العنوان مشروع العالمية الإسلامية
الكاتب د. فتحي يكن
تاريخ النشر السبت 01-يونيو-2002
مشاهدات 54
نشر في العدد 1503
نشر في الصفحة 66
السبت 01-يونيو-2002
لا شك أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر أيلول ۲۰۰۱م المفاجئة أحدثت هزة عنيفة وإرباكًا على امتداد الساحة الإسلامية، مما دفع بكثير من الإسلاميين بادئ ذي بدء إلى اعتبار ما جرى خيارًا لافتًا ونوعيًا في عملية ومنهجية التغيير الإسلامي، يمكن أن يعتمد ويحتذى حيث أسماه البعض: خيار التغيير من فوهة البندقية، إيمانًا منهم بوجوب وحتمية الأخذ بهذا الخيار دون سواه.
وبذلك أسقط هؤلاء من حسابهم كل خيارات التغيير الأخرى «الاجتماعية والسياسية والشعبية والدستورية» وغيرها.. وذهب البعض إلى اعتبار خيار ١١ سبتمبر أيلول من شأنه أن يختصر الطريق ويختزل.. الزمن ويحقق تقويض وإسقاط القوى المضادة، وبلوغ مواقع السلطة والقرار، بأدنى كلفة وأسرع وقت، ومن شاهق، كما قوضت الطائرات المدنية مركز التجارة العالمي في أقل من ساعة؟
في اعتقادي، أن ردود الفعل السريعة والعفوية التي طالت الساحة الإسلامية عقب وقوع الحدث مباشرة لم تستمر طويلًا على نفس المستوى والكيفية، حيث حلت محلها كثير من عناصر الواقعية والعقلانية، مما أعاد التوازن ودفع إلى دراسة وتمحيص الحدث في ضوء كل المكاسب، كما في ضوء كل الخسائر عاجلها واجلها.
قراءتنا للحدث:
بالنسبة إلينا في حركة لها مفهومها ومنهجيتها في العمل -وهي مبنية على ثوابت وقواعد وأصول مع شرعية، كما على السنن الإلهية- فقد تعاملنا مع الحدث بموضوعية ومسؤولية وفي ضوء تقويمنا البداية ونهايته، ونتائجه القريبة والبعيدة، الضارة والمفيدة، بعيدًا عن التفاعل العاطفي وردات الفعل الآنية العفوية.
نحن الإسلاميين مطالبون بقراءة الحدث كمنهجية مشروع متكامل المراحل والحلقات، لا كعمل انتقامي ردعي لا أكثر.
- هل يشكل هذا العمل مناخًا جيدًا لحركات التغيير الإسلامي في العالم، أم أن ضرره أكبر بكثير من نفعه، ويمكن أن يكون مدمرًا ومأساويًا؟
- هل يمتلك أصحاب هذا الخيار من الإمكانات والعلاقات ما يؤهلهم -في حال نجاحهم العسكري- للإمساك بقياد العالم، والبلوغ بمشروعهم مواقع السلطة والقرار في العالم الإسلامي؟
- هل يصح اعتبار الحدث مجرد «فشة خلق» وصفعة قوية وموجعة لقوة ظالمة باغية، وإن لم يلحق ذلك ويتبعه تغيير حقيقي وملموس في واقع النظام العالمي ومعادلاته؟
لا شك أننا ضد الدور القمعي المنحاز الذي تمارسه واشنطن مع الدول العربية والإسلامية كما مع دول العالم الثالث، ولكننا -كذلك وفي المقابل- لسنا مع ممارسات هوائية غير مدروسة وغير ناضجة، من شأنها أن تمنح الدور الأمريكي مزيدًا من القوة والمنعة، وتقدم له ذرائع ومبررات لسحقها لم يكن ليحلم لها؟
أمامي الآن مشروع كتاب جديد، مستقى من مئات الأسئلة والتساؤلات التي طرحتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر على الإسلاميين وعلى ساحة العمل الإسلامي، هو بمثابة دراسة موضوعية للمتغيرات القريبة والبعيدة التي ينتظر أن تشهدها هذه الساحة في أعقاب الأحداث المذكورة.
العولمة الأمريكية بعد 11 سبتمبر:
وثمة أمر آخر تجب ملاحظته لدى تناولنا لتداعيات الأحداث وهي أنها أعطت العولمة الأمريكية زخمًا قويًا، وفتحت أمامها أفاقًا جديدة، كترجمة لحالة الهلع والدفاع عن النفس التي انعكست على الإدارة والمؤسسات والحياة الأمريكية برمتها.
فعولمة الحرب التي كانت في الماضي ممهورة بطابع التوسع والهيمنة والاستعمار تلبس اليوم لبوس محاربة الإرهاب وتحقيق العدالة والإنسانية، وبذلك تختفي عن العلن الأهداف الحقيقية التي تحرص أمريكا على بلوغها سواء في حربها على أفغانستان، أو تحريكها للصراع الهندي الباكستاني، أو تأييدها ودعمها المطلق لسياسة المجرم السفاح شارون.
حيال هذه المتغيرات العالمية، وتحفز واجتياح العولمة الأمريكية للمواقع الاستراتيجية في القارات الخمس، مطلوب من العرب والمسلمين، كما من الدول الأوروبية ودول شرقي آسيا وإفريقيا أن تؤسس لإقامة قطبية أخرى تضارع القطبية الأمريكية، كي تكبح جماحها وتحد من جبروتها، وتحقق التوازن المطلوب في النظام العالمي.
إن العالم الإسلامي بما لديه من إمكانات ومواقع استراتيجية على كل صعيد يمكن أن يشكل أساسًا لقطبية حضارة قوية، كما أن الساحة الإسلامية يمكن أن تلعب دورًا فاعلًا في عملية الارتقاء بالمشروع العربي والإسلامي من حال التبعية والذيلية إلى واقع مثلي وندي متكافئ.
إن «العولمة الأمريكية الصهيونية» لا يمكن أن يتكافأ ويصمد بالمواجهة معها إلا «مشروع العالمية الإسلامية» على مستوى الأنظمة الإسلامية الرسمية، كما على مستوى المنظمات والتنظيمات الإسلامية الأهلية.
وكل ما عدا ذلك من مشاريع يبقى مشاريع أزقة وحارات وشوارع ومربعات فئوية لا ترقى إلى مستوى عالمية التحدي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل