العنوان موت الدماغ
الكاتب د. محمد علي البار
تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1987
مشاهدات 74
نشر في العدد 806
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 24-فبراير-1987
إن موت
الإنسان كموت أي كائن حي هو أمر طبيعي فرضه الله على كل نفس قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾
(آل عمران: 185).
ولم تكن
هناك صعوبات شتى في تشخيص الموت إلا فيما ندر، فملايين الملايين من البشر أتوا إلى
هذه الدنيا دون شهادة طبيب وغادروها دون الحاجة إلى معاينة طبيب وشهادته.
وفي العصور
الحديثة نتيجة لحصول بعض الأخطاء أوكل تحديد الحياة بدءًا ونهاية إلى الأطباء، ولم
يعد من المقبول دخول إنسان إلى الحياة دون إثبات وشهادة ميلاد يصدرها طبيب.. وكذلك
لا يسمح له بالمواراة في جوف الأرض ما لم يحصل على شهادة طبيب تثبت الوفاة.
وفي ذلك
خير كثير.. فلابد أن تكون الوفاة طبيعية وأن يشهد بذلك طبيب، وإلا فكم من جريمة قتل
بصورة من الصور «تسميم مثلًا وهو أمر كان شائعًا عند القدماء وخاصة لدى الطبقات الحاكمة»
يمكن أن تتم دون أن تكتشف إذا لم يكن هناك هذا الإجراء المتشدد؟ كما أن ذلك يحد من
الوقوع في خطأ تشخيص الوفاة بينما الشخص مغمى عليه وهو لا يزال حيًّا.
وكان تشخيص
الوفاة أمرًا غير عسير على الأطباء في الأغلبية الغالبة من الوفيات. فلابد أن يتوقف
القلب والدورة الدموية والتنفس وما يصحبها من علامات لإعلان الوفاة. وإذا شك الطبيب
في سبب الوفاة أحال ذلك إلى الطبيب الشرعي، أما إذا شك في بقاء الحياة استخدم وسائل
أخرى للتأكد من حصول الوفاة.
ومع التقدم
الطبي في العشرين عامًا الماضية بدأ استخدام أجهزة الإنعاش يتطور بسرعة مذهلة.. وأمكن
إيقاف القلب لعدة ساعات أثناء عمليات القلب المفتوح.. وأن يستبدل القلب والرئتان في
هذه المرحلة بمضخة فإذا ما تمت العملية أعاد الأطباء القلب إلى وظيفته السابقة، بعد
أن تعاد درجة حرارته بالتدريج (يثلج القلب أثناء العملية حتى يقل استهلاك الطاقة إلى
أدنى درجة).. كما تمكن الأطباء من إخراج القلب واستبداله بقلب إنسان أو قلب قرد أو
قلب صناعي. ولأول مرة في التاريخ تمكن الإنسان أن يعيش بدون قلب لعدة ساعات، وبقلب
إنسان آخر قد لاقى حتفه لعدة سنين وبقلب صناعي لعدة أشهر.
ولم يعد
مفهوم الموت مرتبطًا بالقلب في كثير من الحالات.. وخاصة الحالات التي يصاب فيها الدماغ
إصابات بالغة نتيجة الحوادث أو نزف داخلي في الدماغ أو وجود ورم بالدماغ.
ومع هذا
فإن مفهوم موت الدماغ لم يشكل في بريطانيا حتى عام ۱٩٨١ سوی ۸ بالألف من مجموع الوفيات. ولا يزال توقف
القلب والدورة الدموية هو الأساس في تشخيص 99.2 بالمئة من جميع الوفيات في بريطانيا.
ومثلها أو ما يقاربها في دول أوروبا والولايات المتحدة وكندا... إلخ.
موت الدماغ
أو جذع الدماغ
يموت الدماغ
إذا انقطع عنه الدم لمدة أربع دقائق.. ولذلك فإن موت القلب يتبعه موت الدماغ؛ ولهذا
فإنه إذا لم يمكن إنقاذ القلب وإعادته إلى العمل فإن الدماغ سيموت خلال أربع دقائق
من توقف عمل القلب.. وبالتالي يعتبر مثل ذلك الشخص في عداد الموتى.
ولكن المشكلة
تأتي حين يصاب الدماغ إصابات بالغة نتيجة الحوادث «سيارات، ارتطام، إطلاق نار... إلخ»،
أو نتيجة نزف في الدماغ أو نتيجة ورم بالدماغ.. وفي هذه الحالات قد يموت جذع الدماغ
وتقوم الأجهزة الحديثة بإنعاش القلب والتنفس وجعلهما يستمران في وظيفتهما.
وبما أن
جذع الدماغ هو المتحكم في جهازي التنفس والقلب والدورة الدموية؛ فإن توقف جذع الدماغ
وموته يؤدي لا محالة إلى توقف القلب والدورة الدموية والتنفس ولو بعد حين، وفي كثير
من الحالات عندما توضع أجهزة الإنعاش لا يكون الطبيب متيقنًا من أن جذع الدماغ قد مات،
حيث تتميز تلك الحالات بالإغماء التام وتوقف التنفس، وتحتاج إلى سرعة كبيرة لمحاولة
الإنقاذ. وبالتالي يبقى المصاب تحت المنفسة VENTILATOR.
ولكي يشخص
الطبيب موت جذع الدماغ لابد من عدة مواصفات نجملها فيما يلي:
1- الإغماء
الكامل وعدم الاستجابة لأي مؤثرات لتنبيه المصاب مهما كانت
وسائل التنبيه قوية ومؤلمة. ولو ظهرت من المصاب حركة ولو بسيطة أو صوت ولو حشرجة دل
ذلك على حياة المصاب ولا يمكن بالتالي إعلان موت الدماغ.
2-
عدم التنفس لمدة ثلاث دقائق «شروط مجموعة هارفارد» أو أربع دقائق
«مجموعة بینوسوتا» أو ۱۰ دقائق «المدرسة
البريطانية» بعد إبعاد المنفسة، ويشترط لإيقاف المنفسة أن يتنفس المصاب أوكسجين ٩٥
بالمئة مع ٥٪ ثاني أوكسيد الكربون لمدة 10 دقائق بواسطة مقطرة «CALTHETER» تدخل إلى القصبة الهوائية ويتم التنفس بواسطة المنفسة، وذلك يؤدي إلى رفع
ضغط ثاني أوكسيد الكربون في الدم إلى ٤٠ مم زئبق أو فوقها، وهو مسؤول عن تنبيه مركز
التنفس من جذع الدماغ.
فإذا لم
يتنفس المصاب بعد كل هذه التنبيهات لمركز التنفس في جذع الدماغ يعتبر ذلك دلالة قوية
على موت جذع الدماغ.
3- عدم
وجود الأفعال المنعكسة من جذع الدماغ وهي تتمثل في الاتي:
أ - عدم
حركة بؤبؤ العين للضوء الشديد.
ب - لا
يرمش المصاب رغم وضع قطعة من القطن على قرنية العين.
جـ - لا
تتحرك مقلة العين رغم إدخال ماء بارد في الأذن.
د - لا
يقطب المصاب جبينه رغم الضغط على الجبين بالإبهام.
هـ - عدم
التكعم أو الكحة عند لمس الحنك وباطن الخلق بملعقة.
4- عدم وجود
حركة الدمية عند تحريك الرأس NO DOLLING
إعادة فحص
وظائف الدماغ من فريق آخر بعد مرور عدة ساعات (6 ساعات المدرسة البريطانية- ٢٤ ساعة
مجموعة هارفارد).
5- لا يعتبر
رسم الدماغ أساسيًّا في تشخيص موت الدماغ، وإذا توافر كان
دليلًا إضافيًّا مفيدًا من الناحية القانونية وخاصة في الولايات المتحدة.
ولا تكفي
هذه الشروط لإعلان موت الدماغ بل لابد أن يكون توقف وظائف جذع الدماغ مصحوبًا بإصابة
باثوليجية وتشريحية وليس فقط إصابة وظيفية «فسيولوجية»، وهناك مجموعة من الإصابات الوظيفية
التي تؤدي إلى توقف جذع الدماغ وبالتالي إلى توقف التنفس مع وجود الإغماء وعدم وجود
الأفعال المنعكسة، ورغم هذا كله لا تعتبر هذه الأسباب كافية لإعلان موت الدماغ. ولابد
من إزالة الأسباب المؤقتة لتوقف وظيفة جذع الدماغ قبل إعلان موت الدماغ. وهذه الأسباب
المؤقتة أو الأسباب الوظيفية التي تؤدي إلى توقف وظائف جذع الدماغ تتمثل في الآتي:
1- العقاقير: وقائمتها طويلة جدًّا وتشمل الكحول والمنومات مثل الباربيتورات والمهدئات
مثل الفاليوم والليبيريم والمخدرات مثل المورفين والهروبين وأدوية الصرع مثل الفيناتوين
والأدوية المضادة للكآبة مثل التربتلين والمعقلات مثل الستيلازين والكلور بردمازين
والمسكنات مثل الأسبرين.
وقد يحدث
أن يتناول الشخص كمية من أحد هذه العقاقير أو ما يقاربها كوسيلة للانتحار؛ فيؤدي إلى
حدوث توقف وظائف جذع الدماغ.. ولهذا لابد من التريث في إعلان موت الدماغ في هذه الحالات
حتى يزول كل أثر من آثار العقار من الجسم، ويمكن أن يتبين ذلك بفحص الدم وفحص البول.
فإذا كان الدم خاليًا من العقار المتهم فإن ذلك يعني زوال تأثيره من الجسم ومن الدماغ
خلال بضع ساعات.
2-
برودة الجسم: كما يحدث في الجو القارس حيث
تحدث نوبة إغماء ويتوقف التنفس وتنخفض حرارة الجسم. ولابد في هذه الحالات من استمرار
أجهزة الإنعاش حتى يتم رفع حرارة الجسم إلى درجتها الطبيعية.. ولا يعلن موت الدماغ
إلا بعد ذلك.
٣ -
التسمم نتيجة الغازات السامة وغاز أول أوكسيد الكربون: قد يؤدي التسمم إلى توقف وظائف جذع الدماغ.. ولهذا لابد من إزالة السموم
من الجسم أولًا والاستمرار في الإنعاش، حتى يتضح أن تأثير المواد والغازات السامة قد
انتهى من الجسم ثم يمكن بعد ذلك إعلان موت الدماغ.
4-
نقص السكر أو زيادته في الدم: قد تؤدي إلى الغيبوبة التامة
وإلى توقف وظائف جذع الدماغ. ولابد من إعادة توازن السكر في الدم إلى وضعه الطبيعي
قبل إعلان موت الدماغ.
5-
زيادة البولينا في الدم: قد يؤدي فشل الكلى إلى الغيبوبة
التامة وإلى توقف وظائف جذع الدماغ. ولهذا لابد من خفض البولينا في الدم بواسطة الديلزة
«الكلى الصناعية» قبل إعلان موت الدماغ.
6-
نقص الهرمونات أو زيادتها في الدم: قد تؤدي إلى توقف وظائف جذع الدماغ مؤقتًا ولابد من إعادة هذه الهرمونات
إلى وضعها الطبيعي قبل إعلان موت الدماغ.
7-
حالات الغرق وتوقف القلب الفجائي التي يتم إنعاشها
بالوسائل الحديثة، وفي نفس الوقت يظهر للأطباء من الفحوصات الخاصة بجذع الدماغ أن هذا
الجذع قد توقف عن وظيفته مما أدى إلى الإغماء التام وتوقف التنفس.. وفي هذه الحالات
لا يتم إعلان موت جذع الدماغ إلا بعد رفع الأكسجين في الدم لفترة لا تقل عن 24 ساعة.
8-
الحالات التي أجري لها عمليات كبيرة في الدماغ مثل الأم
العنكبوتية HOEMORRHAGE
SUBARCHNORD أو وجود أم الدم ANEURYSM في الدماغ. وفي هذه الحالات
قد يحدث توقف لوظائف جذع الدماغ من إغماء تام وتوقف عن التنفس.. ولهذا لا يمكن إعلان
موت جذع الدماغ قبل مرور ٢٤ ساعة على الأقل.
9- أخماج «أنتانات»
ميكروبية «فيروسية وبكتيرية» تصيب جذع الدماغ بالإضافة
إلى إصابة مناطق أخرى من الدماغ وقد يؤدي ذلك إلى توقف لوظائف جذع الدماغ. ولابد في
هذه الحالات من الاستمرار في أجهزة الإنعاش رغم توقف وظائف جذع الدماغ، حتى يتبين بوضوح
وجلاء تام عدم وجود توقف وظيفي «فسيولوجي» مؤقت لجذع الدماغ. وأن هناك إصابة دائمة
نتيجة هذا الغزو الميكروبي.
10- في حالات الشك وخاصة
في الأطفال تجرى فحوص إضافية وهي:
أ - حقن
شرايين الدماغ الأربعة، فإذا لم توجد دورة دموية في الدماغ كان
ذلك دليلًا قاطعًا على موت الدماغ.
ب- إجراء الفحص السابق بواسطة
المواد المشعة RADIONUDIDE هذا الفحص سهولته النسبية وأنه
يمكن إجراؤه دون الحاجة لنقل المريض من غرفة الإنعاش إلى غرفة الأشعة.
إعلان الوفاة
وأجهزة الإنعاش:
عند ثبوت
تشخيص موت جذع الدماغ وعدم وجود أي من الأسباب المؤقتة لتوقف وظائف الجذع يكتب الأطباء
المختصون شهادة بوفاة ذلك الشخص.
أما بالنسبة
لأجهزة الإنعاش فإنها لا توقف إلا إذا كان المصاب أو ذووه قد وافقوا على التبرع بأعضائه..
وفي هذه الحالة تستمر أجهزة الإنعاش حتى تستمر الدورة الدموية وبالتالي تكون الأعضاء
التي ستنتزع في أفضل حالاتها.
وبما أن
القلب بالذات سريع التلف ولا فائدة من نقل قلب تالف إلى شخص آخر لإنقاذه، فإن الحاجة
تبدو واضحة لاستمرار أجهزة الإنعاش لبضع ساعات حتى يتم نزع القلب والأعضاء الأخرى المتبرع
بها وهي في حالة جيدة يمكن أن تعمل في شخص آخر.
في هذه
الحالات المحدودة يتم إعلان موت جذع الدماغ وبالتالي موت الشخص، بينما القلب لا يزال
ينبض والتنفس لا يزال يحدث وإن كان بواسطة الأجهزة.
وهذا هو
الذي جعل كثيرًا من الفقهاء ورجال القانون يترددون في إعلان الوفاة لمثل هذا الشخص.
ولكن إذا
اتضحت الصورة بجلاء وهو أن تشخيص جذع الدماغ يعني أساسًا توقف التنفس التلقائي توقفا
تامًّا لا رجعة فيه أدركنا أن الفروق الجوهرية محدودة جدًّا، وبالتالي يجعل تشخيص موت
الدماغ أو جذع الدماغ مقبولًا من الناحية الشرعية، إذا اتخذت كافة الاحتياطات اللازمة
في تشخيص جذع الدماغ كما أسلفنا وذلك بعدم تشخيص موت جذع الدماغ في الحالات التي تتوقف
فيها وظائف جذع الدماغ مؤقتًا. وبالتالي لا يمكن تشخيص موت جذع الدماغ إلا بعد التيقن
من توقف تام لا رجعة فيه لوظائف جذع الدماغ مع وجود إصابة مرضية «باثوليجية» وتشريحية.
ولا غضاضة
في استمرار أجهزة الإنعاش بعد إعلان الوفاة من أجل الحصول على أعضاء في حالة جيدة..
إذ إن الشخص قد مات فعلًا، وهذه التروية بأجهزة الإنعاش ليست إلا إحدى الوسائل المتعددة
التي تستخدم لحفظ الأعضاء في حالة تصلح للاستخدام، ومن المعلوم أن الأعضاء بعد انتزاعها
من الجثة تحفظ في سائل معين وفي درجة برودة معينة، ويمكن أن تبقى محفوظة لفترة من الزمن
كما يمكن نقلها بالطائرة من بلد إلى آخر. واستخدامها لإنقاذ شخص آخر يوشك أن يحتضر.
وعليه فإن
الاحتفاظ بهذه الأعضاء بواسطة أجهزة الإنعاش لبضع ساعات أمر لا غبار عليه ولا يغير
من حقيقة الوفاة شيئًا.