; الصحابة وأصول الدين المنهج والممارسة | مجلة المجتمع

العنوان الصحابة وأصول الدين المنهج والممارسة

الكاتب أبو اليزيد العجمي

تاريخ النشر السبت 06-يونيو-2009

مشاهدات 58

نشر في العدد 1855

نشر في الصفحة 48

السبت 06-يونيو-2009

  • معايشة الصحابة للقرآن الكريم سماعا وحفظا وممارسة وفهمهم للإرشادات النبوية شكل ملامح منهجهم القويم.
  • الصحابة معلم بشري خالد وقدوة للشباب الباحث عن الحق ونموذج عملي لمنهج القرآن والسنة.
  • الجهاد لم يشغل الصحابة عن التدبر والفهم العميق للإسلام فانصرفوا عن الجدل واهتموا بالأعمال.
  • ينبغي علينا أن نتحدث في أمور العقيدة فهمًا وبيانًا دون أن نلج في الجدل والغموض كما حدث في العصور السابقة.  
نستعرض في هذه السطور نموذجا من المسلمين أدركوا قيمة العقيدة في الحياة بكل مجالاتها، باعتبارها موجها للسلوك الإنساني الذي تتوقف صحته أو فساده على معتقد صاحبه.

هذا النموذج اعتقد فوعى، وعمل فأصاب، وعمر الدنيا، ونشر الإسلام مستفرغا جهده في العمل، ومجنبا نفسه مزالق الجدل الذي لا طائل تحته.

ولذا استحق هذا النموذج أن يمتدحه القرآن الكريم مسجلا وصفه في الكتب السابقة

﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح:٢٩).

واستحق هذا النموذج أن يمتدح من رسول الله ﷺ بقوله: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم... ولذا كان الصحابة معلما من معالم البشرية الواعية نهديه إلى الغارقين في الجدل العقيم في مسائل لا تنتج عملاً، ظنا منهم أنهم بذلك يخدمون العقيدة الإسلامية، وتهديه إلى شبابنا الباحثين عن الحق والمتحمسين لخدمة دينهم وأوطانهم، فالاقتداء بالصحابة رضوان الله عليهم مبعثه أنهم مثال عملي لمنهج القرآن والسنة.

وحق للإمام أحمد بن حنبل أن يقول في رسالة عِيدُوس بن مالك: «أصول السنة التمسك بما كان عليه أصحاب النبي .. «فتاوى ابن تيمية ١٥٥/٤ ، طبقات الحنابلة «٢٤١/١»

ويقرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هناك اتفاقا بين أهل السنة والجماعة من جميع الطرق على أن خير القرون من ذكرهم النبي ، وأنهم أفضل من الخلق في كل فضيلة من علم وعمل، وإيمان وعقل ودين وبيان كما قال عبد الله بن مسعود رساله : «من كان منكم مستنا فليستن بما قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، وأولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا ، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بدينهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. وما أحسن ما قاله الشافعي و في رسالته : هم فوقنا في كل علم أو عقل ودين، وفضل وكل سبب ينال به علم أو يدرك به هدى ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا» «الفتاوى: ١٥٧/٥ – ١٥٩ ».

ولكي يكون الكلام عن الصحابة الكرام عمليا، ويمكن أن يفيد منه المسلمون نرى من الضرورة أن نشير بإيجاز إلى: ۱ – منهجهم الذي حددوا أسسه  وخطواته.

۲ – وممارستهم لبيان وجه الحق في مسائل عقدية وفق منهجهم.

أسس المنهج ونتائجه

لقد سعد الصحابة رضوان الله عليهم بصحبة النبي ، وعاشوا نزول القرآن الكريم، وهم عرب وبهم فطنة وذكاء، ففهموا من القرآن الكريم ومن سنة النبي ﷺ ما جعلهم يختطون لأنفسهم منهجا مصدره القرآن والسنة.

لقد رأوا القرآن الكريم يتحدث عن كل قضايا العقيدة بمنهج يستحث الفطرة ويعطي للعقل فرصة اليقين بالنظر والتأمل فجاء الحديث عن التوحيد وهو أساس الإيمان بالخبر: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (1) (البقرة) والأمر بالتبليغ والتعليم: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ (الإخلاص)، وبالبرهان العقلي:﴿ لَوْ كَانَ فيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾ (الأنبياء : ٢٢).

﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ ﴾ (المؤمنون: ۹۱).

وبالدعوة إلى النظر فيما حول الناس: ﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾(2) (الطارق)،

﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ﴾ (عبس)

كما وجدوا القرآن الكريم وهو يحرك العقل والعاطفة في آن معا:﴿ يا أيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عظيم﴾ (الحج)، وغير هذا مما تميز به المنهج القرآني الذي يحتاج إلى دراسة مستقلة.

وكذلك وجد الصحابة في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وبيانه وحواره مع السائلين تعليمه العقيدة من خلال موقف كتعليمه لابن عباس رضي الله عنهما حين كان يردفه قائلا له: «يا غلام احفظ الله يحفظك ... إلخ... وبالرد على أسئلة السائلين كما جاء في البخاري عن عائشة أن النبي ﷺبعث رجلا في سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـه﴿ قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾

 فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: «سلوه: لأي شيء يصنع ذلك؟، فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي : أخبروه أن الله يحبه« فتح الباري ٣٤٧/١٢ ، طبعة دار الإفتاء»

وبإيجاز يمكننا القول: إن معايشة الصحابة للقرآن الكريم سماعا وحفظا وفهما و مدارسة، وأن فهمهم للإشارات النبوية في تأسيس العقيدة، كل هذا جعلهم يحددون منهجهم، وإن لم يتحدثوا عنه كنظرية، ولكن الدارس لتاريخ الصحابة ومواقفهم من خلال الممارسة والتطبيق يتضح أن ملامح منهجهم هي:

۱ – الإيمان بما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية من حديث عن وجود الله سبحانه وصفاته وأسمائه الحسنى من غير جدل ولا شقاق، ولا بحث فيما لا طائل تحته.

٢ – الإيمان بأن العقل، وإن منحه القرآن والسنة قدرا من المسؤولية في الوصول إلى اليقين عن طريق النظر والتأمل، فإنه لا يصلح وحده حكما في مسائل العقيدة بخاصة، وعليه، فإن العقل عليه أن يسترشد بالنقل، وأن يعمق فهمه بموافقته للشرع.

٣- الرد على من اضطرب فهمهم في بعض مسائل العقيدة، دون جدل يقسي القلب ويورث المراء في الدين لذا مارسوا الإجابة عن تساؤلات كثيرة وجمعت إجاباتهم بين النقل والعقل.

نتائج المنهج

ولقد كان لاتباع الصحابة رضوان الله عليهم هذا المنهج أثره فيما تميزوا به عن سائر المتكلمين في أمور العقيدة، وسار على نهجهم التابعون وتابعوهم، كما أفاد العلماء من هذا المنهج قديما وحديا، وبخاصة حين يغرق المسلمون في جدل يضر صفاء العقيدة أكثر مما ينفعها.

يقول المقريزي «توفي ٨٤٥ هـ»: ومن أمعن النظر في دواوين الحديث النبوي ووقف على الآثار السلفية علم أنه لم يرو قط من طريق صحيح ولا سقيم، عن أحد من الصحابة – رضي الله عنهم – على اختلاف طبقاتهم، وكثرة عددهم - أنه سأل رسول الله ﷺ عن معنى شيء مما وصف الرب - سبحانه – به نفسه الكريمة في القرآن الكريم، وعلى لسان نبيه محمد ، بل كلهم فهموا معنى ذلك، وسكتوا عن الكلام في الصفات... نعم .. ولا فرق أحد منهم بين كونها صفة ذات أو صفة فعل، وإنما أثبتوا له تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام، والوجود، والإنعام والعز والعظمة، وساقوا الكلام سوقا واحدا.

وهكذا أثبتوا – رضي الله عنهم – ما أطلقه الله سبحانه - على نفسه الكريمة من الوجه واليد ونحو ذلك، مع نفي مماثلة المخلوقين، فأثبتوا – رضي الله عنهم بلا تشبيه ونزهوا من غير تعطيل، ولم يتعرض مع ذلك أحد منهم إلى تأويل شيء من هذا، ورأوا بأجمعهم إجراء الصفات كما وردت ... ولم يكن عند أحد منهم ما يستدل به على وحدانية الله تعالى، وعلى إثبات نبوة محمد سوي كتاب الله تعالى، ولا عرف أحد منهم شيئاً من الطرق الكلامية، ولا مذهب الفلسفة« خطط المقريزي ٨١/٤ ضحى الإسلام «١۱/۲».

ولعل ما أشار إليه المقريزي من كون الصحابة قد استقوا معارفهم وأدلتهم من الكتاب والسنة، وفهموا العقائد ولم يسألوا رسول الله ﷺ سؤال المتحرين أقول: لعل هذا هو المنطق الذي يتلاءم مع ما ورد في فضل الصحابة من قرآن وسنة، وكله يشهد بعلو همتهم وسمو فضلهم، ورجاحة عقولهم كما يتلاءم مع رسالتهم التي أعدهم الله لها واختارهم من أجلها، فهم فهموا أصول الدين وعملوا بما فهموا وعلموا ما علموا، وفطنوا إلى خطورة الجدل على المسلمين، بل تنبأ بعضهم بأن ابتعاد الناس عن الفهم العميق للقرآن هو الذي سيجلب عليهم الاختلاف مع أن نبيهم واحد وكتابهم واحد.

أرسل عمر بن الخطاب مرقة إلى ابن عباس رضي الله عنهما يسأله – بعد أن تخيل هذا : كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد، وقبلتها واحدة، وكتابها واحد ؟ فأجاب ابن عباس يا أمير المؤمنين إنما أنزل علينا القرآن فقرأناه وعلمنا فيما أنزل، وأنه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن ولا يدرون فيما نزل فيكون لهم فيه رأي، فإذا كان كذلك اختلفوا فيكون لكل قول رأي، فإذا اختلفوا اقتتلوا الشاطبي:« الاعتصام ۱۰۷/۲، طبعة الشعب». .

•إذا ليس من الصواب أن نتهم منهج الصحابة في الفهم حين نجد بدعاً قد حدثت بعدهم وليس لهم فيها رأي، فضلا عن المشاركة فهم قوم عايشوا القرآن وفهموا منه، وجاهدوا في سبيل الله دون أن يقعدهم الجهاد عن الفقه الأكبر وهل نتصور أن أهل العصور التالية كانوا أكثر فهما للدين وأصوله من الصحابة؟ أو أنهم أفقه وأورع منهم، إن ذلك يعد قلبا للأوضاع وتبديلا لموازين القياس الصحيح إذ سجل التاريخ فضائل أعمال الجيل الأول بمثاليتهم في الفهم والتطبيق، فلم يشغلهم الجهاد عن التدبر والفهم العميق للإسلام بعقيدته وعبادته وأحكامه وكثرة الروايات عن الجهاد والأعمال الصالحة تنطوي في ذاتها على عمق الإدراك والوعي بالمسؤولية والرسالة والتحرك بها، فانصرفوا عن الجدال واهتموا بالأعمال» «د. مصطفى حلمي : منهج علماء الحديث ص٢٢»

الصحابة والحديث في قضايا العقيدة

لم يكن الصحابة رضوان الله عليهم بمعزل عن الحياة حولهم، وما يثار فيها من مسائل تحتاج إلى بيان وبخاصة إذا كانت هذه المسائل تتصل بالعقيدة أو العبادة وصحيح أن عصر الصحابة لم يشهد جدل الفرق في حدته وغلوّه، لكن عصرهم شهد على الأقل بدايات هذه الفرق التي انبعثت من حادثة التحكيم، كذلك لم يخل عصرهم من الذين يثيرون أموراً تحتاج إلى بيان الأمر الذي نهض له الصحابة مع رغبتهم الشديدة في تجنب الجدل ومنزلقاته، لذا أثر عنهم ما يؤكد ممارستهم لهذا البيان الضروري.

وحق للإمام أحمد بن حنبل أن يقول : « إنه ما من مسألة إلا وقد تكلم فيها الصحابة أو في نظيرها، فإنه لما فتحت البلاد وانتشر الإسلام حدثت جميع أجناس الأعمال فتكلموا فيها بالكتاب والسنة، وإن تكلم بعضهم في مسائل قليلة ابن تيمية معارج الوصول، ص ٤٣ ، المكتبة العلمية بالمدينة المنورة، «مصطفى حلمي: منهج علماء الحديث والسنة في أصول الدين، ص ٢٥ ط أولى، دار الدعوة بالإسكندرية».

وهذه بعض مآثر عن بعض الصحابة في هذا الصدد:

• عمر بن الخطاب رسالة يسأله يهودي فيقول: أرأيت قوله تعالى: ﴿ وسارعوا إلَى مَغْفِرَة مَن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ والأرض ﴾ (آل عمران : ۱۳۳) فأين النار؟

فقال عمر : أرأيت النهار إذا جاء الليل يملأ الأرض فأين الآخر؟

قال اليهودي: حيث شاء الله، فقال عمر رسالة : والنار حيث شاء الله فقال اليهودي والذي نفسي بيده يا أمير المؤمنين إنها لفي كتاب الله المنزل كما قلت يقصد التوراة» «الكاندهلوي: حياة الصحابة ۲۹/۲، ط ۲ دار القلم دمشق»

 وحين اضطرب فهم بعض المسلمين لصفة العلم الإلهي ومدى صلته بسلوك المكلفين طاعة أو معصية، حين حدث هذا بين عمر فهمه لهذا الأمر بإيجاز وواقعية تعيد الأمر إلى نصابه، يقول: «مثل علم الله فيكم كمثل السماء التي أظلتكم والأرض التي أقلتكم، فكما لا تستطيعون الخروج من السماء والأرض لا تستطيعون الخروج من علم الله، وكما لا تحملكم السماء والأرض على الذنوب، كذلك لا يحملكم علم الله على مأثم« مصطفى حلمي منهج علماء الحديث والسنة ص ٩».

•أما عبد الله بن عمر رسالة فقد مارس البيان في قضية لعلها من بواكير القضايا العقدية التي أثارها القدرية الأوائل.

فقد روى مسلم في صحيحه قال يحيى بن معمر : كان أول من قال بالقدر في البصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا : لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر . فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما داخلا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا أناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف، فقال: إذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم براء مني، والذي يحلف به عبدالله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر.

ثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب وذكر« حديث جبريل الذي جاء يعلم الناس دينهم»، وفيه : وتؤمنون بالقدر خيره وشره ابن الأثير : «جامع الأصول في أحاديث الرسول ٥٩/٢۰۸/۱ ط . ١٩٦٩م»

ولقد أثر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ما يؤكد الذي أشرنا إليه، ذلك أنه في عصره – وهو عصر بداية الفرق - أثيرت مسألة المشيئة الإلهية والمشيئة الإنسانية والعلاقة بينهما، إذ وجد من يعلق معاصيه على المشيئة الإلهية، كما وجد من يرى غير ذلك أي يجعل الأمر كله في نطاق مشيئة الإنسان، وبعيدا عن الحكم على هذين الاتجاهين، فإن الإمام علي تعرض بالرد والبيان اللازم في هذه المسألة، الذي يظهر حد الاعتدال في المسؤولية الإنسانية في ضوء المشيئة الإلهية المطلقة.

فحين قيل له: «إن هاهنا رجلاً يتكلم في المشيئة»، فقال له علي : يا عبدالله خلقك الله كما يشاء أو كما شئت؟

قال: كما شاء.

قال علي: فيمرضك إن شاء أو إذا شئت؟

قال : إذا شاء.

قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟

قال : إذا شاء.

قال: فيدخلك حيث شئت أو حيث شاء؟

قال : بل حيث يشاء.

فقال علي : والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك بالسيف «الكاندهلوي : حياة الصحابة ۲۹/۳»

 وفي السياق ذاته نجد للإمام علي بيانا فحين انصرف من «صفين» سأله سائل: أكان المسير بقضاء الله وقدره؟ فأجابه علي رضي الله عنه:« والذي خلق الحبة وأبرأ النسمة، ما هبطنا واديا، ولا علونا قلعة إلا بقضاء الله».

ثم بين الإمام علي و أن الإيمان بالقدر لا ينافي المسؤولية فقال للسائل: «لعلك تظن قضاء واجبا وقدرا حتما، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، ولما كانت تأتي من الله لائمة المذنب، ولا محمدة المحسن، ولا كان المحسن بثواب الإحسان أولى من المسيء بعقوبة المذنب ولا المسيء بعقوبة المذنب أولى من المحسن. إن الله تعالي أمر تخييرا، ونهى تحذيرا، ولم يكلف مجبرا ولا بعث الأنبياء عبثا «القاضي عبد الجبار فرق وطبقات المعتزلة، ص ٢٤، تحقيق« د.علي سامي النشار، وعصام الدين محمد دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية»

وبعد:

فهذه مجرد أمثلة تؤكد أن الصحابة رضوان الله عليهم طبقوا منهجهم في الإفادة من الكتاب والسنة في الوقوف عند دلالات النص الشرعي فيما يتصل بذات الله وصفاته، وغير هذا من مسائل العقيدة دون أن يهملوا إعمال العقل كما حث على ذلك القرآن والسنة مستخدمين هذا المنهج في البيان والتوجيه حين يقتضي الأمر هذا البيان.

وعليه، فإن الدرس الذي ينبغي علينا أن نستوعبه هو إمكانية أن نتحدث فهما وبيانا في أمور العقيدة دون أن نلج في الجدل أو أن نغرق في الغموض، كما حدث في عصور الجدل السابقة وكما يحدث الآن حين يحلو لبعض الناس بعث هذا الجدل التاريخي من جديد باسم الحفاظ على عقيدة السلف والحق أن عقيدة السلف هي التي تبنى منهجها الصحابة وتبعهم على ذلك التابعون وتابعوهم، وعلماء وفقهاء ومحدثون كالأئمة الأربعة والبخاري وابن خزيمة وغيرهم، مبينين للناس الصواب مبعدين إياهم عن الجدل العقيم الذي كانت الفرق قد جرت الناس إليه، فحولت أمر العقيدة من وضوح باعث على العمل، إلى جدل معقد يضر أكثر مما ينفع.

وصحيح أن بعض جدل الفرق كان موجها إلى بيان الشبهات التي أثارها اليهود والنصارى والزنادقة والملحدون، وهو أمر يُحمد لأصحابه، لكن انتشار الجدل بين الفرق نقله من هذه الدائرة المحمودة إلى دوائر شقت الصف، وأوغرت الصدور، الأمر الذي جعل علماء أهل السنة ينكرون على المتكلمين هذا الإغراق في الجدل بما اقتضاه من جنوح إلى فلسفات غير إسلامية، وبعد -بشكل أو بآخر - عن وضوح المنهج القرآني والنبوي.

فهل من عودة إلى هذا الوضوح وتطبيقاته كما جاء في منهج الصحابة ومن سار على نهجهم؟ أرجو ذلك، والله المستعان ..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل