العنوان المواقف الأمريكية وقضايا الوطن العربي
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يوليو-1990
مشاهدات 80
نشر في العدد 973
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 10-يوليو-1990
الإدارة الأمريكية والعجز العربي
تمكنت الإدارة الأمريكية في مطلع الشهر الجاري من تحويل اتجاه الأمم
المتحدة إلى دائرة العجز والجمود، بعد استخدام ممثلها في مجلس الأمن الدولي لحق
النقض «فيتو» بشأن مشروع القرار الرامي لإرسال لجنة لتقصي الحقائق في الأراضي
العربية المحتلة في أعقاب حادثة اغتيال وجرح أكثر من 28 عاملًا فلسطينيًا في أحد
ضواحي تل أبيب... على الرغم من الاستجابة الدولية التي صاحبت الحادثة، والمنطق
الحضاري والموضوعي في معرفة الحقيقة ميدانيًا داخل الأراضي العربية المحتلة إلا أن
الولايات المتحدة وإدارتها في البيت الأبيض آثرت صم آذانها وإغماض عيونها عن تلك
الوقائع مكتفية بالتحديق من خلال المنظار الصهيوني المنحرف ضاربة عرض الحائط
بالمصالح العربية والقيم الحضارية.
وموقف الولايات المتحدة في هذه الحادثة ليس بدعًا، وإنما هو حلقة في
سلسلة الانحياز الكامل للعدو الصهيوني وبالتالي إدارة الظهر كلية للحقائق والمصالح
العربية مما يخرج الولايات المتحدة من مربع الصداقة العربية بشكل سافر، ومع كل هذا
فإن الولايات المتحدة من جانب آخر تحظى باهتمام سياسي واقتصادي كبير لدى المجموعة
العربية والإسلامية. وهذا الاهتمام لا ينتهي إلى المساحة الدولية التي تشغلها
السياسة الأمريكية وإنما ينبثق من حالة توهم مستوطنة لدى العقلية العربية تحسبًا
لأرجحية المصالح معها وهو ما لا يتسق وتراكم المواقف الأمريكية وخاصة فيما يتعلق
بالقضايا المثيرة للجدل والخاضعة جزئيًا أو كليًا لتناقض المصالح الإستراتيجية.
وعلى ما يبدو وتبعًا لما حفظته لنا سجلات العلائق العربية الأمريكية فإن الولايات
المتحدة تقف سياستها الإستراتيجية ضد كثير من المصالح العربية العليا... خاصة تلك
التي تتصل بالتطلعات العليا في الاستقلالية والوحدة.
تطلعات
الأمة العربية التي تمتد جغرافيًا من المحيط إلى الخليج العربي تشكل
القلب النابض للعالم الإسلامي وتحتفظ بأكثرية التراث الإسلامي الفكري والثقافي
بالإضافة لاحتفاظها بالأراضي المقدسة، ومن جانب ثالث فهي تحوز أهمية إستراتيجية
عليا بهيمنتها على أهم المضائق المائية الدولية فضلًا عن أنها جسر المرور بين
الشرق والغرب... ونظرًا لتلك الامتيازات فإن الأطماع الدولية كانت ولا زالت تشكل
أهم مميزات تلك المنطقة، وقد تمكنت الحقبة الاستعمارية التي تمثل الحلقة الأخيرة
للحروب الصليبية من تفتيت العالم الإسلامي قاطبة وتقسيم الأمة من ثم إلى دويلات
غزتها وفقًا لثقافة اصطناعية بالروح الإقليمية حتى تشبعت وحتى أضحى الأصل هو
التجزئة والوحدة هي الطارئ وخلاف الأصل.. وبتقدم الزمن تجلت أهمية الوحدة العربية
غير أن تحقيق ذلك الحلم ظل حبيس اللعبة الدولية التي تقودها الولايات المتحدة
الأمريكية... فما من دعوة للوحدة أو خطوة جادة سلكت ذلك النهج إلا وتعرضت لقصف
مركز من قبل السياسة الأمريكية بل إن ملف الوحدة مليء بالتشوهات المزروعة من قبل
الأمريكان بدءًا بسلسلة الانقلابات العسكرية التي عملت على تفريغ الوحدة من
مضمونها العقدي والشعبي «انقلابات حسني الزعيم في سوريا، 23 يوليو في مصر، 17
نوفمبر في السودان، عبد الكريم قاسم في العراق» ومرورًا بالضغوط السياسية على
الأنظمة التي تتطلع للوحدة «اغتيال إبراهيم الحمدي في اليمن» وانتهاء بزعزعة
التوافق العربي وسياسات التقارب التي تشكلت في مجالس الاتحادات التي شهدتها
المنطقة العربية طيلة العقدين الأخيرين.
والولايات المتحدة وهي تحارب الوحدة العربية ترمي بذلك أساسًا إلى
تمديد تغييب دور الإسلام في الحياة وما يلزم ذلك من بروز قوة عالمية ضاربة ومحاربة
الوحدة إذن تأتي ضمن الحرب الضروس الموجهة ضد الإسلام أما نظرة السياسة الأمريكية
وسياستها تجاه التيارات التي تنادي علنًا بأسلمة الحياة في العالم الإسلامي، فإنها
أكثر قسوة من تلك الموجهة لتطلعات الوحدة، فالتيارات الإسلامية تمثل رأس الرمح في
استئناف الحضارة الإسلامية لدورها الرائد في العالم مما يخلق أوضاعًا تنم عن حضور
دولي يعرض الهيمنة الدولية التي تحظى بها الولايات المتحدة وحضارتها الغربية إلى
الزوال... ولذا فإن الإدارات الأمريكية على مختلف العصور تولى اهتمامًا واسعًا
بدراسة الوعي الإسلامي والتيارات الداعمة له، ولهذا أقامت المؤسسات الأمريكية في
الوطن العربي طلبًا لتحقيق التحسس العلمي من جانب، وخلق قيادات سياسية علمانية
تدعم الحضور الأمريكي في المؤسسات العربية.... ويتحمل ذلك الدور مراكز البحث
العلمي الأمريكية والمراكز الثقافية والجامعات الأمريكية وليس غريبًا أن تجد جيشًا
من المخابرات الأمريكية باسم البحث يعمل من أجل إخراج عدة دراسات مثل ميشيل
ريتشارد ورسالته التي ظل يحضرها في بضع سنوات عن الإخوان المسلمين أو الإيحاء لبعض
عملائهم في المنطقة لإخراج دراسات تشكك في الإسلام وفي التيارات الإسلامية كما
اضطلع بذلك أمثال د. منصور خالد وكتابه التشكيكي في الحركة الإسلامية في السودان
«الفجر الكاذب» وسعيد العشماوي وعبد العظيم رمضان وهيكل وحسن التهامي وغيرهم في
التشكيك في الحركة الإسلامية في مصر وعلى ذلك قس في دول المغرب العربي.
وأما التعرض الأمريكي المباشر للحركة الإسلامية فيتبدى ذلك في محاربة
التوجهات الإسلامية للدولة كما حدث مع جعفر نميري بالرغم من المصداقية الناقصة
عنده بل إن الإدارة الأمريكية تحارب كل مشروع يتطرق لتطبيق التشريع الإسلامي
«الحرب الأمريكية على السودان ودعوة حكوماته المختلفة لإلغاء القوانين الإسلامية». وفي هذا
المضمار يلاحظ الرصد الدائم لتوجيهات ضياء الحق التي انتهت باغتياله وتحركات الجيش
التركي واغتياله في السابق لعدنان مندريس وإسقاط الحكومات التي تتطلع لإلغاء
العلمانية، يدخل في هذا النطاق كذلك المحاربة للمؤسسات الاقتصادية الإسلامية-
شركات توظيف الأموال في مصر- ولعل التطلع الثالث الذي شغل حيزًا كبيرًا في الذهنية
العربية الإسلامية هو امتلاك التقدم الاقتصادي والتقني وهو ما يتعارض كليًا مع
سياسة التبعية الاقتصادية والسياسية التي تتبعها الاحتكارية الأمريكية بدءًا
بسياسة التعويم الاقتصادي لمنتجات المنطقة ورفض التغيير النوعي في السياسة
الإنتاجية وهي تنفذ سياستها بصورة مباشرة كما أنها تستخدم في ذلك المؤسسات الدولية
المالية لإحكام القبضة على الإنتاج العربي.
فالولايات المتحدة وتوابعها الدولية ترفض سياسة التنويع الزراعي في
مصر والسودان وتدعوهما لعدم زراعة القمح والشعير والذرة والسلع الغذائية في مقابل
الاهتمام بالقطن تبعًا لتقسيم العمل الدولي «لاحظ أن القطن أصبح سلعة بائرة
تجاريًا وهي دعوة لا تخفى مقاصدها الخبيثة والرامية لإحكام التبعية المزدوجة في
الاتجار وامتلاك القرار». وهكذا
فالأمريكان من باب أولى ضد تصنيع السلاح والاكتفاء الذاتي منه كما تذكر هنا ما تم
بشأن وأد الهيئة العربية لتصنيع السلاح ولا يخفى على القارئ الضجة الكبرى التي
أحدثتها الإدارة الأمريكية ضد العراق مؤخرًا عندما شعرت بامتلاك العراق السلاح
المزدوج الكيماوي... في الوقت الذي التزمت فيه الصمت على امتلاك دولة الكيان
الصهيوني للأسلحة الذرية. ويحسن بنا أن
نذكر هنا الجملة التقريرية التي صدرت عن الأوساط الإعلامية للبيت الأبيض بنهاية
عهد ريغان «إن الرئيس بوش سيتسلم شرق أوسط خاليًا من هيمنة الفكر «الأصولي»
الإسلامي والقومية العربية «الوحدة» وفي ذات الوقت لا يملك القدرة على استخدام
النفط كسلاح» هكذا يريدون الشرق الإسلامي!!
مواقف... ومواقف
أما موقف الإدارات الأمريكية من قضايا أمتنا فإنه نمط ثابت لا تكاد
التطورات الزمنية والبيئية ترتقي إليه وحتى إن طال بها الزمن كقضية فلسطين، فإن
الإدارات الأمريكية ظلت في مربع الانحياز الكامل لدولة العدوان الصهيوني بل وتدعم
مواقفها الانحيازية بإمداد دولة العدوان بالعتاد والتقنية والأموال فضلًا عن
التشجيع المستمر على ممارسة الظلم والتوسع في الأراضي العربية كما أنها تجند
حلفاءها من أجل دعم الكيان الصهيوني والتعامل معه على نحو النصرة والمعاضدة
الدائمة بغض النظر عن الأسس الموضوعية التي تكيف تلك السياسة وكما في موقف الإدارة
الأمريكية من قضية فلسطين فإنها تسلك ذات النهج في تعاملها مع قضية لبنان وتدخلها
المستمر في قضاياه وسعيها لتفتيت وحدته ينسحب ذات الموقف الأمريكي على السودان
ووحدة أراضيه حيث يلقى المتمرد جون قرنق دعمًا سياسيًا وعسكريًا كبيرًا من قبلها
استهدافًا لتطويق الإسلام والعروبة من جانب وتوسيعًا لمشروع التفتيت والتجزئة في
العالم العربي، وفي نفس الوقت تأتي مواقف الأمريكان من قضايا مساعي الفتنة
المسيحية في مصر. وفي مقابل تلك
المواقف الأمريكية العدوانية ظلت الدول العربية طويلًا وهي تتحرى إعادة صياغة
السياسة الأمريكية وفقًا للمصالح المتبادلة معها ولكن دونما جدوى والولايات
المتحدة تحظى عربيًا بأكبر استثمارات عربية وهناك أكثر من 400 مليار دولار تدور في
عجلة الاقتصاد الأمريكي كما أن الشركات الأمريكية المتعددة تعمل في الوطن العربي
وفي أكثر من مجال-البنوك، النفط، الملاحة، التأمين... إلخ، فضلًا عن أن السوق
العربي هو أكثر الأسواق العالمية انفتاحًا على المنتجات الصناعية الأمريكية خاصة
في مجال السلاح والطيران ومع كل ذلك فإن الأمريكان لا يقيمون وزنًا للمصالح
العربية اعتمادًا على المواقف الفردية التي تعالج بها الدول العربية القضايا
الهامة. فهلا انتبهنا لاختلال التوازن الأمريكي وتضامنت جهودنا من أجل سياسة عربية
موحدة تأخذ في حسبانها أهمية المصالح الأمريكية في المنطقة حتى يكون التعامل على
قاعدة الندية والتبادل المشترك للمصالح.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل