; تأملات إسلامية: الخوف والحزن | مجلة المجتمع

العنوان تأملات إسلامية: الخوف والحزن

الكاتب محمد جابر سلطان

تاريخ النشر الثلاثاء 03-نوفمبر-1987

مشاهدات 70

نشر في العدد 841

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 03-نوفمبر-1987

تأملت قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ )فصلت: 30).

فعلمت أن قضيتي الخوف والحزن هما من القضايا التي تشغل بال الإنسان قديمًا وحديثًا، بل في اعتقادي أن هاتين القضيتين هما الأساسيتين في تصرفات وسلوكيات المجتمعات الإنسانية في كل زمان ومكان، وإن الدراسات القائمة اليوم حول علم النفس الإنساني في طيات عصرنا الحاضر قد أثبتت أن كل مشاكل الإنسان وهمومه وقضاياه ترجع في أساسها إلى هاتين القضيتين، فالحروب والكوارث والمحن والأزمات وعوامل القلق واليأس والانتحار بمختلف أنواعها، مرجعها في الأساس إلى قضية الخوف وقضية الحزن، ومتى سيطرت هاتان القضيتان على الإنسان وشغلت باله واتصلت بمجريات حياته؛ فإنه حتمًا سيصاب باليأس والانهيار والرغبة في التخلص من الحياة، ولا يوجد علاج لمواجهة هاتين القضيتين في حياة الإنسان إلا بالإيمان بالله، ذلك الإيمان القائم على معرفة الله بالاستقامة الحقة على منهاجه وشرعه القويم وصراطه المستقيم، فذلك هو السبيل الحق والعلاج الناجع لعوامل الطمأنينة، والأمن والأمان والثقة والبشارة والرضا والقبول لقدر الله في قضائه إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، وعبر كل ما يعترض الإنسان ويصيبه في حياته من نكبات وأزمات ومحن وكوارث، وتلك هي سنة الله في خلقه ولهذا بين الله سبحانه وتعالى أن سنته في خلقه تقتضي ذلك وأن عوارض الحياة وأزماتها ومصائبها لاحقة بالإنسان، ولا يستطيع مواجهتها إلا أولئك السائرون على منهاجه بالاستقامة والصبر والرضا بقدره سبحانه، ولهذا يقول سبحانه وتعالى في هذه الآية ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ )البقرة: 155-156).

وعندما يصل الإنسان إلى مثل هذه المرحلة من مراحل النفس السائرة على الاستقامة الحقة وعوامل الإيمان بالله، فإنه حتمًا سيواجه كل قضايا الحياة ومنها قضايا الخوف وقضايا الحزن بالبشارة والأمل والصبر والاستعانة والرضا بقضاء الله وقدره، وعلى هذا كله فإن قضايا الحياة والموت وقضايا ما بعد الموت لتشغل بال الإنسان وتعايش فكره وأحاسيسه ووجوهه، وهي ليست قضية سهلة وهينة بل إنها قضية تتعلق بمصير الإنسان وفنائه وقضية وجوده وعدمه، وقضية حرمانه من اللذات والشهوات والمتع الدنيوية وزينة الحياة الدنيا، وإن ترك هذه اللذات والشهوات والمتع ومفارقتها ليس بالأمر السهل والهين، وهي قضايا وأمور طالما تكمن في قرارة النفس الإنسانية فتتعايش حولها قضية الخوف والحزن.

أولها: الخوف من الموت وغموض الموت.. وسكرات الموت.. والخوف أيضًا من المصير فيما بعد الموت وأهواله.

وثانيها: الحزن على ما يتركه الإنسان وراءه فيما بعد الموت في هذه الدنيا من زوج وأولاد وأموال، لطالما سعى نحوها بالكدح والمكابرة والشقاء والعناء، وحقق فيها ما حقق من أحلام وطموحات خلال سنوات حياته وعمره، ليواجه في النهاية انتقاله لحياة أخرى ومرحلة أخرى من مراحل الغموض، والمستقبل غير الواضح والمعلوم.

ولكم أولئك الذين عايشوا الاستقامة على منهج الله والإيمان به.. ذلك الإيمان الذين أوثقهم به.. وغمر نفوسهم العالية المطمئنة الواثقة بالله، فإنهم لا يبالون ولا يهتمون بمثل هذه العوارض والقضايا وعوامل الحزن والخوف عندما يواجهون الموت.. ويغادرون الدنيا لأنهم تلقوا بشارة الله.. وبشارة ملائكته المنزلين عليهم بالاطمئنان والثقة واليقين من تلاشي الخوف من الموت وما بعد الموت؛ لأنهم حتمًا في عالم آخر من عوالم البرزخ حيث الروح والريحان والرضوان من الله.

ومن تلاشي الحزن على ما يخلفونه وما يتركونه وراءهم من أزواج وأموال وأولاد؛ لأنهم واثقون حتمًا من أنها ستكون بحفظ الله ورعايته، والذي لا تأخذه سنة ولا نوم بل يصرفها كيف يشاء ويضعها فيما يشاء.

أمثال هؤلاء الذين رضوا واطمأنوا ووثقوا بالله ربًّا وعايشوا الإيمان به بالاستقامة، لا يجد الخوف والحزن سبيلًا إلى نفوسهم العالية المطمئنة الواثقة.

أما غيرهم من أولئك الذين ضلوا في متاهات الظلمة والعصيان والجحود والكفر، والنكران عن منهج الله القويم وصراطه المستقيم وطريقته المستقيمة الواضحة، وأشغلوا حياتهم وأفنوا أعمارهم في الجري وراء شهواتهم ونزواتهم ومطالب الحياة الدنيا، وزينتها بالإفراط والتفريط، وأمنوا أنفسهم بالأمنيات العريضة والتمنيات الزائفة، فإنهم حتمًا سيواجهون الخوف وسيواجهون الحزن نتيجة عادلة.. وجزاءً وفاقًا لمرامي نفوسهم المريضة المنهارة القلقة البائسة والمتعلقة بحطام الدنيا وشهواتهم الفانية الزائلة.. مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ )النازعات: 37-41).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 466

94

الثلاثاء 22-يناير-1980

قضايا تربوية - مداخل الشيطان

نشر في العدد 831

111

الثلاثاء 25-أغسطس-1987

بريد القراء (عدد 831)

نشر في العدد 507

64

الثلاثاء 16-ديسمبر-1980

بين الإيثار وسلامة الصدر