العنوان محنة الحركة الإسلامية وضرورة الفهم العلمي لها
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-سبتمبر-1981
مشاهدات 175
نشر في العدد 543
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 15-سبتمبر-1981
المحنة الدموية والسياسية التي تمر بها الحركة الإسلامية في أكثر من قطر عربي وغير عربي هذه الأيام لا ينبغي أن تمر علينا دون أن نستفيد منها. الذي توضح حتى الآن أن التحديات الجوهرية التي تعرقل مسيرة الحركة اللإسلامية -في الأساس- هي تحديات مادية وليست فكرية ودينامية مُتطورة ومُتحركة وليست يابسة أو ثابتة.
نقصد أن أعداء الحركة الإسلامية الدوليين منهم والمحليين التقدميين منهم والرجعيين- قد استنفدوا كل أوراقهم في مواجهة ومقاومة الإسلام علي الصعيد الفكري في محاولاتهم المستمرة في تشكيكنا بجدوى الإسلام كمنهج قادر على انتشالنا من هزائمنا العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية، تلك المحاولات قد باءت- بحفظ الله لدينه وقدرته على خلقه وهيمنته على العالمين ومكره على أعدائه- بالفشل.
ولذلك ولأنهم فشلوا فشلًا ذريعًا في المواجهة والمُقاومة والتصدي الفكري للإسلام، فإنهم- وخاصة هذه الأيام في أكثر من قطر عربي وغير عربي- يركزون على الجانب المادي الواقعي من القضية. فالمواجهة والمقاومة والتصدي للإسلام لم تعد فكرية أو تربوية أو إعلامية أو نفسية، بل صارت مادية واقعية تهدف إلى عزل الدعاة عن تيار الحياة اليومية وبترهم سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا وفي التحليل النهائي قتلهم.
وهنا يكمن التحدي الجوهري والأساسي للحركة الإسلامية وفي هذه الساحة المحددة من التحدي يتقرر نجاح الحركة الإسلامية أو عدمه.
لم تعد الشعوب الإسلامية بسوادها تشك بضرورة العودة إلى الله وضرورة الالتزام بشريعة الله وشواهدنا على ذلك محسوسة وملموسة ومطردة وفي شكل يومي.
ولم يعد العدو- الدولي والمحلي- يشك في واقع انعطاف الجماهير الإسلامية نحو الله وظهور دينه.
لذلك لم يعد من ضمن أولويات مخططه مسألة الغزو الفكري الذي نشط في القرنين الماضيين.
يجب أن نعلم أن العدو في هذه المرحلة ليس بحاجة لتنشيط موجات غزوه الفكري، وذلك لسببين موضوعيين:
1- أن الغزو الفكري الغربي الذي نشط في القرنين الماضيين قد أثمر وأينع في صورة أنظمة سياسية تهيمن على مقدرات الأمة الإسلامية ولها علاقاتها الخاصة جدًّا بالغرب والشرق.
2- انحسار البعد العقائدي في الصراع الدولي وتركزه -اليوم- في اقتسام مناطق النفوذ التي تغطي الأحزمة الجغرافية والاستراتيجية للنفط والسكر والنحاس والمطاط والفحم والحديد واليورانيوم والذهب والماس والموز والأخشاب والحبوب والفوسفات والمياه والمضائق والمحيطات والجزر والتنافس في الصناعة الحربية.
- ضمن هذه المساحة المادية المباشرة يتركز الصراع الدولي الحالي وفي نطاقه تقوم الأنظمة السياسية وتسقط، وبصراحة نقول إن القوى الدولية اليوم والمحلية المتربصة بالإسلام ودعاته، لا يعنيها من قريب أو بعيد صلوات المسلمين في مساجدهم وصيامهم في رمضانهم وحجهم في حجهم، غير إنهم يرتجفون ويصيبهم الهلع عندما يفكر المسلمون بتغيير واقعهم السياسي وبالتحرك المادي والفعلي نحو تحقيق سيادتهم الفعلية على ثرواتهم الطبيعية وأراضيهم الشاسعة- وسواحلهم وبحارهم وجزرهم وجيوشهم وسلاحهم، تلك هي القصة.
- وعليه، وحيث إن الجانب الفكري للصراع قد بدأ يتقلص وينحسر للأسباب المذكورة، وحيث إن الجانب المادي للصراع قد بدأ يتوسع وينفرج للأسباب المذكورة فإن ذلك يستلزم من جانب الحركة الإسلامية- مواءمة منهج عملها مع المستجدات والتطورات الجذرية التي تشهدها الساحة الدولية والمحلية والارتقاء بمنهج العمل فيما يصبح بحجم المواجهة الفعلية واليومية التي تعيشها الحركة الإسلامية في أكثر من قطر عربي وغير عربي.
ولكي ترتقي الحركة الإسلامية بمنهج عملها بحيث تقف في خط متكافئ مع التطورات الجديدة والواقع الجديد في صراع القوى ينبغي -والله أعلم بالذي فيه خير- الإقدام على بعض الخطوات الأولية الجريئة.
على المستوى الفكري:
1- ينبغي أن تنتقل أدبيات الحركة الإسلامية من روح أو مرحلة الدفاع عن الإسلام وتشريعاته إلى روح ومرحلة الهجوم على الأوضاع القائمة في العالم الإسلامي والتي يكرسها الصراع الدولي. لا بد من فضح الأنظمة وفضح تشريعاتها وتعريتها وفضح إفلاسها السياسي والعسكري والاجتماعي والاقتصادي وعدم التورط في أي مهادنة معها تفرز تبلدًا في العمل الإسلامي يستفيد منه العدو.
2- حيث إن الحركة الإسلامية تدعو لإقامة الدولة الإسلامية فينبغي عليها أن تطرح برامجها في التحول الإسلامي وبرامجها العصرية في بناء الدولة الإسلامية المنشودة وتحديد المواقف من القضايا الراهنة وعلى كل الأصعدة، ووضع دستور إسلامي عصري يتوافق مع جدية وخطورة المرحلة الحالية من تطور الأمة الإسلامية.
3- الاهتمام بالثقافة الشعبية والتثقيف الشعبي المباشر ومحاولة التعامل بذكاء مع العقل العام والتقليل من الاعتماد على كتابات المثقفين والأكاديميين والمتخصصين واستقطاب القلم الشعبي والعرض الشعبي المباشر والصريح للقضايا.
على المستوى الحركي:
- إذا كانت الحركة الإسلامية تصم الأنظمة الحالية بأنها غير إسلامية ولا علاقة جدية لها بالإسلام، فإن ذلك يستلزم -انسجامًا مع عقائدية الحركة- المفاصلة مع الأنظمة ورفض الموالاة لها والانحياز انحيازًا تامًّا وصريحًا ويوميًّا لمصالح شعوب الأمة الإسلامية وبحارها وجزرها وجيوشها وحرياتها السياسية والعمل على تحقيق ذلك.
- هذه هي الحقيقة، كل الحقيقة، ولن نفهم المحنة فهمًا علميًّا إذا لم نستوعب الحقيقة، كل الحقيقة، والله أكبر، قاصم الجبابرة ونصير الضعفاء، وحسبنا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.