; مصر تواجه حرب المخدرات | مجلة المجتمع

العنوان مصر تواجه حرب المخدرات

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يونيو-1989

مشاهدات 67

نشر في العدد 919

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 06-يونيو-1989

 

ماذا يراد بمصر؟!. إلى أين تمضي تلك الحرب المحمومة لجر مصر بشبابها ورجالها ونسائها إلى مستنقع المخدرات العالمي؟!. من بالضبط له مصلحة في إهدار طاقات الشباب وتخريب جهودهم وإنهاك قواهم وتدمير مستقبلهم ومستقبل وطنهم وأمتهم؟. من يدفع بكل هذه الكميات الرهيبة من كل الأصناف والأنواع والاشكال والألوان؟. بدءًا من الحشيش والأفيون وانتهاء بالماكستون فورت والهيروين والكوكايين؟! لقد أعلن النائب العام أن مصر أصبحت هي الدولة الثانية على مستوى العالم في ظواهر انتشار المخدرات! بل إن الكميات التي ضبطت من المخدرات في الأسابيع الماضية فقط تعتبر أكبر كميات تم ضبطها في تاريخ مصر كله!!

 

وأمام البرلمان أعلن وزير العدل أن أجهزة مكافحة المخدرات ضبطت في الفترة الأخيرة فقط ما قيمته حوالي ۳۰۹ ملايين دولار وبلغ جملة ما دفعه المستهلكون حوالي 2.3 مليار جنيه مصري وأنه تم ضبط ١٤,٥٠٧ كيلوجرام من الحشيش في عام ۱۹۸۸، في حين أنه في الشهور الثلاثة الأولى من هذا العام (۱۹۸۹) بلغ المضبوط ۱۷۲۰۰ كيلوجرام من الحشيش.

 

وأعلن وزير العدل أن كميات الهيروين المضبوطة في الفترة الأخيرة هي أكبر من أي كمية تم ضبطها من قبل، وأن عودة الهيروين إلى سوق التجارة المحرمة في مصر منذ عام ١٩٨٠ كان من أخطر الظواهر، وأن عمليات التهريب يقف وراءها مافيا دولية تخطط لإغراق مصر بالمخدرات والسموم البيضاء!!

 

 ٤٠ مليار جنيه سنويًا:

إن الشعب المصري يتكلف حوالي ٤٠ مليار جنيه كل عام من أجل تجارة المخدرات والرقم جاء نتيجة بحوث اقتصادية متخصصة وضعت في اعتبارها تأثير المخدرات على قلة الإنتاج، فهل يتحمل اقتصاد دولة نامية مثل هذا الاستنزاف الرهيب، فضلًا عن مصر التي تعيش أزمة اقتصاد طاحنة وظروفًا مالية سيئة؟! وتصل المأساة ذروتها إذا علمنا أن الكميات المضبوطة من المخدرات هي جزء من عشرة أجزاء تتسرب فعلًا إلى داخل البلاد مما نتج عنه أن كثير من الأحياء والمناطق تباع فيها المخدرات علنًا، ولشد ما تدهش وأنت ترى طابورًا في أحد الشوارع أو الحارات يقف في انتظار دوره ليشتري تلك الأنواع من السموم القاتلة!

 

لقد انتشرت المخدرات في كل المستويات والطبقات، الأغنياء والفقراء الرجال والنساء الشباب والفتيات الصغار والكبار، أصحاب المستوى الثقافي العالي والأميين من الحرفيين والمهنيين... حتى كبار المسؤولين في الدولة ولاعبي كرة القدم والفنانين... ومنذ أيام قرأنا في الصحف الرسمية عن شخصية رسمية كبيرة سرقت ما قيمته ٢ مليون جنيه من الشقق والفيلات للإنفاق على إدمان المخدرات بل أن اللصوص المحترفين أصبحوا يستخدمون السموم البيضاء والهيروين في تخدير ضحاياهم ونهب بيوتهم وأموالهم واشتد سعار تجار المخدرات فامتدت أيديهم إلى الأسلحة تواجه بها ضباط الشرطة وجنودها.

 

وشهدت الأسابيع الأخيرة أكثر من حادث من هذا النوع، بما يعني أن مافيا المخدرات لن تستسلم بسهولة، وأن المسألة بالنسبة لها مسألة حياة أو موت... ويا ليت الأمر يقتصر على تلك الأنواع من المخدرات التي يمكن علاج المدمن منها دون مشاكل، ولكن أخطر ما في المشكلة أن الأنواع الجديدة التي تغرق المجتمع المصري حاليًا هي من الأنواع المميتة، فالهيرويين والكوكاكيين والكودايين من السموم التي لا يجدي معها العلاج بسهولة، خاصة وأن علاج هذه الأنواع يتكلف أموالًا باهظة، ونفقات طائلة... إن مدمن الهيروين يتحول إلى وحش كاسر لا خلق عنده ولا دين والمال عنده قبل كل شيء، وهو على استعداد كامل لقتل أمه أو أبيه أو أخوته في سبيل الحصول على المال اللازم لشراء ما يحتاجه من السم الأبيض... وصفحات الحوادث في الصحف اليومية تغص بأخبار هؤلاء والجرائم الغريبة التي يرتكبونها... لقد تمنت إحدى الأمهات الموت لابنها المدمن الذي كان يبتزها ماليًا ويهددها بتحويل أشقائه إلى مدمنين مثله.

 

 أسباب انتشار المخدرات

إن صورة الواقع الآن في مصر مفزعة، وحرب المخدرات تواجه الشباب من كل اتجاه وفي كل مكان، ومما يزيد من حجم هذه المأساة أن الأوضاع الاقتصادية تنذر بانهيار خطير، فالتضخم وصل إلى معدلات مخيفة والقدرة الشرائية للجنيه المصري وصلت إلى أدنى معدل لها، حتى أن قيمة الجنيه أمام الدولار قد انخفضت في العشر سنوات الأخيرة إلى أكثر من ٤٠٠% وأزمة الإسكان والمواصلات والغلاء الفاحش للأسعار، وفقدان الشباب الأمل في مستقبل واضح. كل ذلك ساهم في انتشار المخدرات. هذا بالإضافة إلى ظهور طبقة جديدة من منتصف السبعينات أثرت ثراءً ضخمًا دون رقابة جدية من الدولة، مما دفع بأبنائنا الذين يملكون المال دون مجهود إلى اللجوء إلى عالم الإدمان الرهيب!

 

ولكن ما هو الحل؟! كيف يمكن مواجهة هذه الحرب المحمومة التي تفتك بالأمم ورجالها وقواها بأشد ما يحدث في القتال، كيف نواجه- بفاعلية- هذه المافيا، التي نشطت بشدة خلال السنوات الأخيرة وعرضت أو ساهمت في تدهور الأوضاع الاقتصادية في مصر، أقوى وأكبر الدول العربية عددًا وحجمًا؟! كيف الخلاص إذن من هذا البلاء؟! إن استعراض دور أجهزة مكافحة المخدرات يوضح أن هناك خللًا في حجم هذه القوات بالنظر إلى حجم الكارثة التي تتعرض لها مصر الآن، ويجب أن يزاد عدد ضباط وجنود هذا الجهاز المواجهة هذه المشكلة مع تحصينهم من إمكانية وقوعهم في حبائل هذه المافيا اللعينة، ماديًا ومعنويًا ويكفي أن تعرف أن أحد الضباط، عرضت عليه المافيا مبلغ ٦٠٠ ألف جنيه في عملية واحدة بالإضافة إلى امتيازات أخرى ولكنه رفض فماذا عن الذين قبلوا عروضًا مماثلة!!

 

 تجار المخدرات وإقالة الوزير

لقد نجح اللواء أحمد رشدي وزير الداخلية السابق في القضاء على بؤر المخدرات في مصر ووضع هذه المشكلة في أولويات اهتماماته وبالفعل شهدت مصر فترة من فترات الهدوء النسبي في هذه التجارة ولم يستمر الأمر طويلًا، حتى إذا تمرد جنود الأمن المركزي في معسكراتهم بالقاهرة وعدد من المحافظات، قدم أحمد رشدي على أثرها استقالته من منصبه، وأشيع أن تجار المخدرات- الكبار- هم الذين دفعوا إلى قيام هذا التمرد وأفلحت خطتهم في إقالة الوزير.. وبالتالي عادت التجارة المحرمة إلى سابق عهدها، بل وأشد، وفي عهد الوزير الحالي لم يكن غريبًا أن تشاهد بيع المخدرات علنًا في الشوارع والطرقات وأمام البيوت وفي النوادي المشهورة، بل أن الأمر وصل إلى الدرجة التي اقتحم فيها رجال مكافحة المخدرات منزل أحد التجار المعروفين، فوجدوا ضابطًا من ضباط الشرطة ينام على سرير بجانب التاجر!!

 

 كان هذا أمرًا طبيعيًا بعد أن تراجع الاهتمام بمكافحة المخدرات من سلم الأولويات مرتبة متأخرة، ليحل محلها الأمن السياسي والمواجهات المستمرة مع الخصوم السياسيين وبخاصة الإسلاميون.. حتى ضج الجميع في كل موقع وعلى كل المستويات من هذا الوباء وطالب نواب الشعب بتوقيع أقصى العقوبة على كل من يثبت أنه يتاجر في المخدرات، وقدمت الحكومة إلى مجلس الشعب تعديلًا لقانون تجارة المخدرات طالبت فيه بتوقيع عقوبة الإعدام بدلًا من الأشغال الشاقة المؤبدة حتى يرتدع المتاجرون في مستقبل هذه الأمة. وقد وافق المجلس على التعديل المقترح كما أكد فضيلة شيخ الأزهر ومفتي الجمهورية تأييدهما للقانون.

 

 مواجهة حاسمة:

إن على الدولة أن تواجه بكل قوة مافيا المخدرات في الداخل والخارج وعليها أن تواجه بشجاعة كبار المسؤولين والشخصيات الحزبية الذين يتورطون في هذه الجريمة فأنا أعرف مثلًا أن شخصية رسمية كبيرة جدًا قد ورد اسمها في إحدى قضايا المخدرات باعتبارها صاحبة المصلحة الأولى وأعرف أن عضوًا بمجلس الشورى عن الحزب الوطني قد تم تفتيش بيته ثلاث مرات خلال شهر واحد بعد أن تم حل المجلس في أبريل الماضي أي بعد رفع الحصار عنه!! لا بد من الضرب على أيدي هؤلاء ولا بد من القصاص منهم بحجم الجريمة التي يرتكبها لا في الأشخاص فحسب، بل في مستقبل مصر ككل.

 

 بقي أن نقول إن جزءًا كبيرًا من المخدرات المضبوطة يصل إلى مصر عن طريق اليهود سواء مع أشخاص يأتون للسياحة ويروجون المخدرات أو عن طريق المنافذ البرية بين مصر والكيان الصهيوني، وعلى المسؤولين أن يدركوا إن لم يكونوا يدركون أن مصر مستهدفة وأن شبابها، وهم ثروتها الأولى، مستهدفون من قبل أعداء مصر، أعداء الإسلام والمسلمين وأن الواجب الأول في هذه الفترة هو حماية الشباب، أمل مصر في الحاضر والمستقبل.

 

اللهم احم مصر من هذا البلاء، وارفع عنها كيد أعدائك، وارحم أهلها مما يدبر لها إنك نعم المولى ونعم النصير... ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم...

الرابط المختصر :