العنوان دراسات في السيرة (الحلقة ٣٠ ) بدء الوحي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-1977
مشاهدات 82
نشر في العدد 334
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 25-يناير-1977
ولما بلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الأربعين من عمره -على أصح الأقوال- أوحى الله إليه. وكان ذلك في يوم الإثنين من شهر رمضان الفضيل، كما قال -صلى الله عليه وسلم- في حديث يرويه مسلم في صحيحه عن صوم يوم الإثنين:
«فيه ولدت، وفيه أنزل علي».
وبينما كان صلى الله عليه وسلم يفر مما كان عليه قومه من ظلم ووثنية وفساد في الأخلاق ويأوي إلى غار حراء يتعبد فيه، أكرمه الله بالنبوة وأرسل إليه روح القدس بالقرآن الكريم.
وعن بدء الوحي تحدثنا عائشة رضي الله عنها:
عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت:
"أول ما بدى به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤية إلا جاءته مثل فلق الصبح، فكان يأتي حراء فيتحنث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها حتى فِجئَهُ الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه فقال:
اقرأ.
فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم ارسلني فقال: اقرأ، فقلت:
ما أنا بقاري فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال -اقرأ باسم ربك الذي خلق- حتى بلغ- ما لم يعلم-.
فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال: زملوني زملوني
فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال: يا خديجة، مالي؟ وأخبرها الخبر وقال:
قد خشيت علي فقالت له: كلا ابشر، فو الله لا يخزيك الله أبدًا، أنك لتصل الرحم وتصدق الحديث، وتحمل الكل وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة وكان امرءا تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربي، فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: أي ابن عم، اسمع من أبن أخيك، فقال ورقة: ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم ما رأى فقال ورقة:
هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعًا أكون حيًا حين يخرجك قومك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم؟
فقال ورقة:
نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وأن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا.
ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنًا عدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال. فلما أوفي بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدى له جبريل فقال:
يا محمد، إنك رسول الله حقًا.
فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفي بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك (1)
وهناك رواية أخرى عن بدء الوحي يرويها ابن إسحاق عن عبيد بن عمير الليثي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
فجاءني جبريل، وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ، قال: قلت: ما أقرأ؟ قال فغتني به، حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني.
فقال: اقرأ، قال، قلت: ما أقرأ؟ قال: فغتني به، حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قال، قلت: ماذا أقرأ؟ قال: فغتني به، حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قال، فقلت: ماذا أقرأ؟ ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي.
فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: ١: ٥).
قال: فقرأتها ثم انتهى، فأنصرف عني، وهببت من نومي، فكأنما كتبت في قلبي كتابًا
قال، قال: فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتًا من السماء يقول يا محمد أنت رسول الله، وأنا جبريل قال: فرفعت رأسي إلى السماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول:
يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل قال: فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء، قال: فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته
كذلك، فما زلت واقفًا ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغوا أعلى مكة، ورجعوا إليها، وأنا واقف في مكاني ذلك ثم انصرف عني.. (۳).
ويتمسك عباد العقل برواية ابن إسحاق ظنًا منهم بأنها تلائم مذهبهم في تقديس العقل، وإخضاع حادث الوحي لمنطق العقل القاصر المحدود، والحقيقة خلاف ذلك لعدة أسباب:
- رواية ابن إسحاق تثبت بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد رأى جبريل في اليقظة بعد أن جاءه في نومه.
رأى الرسول صلى الله عليه وسلم جبريل بعينيه وهو صاف قدميه في أفق السماء، وما كان ينظر في ناحية من السماء إلا ويراه فيها وهو يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل.. فالرواية بهذا الشكل تتعارض مع المذهب العقلي.
2. والمحققون من علماء الحديث والسير لم يجدوا تعارضًا بين الروايتين:
قال ابن كثير:
«وهذا الذي ذكره عبيد بن عمير كما ذكرناه كالتوطئة لما جاء بعده من اليقظة كما تقدم من قول عائشة رضي الله عنها فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ويحتمل أن هذا المنام كان بعد ما رآه في اليقظة صبيحة ليلتئذ ويحتمل أنه كان بعده بمدة والله أعلم» (۳).
وقال السهيلي:
«وقد يمكن الجمع بين الحديثين بأن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل في المنام قبل أن يأتيه في اليقظة توطئة وتيسيرًا عليه ورفقًا به، لأن أمر النبوة عظيم، وعبؤها ثقيل، والبشر ضعيف» (٤).
وقال ابن حجر العسقلاني: قال شيخنا البلقيني وأسنده إلى ما ذكره ابن إسحاق عن عبيد بن عمير أنه وقع له في المنام نظير ما وقع له في اليقظة من الغط والأمر بالقراءة وغير ذلك.
قلت -ابن حجر-: ويؤيده أن رواية عبيد بن عمير إنما ذكرها عن منام تقدم بخلاف حديث عائشة فإنه كان في اليقظة (٥).
وقال مثل هذا: الزهري، والحافظ أبو نعيم الأصبهاني.
- ولو فرضنا أن هناك خلافًا بين الروايتين، فليس من الأمانة الإعراض عن حديث رواه الشيخان ووافقهما عليه جمهور المحدثين، والاعتماد على رواية ابن إسحاق وهي من مراسيل عبيد بن عمير الليثي.
فترة الوحي
روى البخاري في صحيحه بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه:
«بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه فرجعت فقلت:
زملوني، فأنزل الله تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (المدثر: ١: ٥). فحمي الوحي وتتابع» (٦).
الوحي وأنواعه
الوحي لغة: الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام والكلام الخفي وكل ما ألقيته إلى غيرك والوحي شرعا: «ما أنزله الله على أنبيائه، وعرفهم به من أنباء الغيب والشرائع».
هذا تعريف الوحي أما أنواعه
فلقد شملتها الآية الكريمة: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (الشورى: ٥١).
وعن عائشة رضي الله عنها: أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال: وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول «قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وأن جبينه ليتفصد عرقًا» (۷).
وجاءه الوحي مرة وفخذه إلى فخذ زید بن ثابت فثقلت عليه حتى كادت ترضها.
وينزل عليه الوحي أحيانًا حتى أن راحلته لتبرك به على الأرض إذا كان راكبًا.
ومنها أن جبريل كان ينفث في روع الرسول صلى الله عليه وسلم الكلام نفثًا.
وقد مر معنا في حديث عائشة أن أول مراتب النبوة الرؤية الصالحة في النوم.
وعندما كان الوحي ينزل في صورة رجل، كان يأتي غالبًا في صورة «دحية الكلبي» (۸). ويراه الحاضرون ويسمعون قوله وذلك كما في حديث جبريل المشهور في السؤال عن الإيمان والإسلام والإحسان، وهذا الحديث رواه الشيخان وغيرهما وكان الله سبحانه وتعالي يكلم أنبياءه من وراء حجاب ومن غير واسطة، كتكليمه موسى عليه السلام، ولنبينا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج وفي المنام.
المصادر
- حديث عائشة رواه الشيخان في صحيحهما، واللفظ للبخاري.
- سيرة ابن هشام: 1 / 236 مطبعة البابي الحلبي.
- البداية والنهاية: 3/ 13
- الروض الأنف: السهيلي 2/ 392
- فتح الباري بشرح صحيح البخاري: ابن حجر 9/ 16
- صحيح البخاري تفسير سورة المدثر.
- صحيح البخاري: كيف كان بدء الوحي؟ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: 1/ 20
- دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة صحابي كان إذا دخل المدينة لم تبق معصر إلا خرجت تنظر إليه لفرط جماله.
- الناموس: هو صاحب سر الخير عكس الجاسوس الذي هو صاحب سر الشر، والمقصود به هنا جبريل عليه السلام.
- نمط من ديباج: ضرب من الثياب أو البسط أو ستر له خمل.