; التطورات الأخيرة بإندونيسيا | مجلة المجتمع

العنوان التطورات الأخيرة بإندونيسيا

الكاتب أبو محمد

تاريخ النشر الثلاثاء 21-مايو-1985

مشاهدات 64

نشر في العدد 718

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 21-مايو-1985

  • هل ستصبح البانتشاسيلا أساسًا لجميع الأحزاب والمنظمات؟
  • النصرانية دين جاء به الاستعمار الهولندي.
  • سوكارنو يبشر بولادة «بانتشاسيلا».
  • سوهارتو على خطى سوكارنو.

كنت توقعت وأكدت في تقريري المنشور في عدد ٦٩٥ من هذه المجلة أن مشاريع القوانين الخمسة الخاصة بالتنظيم السياسي في إندونيسيا ستحظى بالقبول في مجلس النواب الشعبي الإندونيسي. وقال الجنرال المتقاعد عبد الحارس ناسوتيون في رسالته «قرار النظام الجديد ١٩٦٦، تنفيذ دستور ١٩٤٥ محضا»، «حيث إن مجلس النواب الشعبي في الوقت الحاضر بمثابة مجرد جزء من نظام «التوطيد» الذي أقامته سلطة النظام الجديد، ففي الإمكان التأكد مسبقًا بأن مشاريع القوانين الخمسة المراد بها أعلاه سيصادق عليها مجلس النواب الشعبي مصادقة تهليليةبالإجماع».

فعلًا فقد تمت الموافقة والمصادقة بالإجماع على 4 مشاريع القوانين الخمسة هذه بعد «مناقشات بسيطة» وهذه القوانين الأربعةهي:

1 - الانتخابات العامة وعضوية مجلسي المشاورة والنواب الشعبيين.

٢ - التشكيل والوضعية لأعضاء مجلس المشاورة ومجلس النواب ومجلس النواب الإقليمي.

3 - الأحزاب السياسية وطائفة العمل «غولكار».

٤ - الاستفتاء.

ما بقي من مشاريع القوانين الخمسة هذه سوی واحد وهو ما يخص المنظمات الاجتماعية، بدأ مجلس النواب مواصلة جلسته في شهر نيسان الماضي، وتجري فيها مناقشات بصدده حتى أواخر شهر آيار هذا.

والمؤكد أن مشروع القانون هذا سيحظى أيضًا بالقبول وبالإجماع بغير أدنى شك. أهم ما جاء في القانون الجديد الخاص بالأحزاب السياسية وطائفة العمل ومشروع قانون المنظمات الاجتماعية هذا الذي تجري المناقشة الآن بصدده وحدة الأساس لجميع الأحزاب السياسية والمنظمات الاجتماعية وهي انتشاسيلا أي المبادئ الخمسة.

بانتشاسيلا

هي كلمة سنسكرتية الأصل معناها المبادئ الخمسة. كانت غير معروفة في إندونيسيا، أبدعها محمد يمين أحد الزعماء الوطنيين الإندونيسيين معاصر لسوكارنو. تبنى سوكارنو هذه الفكرة الفلسفية وقدمها في خطبته الشهيرة «ولادة بانتشاسيلا» في 1 حزیران ١٩٤٥ ناشد فيها سوكارنو أن تكون هذه الفكرة أساسًا للدولة الإندونيسية المتوقعة آنئذ. وفي ۲۲ حزيران ١٩٤٥ اجتمع زعماء إندونيسيا وهم تسعة أشخاص، سبعة منهم مسلمون والاثنان نصرانيان، واتفقوا وأجمعوا على ميثاق معروف باسم «ميثاق جاكرتا» وجاء فيه بخصوص أساس الدولة ما يلي:

«يترتب الاستقلال الوطني الإندونيسي في دستور للدولة الإندونيسية على شكل تشكيل دولة جمهورية إندونيسيا ذات السيادة الشعبية على أساس ألوهية الإله الواحد، مع:

1- وجوب تنفيذ شريعة الإسلام بالنسبة لمعتنقيه.

٢ - والإنسانية العادلة المتمدنة.

3- والوحدة الإندونيسية.

4- والشعبية بتوجيه الحكمة في المشاورةالنيابية.

5- وإيجاد العدالة الاجتماعية لعموم الشعب الإندونيسي. 

هذه الجملة هي المبادئ الخمسة أي «بانتشاسيلا».

بداية التصرف أو التحريف

بعد استقلال إندونيسيا في ١٧ آب ١٩٤٥ وبالضبط في ۱۸ آب ١٩٤٥ اتفق أعضاء اللجنة الوطنية لإعداد استقلال إندونيسيا على جعل «ميثاق جاكرتا» حرفًا بحرف مقدمة الدستور الدولة المعروف بدستور ١٩٤٥، ولكن بتصرف أو بعبارة أخرى تحريف وهو شطب أي إزالة «المسحة الإسلامية» الموجودة في الأصل وهي «مع وجوب تنفيذ شريعة الإسلام بالنسبة لمعتنقيه». وقد جرى ذلك بعد إقناع الزعماء المسلمين في اللجنة بأنه من الضروري إزالة هذه الجملة حفظًا لوحدة البلاد، وفضلًا عن ذلك فإن مبدأ ألوهية الإله الواحد مطابق للعقيدة الإسلامية وهو التوحيد.

وذكر الجنرال ناسوتيون في رسالته: «نبه الأخ سوكارنو في عدة خطبه، إنما بانتشاسيلا «المبادئ الخمسة» أساس الدولة وليس أساس أي حزب. ولكنه أكد أيضًا بأن يجب علينا الاحتفاظ ببانتشاسيلا أساسًا للدولة ما لا نريد انشقاق هذه الدولة. والحقيقة أنه قد بادر بتنظيم حياة الأحزاب السياسية وتبسيطها بغية تحسين إمكاناتها، ولكن النظام الجديد قد حول هذه المبادرة وأخذهاعدة خطوات أبعد مدى». 

نعم إن نظام الرئيس سوهارتو قد أخذها خطوات أبعد مدى. إذا كان الرئيس السابق سوكارنو أكد مرارًا بأن بانتشاسيلا أساس الدولة وفلسفتها، فإن نظام الرئيس سوهارتو يقول إن بانتشاسيلا ليس مجرد أساس الدولة وفلسفتها فقط بل هو نظام حياة الأمة الإندونيسية دولة وأمة واجتماعية منذ قديم الزمان. وأنكر بأن ولادة بانتشاسيلا في 1 حزیران ١٩٤٥ كما أنكر بأن مستخرج بانتشاسيلا سوكارنو، ومنع هذا النظام الاحتفال بولادة أو ظهور بانتشاسيلا الذي قامبهأنصار الرئيس السابق سوكارنو.

 لماذا أنكرواأن سوكارنو صاحب فكرة بانتشاسيلا؟ أولًا لأن وجود ارتباط بين سوكارنو وبانتشاسيلا يدل على أن بانتشاسيلا حديث العهد، ويتبين هذا الأمر من عنوان خطبته «ولادة بانتشاسيلا»، والولادة معناها أن لا وجود له من قبل. ثانيًا تلازمه بسوكارنو فيه مسحة إسلامية وبوجه خاص في معنى «الإله الواحد» حيث إن سوكارنو مسلم فتفسير «الإله الواحد» سيكون تفسيرًا إسلاميًا.

ديانة جديدة

فضلًا عن ذلك فجدير بالذكر أن هناك محاولات لجعل بانتشاسيلا ديانة من الديانات بإلصاقها مع العقيدة الروحانية المعروفة بالاعتقاد بألوهية الإله الواحد. ولكن الطريق إلى هذا لا يزال طويلًا. وفي هذا الصدد قام النصارى بتشجيع هذه الفكرة إذ ألف راهب هولندي في جاوا الغربية -وهو متستر وراء اسم رحمت سوباغيا- بتأليف كتاب عنوانه «الديانة الأصلية للأمة الإندونيسية» بغية إزالة الأمر المسلم بأن إندونيسيا مسلمة، والنصرانية دين جاء به الاستعمار الهولندي.

 أراد بهذا الكتاب إيجاد تصوير بأن الأديان الموجودة في إندونيسيا كلها أجنبية الأصل سوى الاعتقاد بألوهية الإله الواحد، وبما أن الفكرة السائدة المتبعة لدى أغلبية الحكام علمانية فإنهم يرون أن الأديان مجرد ثقافات فمثلًا الإسلام إنما هو ثقافة عربية، وكذلك الأديان الأخرى، ولكن الهدف الرئيسي هو الإسلام. من جانب آخر فقد أكد مرارًا الرئيس سوهارتو والوزير عالم شاه بأن ليس بانتشاسيلا دينًا. ولكن التلفزيون الإندونيسي منح في برامجه ركنًا أسبوعيًا لاتباع الاعتقاد بألوهية الإله الواحد، نفس الشيء الممنوح للأديان المعترف بها منذ زمان.

ماذا بعد؟

ستنتهي في أواخر شهر آيار ٨٥م المناقشات حول مشروع قانون المنظمات الاجتماعية، وستنتهي بقبوله بمصادقة تهليلية بالإجماع. 

وبه تكون مشاريع القوانين الخمسة الخاصة بالتنظيم السياسي قوانين سارية المفعول يجب اتباعها. وكل من عارضها وخالفها يعتبر خارجًا على القانون. أما الأحزاب الثلاثة قد أعلنت رسميًا بأن بانتشاسيلا الأساس الأوحد لكل منها. وكذلك سيكون مصير المنظمات الاجتماعية الواحدة بعد الأخرى. حتما إن هذه المنظمات الاجتماعية ستعلن رسميًا عاجلًا أم آجلًا بأن بانتشاسيلا هو الأساس الأوحد لكل منها. وأية منظمة تخالف أو أبدت معارضتها ستكون محظورة بغير أدنى شك. وقد أعلن في أواخر نيسان الماضي مجلس العمل للمؤتمر لجمعية الطلبة الجامعيين المسلمين «ها. ام. أي» قبوله مبدئيًا بانتشاسيلا الأساس الأوحد للمنظمة. وقد جرى هذا مع اعتراض شديد من أغلبية الأعضاء، إذ قاطع الجلسة ١٨ عضوًا من ٢٥ عضوًا.

وأما الأفراد كيف مصيرهم؟

مشروع قانون تعيين محل الإقامة الدائم أو بتعبير آخر المنفى.

في أوائل سنة ١٩٨٤ انتشرت بجاكرتا عاصمة إندونيسيا وخاصة بين أيدي أعضاء مجلس النواب الشعبي الإندونيسي صورة فوتوغرافية لمشروع قانون تعيين محل الإقامة الدائم، وبعبارة أخرى المنفى. نص هذاالمشروع حقًا لرئيس الدولة تعيين محل الإقامة الدائم لكل من يعتبره الرئيس عدوًا لبانتشاسيلا أو يسبب خطرًا على بانتشاسيلا.

ونشرت آنئذ الصحف والمجلات الإندونيسية هذا الخبر الفظيع، وتساءلت بعضها، كما نشرت مجلة تمبو آنئذ استنكار عضو من أعضاء مجلس النواب، هادلي هاسيبوان، وهو من حزب غولكار الموالي للحكومة، على هذا المشروع. غير أن الحكومة ورئاسة المجلس نفى وجود هذا المشروع. كيف انتشرت هذه الصورة؟ وكيف يجد دخان بغير نار؟ لعل انتشار الصورة الفوتوغرافية أو بتعبير أصح نشرها قد جرى بالعمد لجس النبض. وعلق على هذا الدكتور محمد ناصر في رسالته «غير معقول»، وقارن فيها مشروع القانون هذا بقانون المنفى في عهد الاستعمار الهولندي الذي أدى إلى إرسال كثير من الزعماء الإندونيسيين إلى منفى ومنهم سوكارنو وحتا، وتبين أن مشروع القانون هذا مطابق لقانون الاستعمار الهولندي بخصوص المنفى مع تصرف بسيط. هل سيقدم هذا المشروع قريبًا أي بعد أن صار رسميًا بأن بانتشاسيلا الأساس الأوحد لجميع الأحزاب والمنظمات أو بعد سلسلة المحاكمات الجارية الآن أهمها محاكمة المهندس الحاج محمد سنوسي زعيم من زعماء جمعية محمدية، وكان وزيرًا في أوائل عهد الرئيس الجنرال سوهارتو، ثم المحاكمة المتوقعة قريبًا على جنرال دارسونو، قائد فرقة سيليوانفي العسكرية سابقًا والأمين العام الأسبق لمنظمة أسیان.

الرابط المختصر :