال اليهود عوامهم وعلمائهم؛ فهم لا يصلحون لأن يكونوا مصدراً للهداية ولا مصدراً للتأسي بهم، وقد حذَّر حبر هذه الأمة عبدالله بن عباس المسلمين من اللجوء إلى أهل الكتاب، وسؤالهم عما أشكل عليهم، فقال: «يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء؟ وكتابكم الذي أنزل الله على نبيه أحدث أخبار الله، تقرؤونه محضاً لم يشب، وقد حدثكم الله تعالى أن أهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله وغيّروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله، ليشتروا به ثمناً قليلاً، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ولا والله ما رأينا منهم أحدا قط، سألكم عن الذي أنزل إليكم » ابن كثير 1/ 307 .

ثالثاً: دعواهم زوراً وكذباً أنَّ نار الآخرة لا تمسهم إلا أياماً معدودة:

ومما غيّره اليهود وبدَّلوه ما زعموه أنهم يدخلون النار أياماً معدودة، ثمَّ نخلفهم فيها، ﴿قّالوٍا لّن تّمّسَّنّا پنَّارٍ إلاَّ أّيَّامْا مَّعًدٍودّةْ قٍلً أّتَّخّذًتٍمً عٌندّ پلَّهٌ عّهًدْا فّلّن يٍخًلٌفّ پلَّهٍ عّهًدّهٍ أّمً تّقٍولوٍنّ عّلّى پلَّهٌ مّا لا تّعًلّمٍونّ﴾، إن هذا الذي ادَّعاه اليهود قول باطل مفترى، وقد سأل الرسول ﷺ طائفة من اليهود بعد تسميمهم شاة أهدوها إليه مصلية في خيبر، فقال لهم: «من أهل النار »؟ قالوا: نكون فيها يسيراً ثم تخلفونا فيها، فقال النبي: اخسؤوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدا »ً البخاري: 3169 .

وقد أمر الله رسوله ﷺ في تكذيبه بهذه الدعوى أن يقول لهم: ﴿قٍلً أّتَّخّذًتٍمً عٌندّ پلَّهٌ عّهًدْا فّلنّ يخًٍلفٌّ پلَهٍّ عّهًدّهٍ أمًّ تّقٍولوٍنّ عّلىّ پلَهٌّ مّا لا تّعًلمٍّونّ﴾.

فكأنه قال لهم: أنتم بين أمرين؛ الأول: أنكم اتخذتم عند الله عهداً بألا تصيبكم النار إلا أياما معدودات، فإن كان الأمر كذلك، فأين هذا العهد؟ فإن لم يكن هناك عهد، فالأمر شقشقة لسان، وواقع الأمر أنكم تكذبون على الله، وتقولون عليه ما لا تعلمون.

الأمر الثاني: تحديد أصحاب الجنَّة وأصحاب النار؛ بعد أن أكذب الله تعالى اليهود في دعواهم أنَّ النار لا تمسُّهم إلا أياما معدودات، حدد كلاً من أصحاب النار وأصحاب الجنة في قوله: ﴿بّلّى مّن كّسّبّ سّيٌَئّةْْ أّحّاطّتً بٌهٌ خّطٌيئّتٍهٍ فّأٍوًلّئٌكّ أّصًحّابٍ پنَّارٌ هٍمً فٌيهّا خّالٌدٍونّ الَّذٌينّ آمّنٍوا عّمٌلٍوا پصَّالٌحّاتٌ أوًٍلّئٌكّ أّصًحّابٍ پًجّنَّةٌ هٍمً فٌيهّا خّالدٌٍونّ﴾.

فأصحاب النار هم الذين سعوا إلى اكتساب السيئات، فالسيئة عندهم مغنم، فلذلك تراهم يبحثون عنها ويحوزونها، ومن ذلك تحصيل الأموال والمناصب بكل الطرق، ويعدّون ما حصلوه منها مكاسب وأرباحاً، وهم في سعيهم إلى اكتساب السيئات يغرقون فيها حتى تحيط بهم الخطايا من كل جانب، فهؤلاء هم أصحاب النار الخالدون فيها أحقابا،ً وأصحاب الجنة الخالدون فيها هم الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه من الله تعالى، وعملوا الصالحات من الواجبات والمستحبات المأمور بها في الكتاب والسُّّنة.

فقه الآيات وفوائدها

إذا أمعنت النظر في آيات هذا النص من القرآن؛ وجدت فيها ما يأتي من الفقه والفوائد:

-1 أنكر الله على طائفة من الصحابة طمعهم في إدخال اليهود في الإيمان، فاليهود فيهم من الفساد ما يصدُّهم عن دخول الإسلام، وقد مضى وقت طويل على نزول القرآن، وكان اليهود ولا يزالون أقل الناس إيمانا.ً

-2 حرَّف بعض علماء اليهود ورؤسائهم كتابهم التوراة عن علم وعقل وتعمد، ومن أعظم ما حرفوه أو غيَّروه ما بشَّر الله به من بعثة رسوله محمد ﷺ.

-3 بعض اليهود في عهد الرسالة أظهروا الإيمان برسولنا ﷺ، وذكروا أن كتابهم التوراة فيه البشارات به، وكانوا إذا خال بعضهم ببعض يتلاومون على تحديثهم المؤمنين بما في التوراة من مبشّرات بالرسول ﷺ، خشية أن يتخذها المؤمنون حجّة على اليهود في دعوتهم للإيمان.

-4 الله عالم السرِّ والعلن، ومن ذلك علمه بما يتناجى به اليهود في تلاومهم فيما بينهم إذا خلوا على النحو الذي أخبرنا الله به.

-5 بعض اليهود أميون، لا علم لهم بحقيقة دينهم، وكل علمهم بدينهم هو تلاوة كتابهم، أما الذين يستحقون اللوم والتوبيخ فهم أحبارهم وزعماؤهم المبدلون لدينهم الذين غيَّروا من دينهم ما يبقي لهم الزعامة والرئاسة، وكل ذلك عرض قليل ومتاع زائل.

-6 يزعم اليهود أنهم أصحاب الجنّة، وأن النار لا تمسهم إلا أياما معدودات، وهذا كذب منهم على الله عزَّ وجلَّ، ودليل كذبهم أنهم لا يوجد عندهم ما يدلُّ على أنَّ الله أعطاهم عهدا بهذا القول الذي افتروه.

-7 أصحاب النار الذين يسعون وراء اكتساب السيئات، وقد أكثروا من الخطايا حتى أحاطت بهم خطاياهم وذنوبهم، وهم في النار خالدون، وأصحاب الجنة الخالدون فيها هم المؤمنون الذين يعملون الصالحات.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2173

112

الثلاثاء 01-نوفمبر-2022

نظرات اقتصادية في سورة البقرة (6)

نشر في العدد 1331

75

الثلاثاء 22-ديسمبر-1998

المجتمع التربوي (العدد 1331)