العنوان ملف العدد: بعد نصف قرن على استشهاده، ماذا قدم البنا؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1999
مشاهدات 70
نشر في العدد 1337
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 09-فبراير-1999
في مساء يوم ١٢ من فبراير عام ١٩٤٩م قام عملاء النظام الملكي المصري بالترصد للإمام حسن البنا لدى خروجه من المركز العام للشبان المسلمين بشارع الملكة نازلي (رمسيس حاليًا) بوسط القاهرة، واغتالوه تحت جنح الظلام، وحاول هو من جانبه أن يقاوم العدوان عليه بكل ما أوتي من قوة بعد إصابته بالأعيرة النارية، ولكنة قضاء الله -تعالى- كان قد سبق وفاضت روحه إلى بارئها، تشكو علم القائمين، وحظي بالاستشهاد في سبيل الدعوة والوطن والدين، وهو الذي طالما ألح في دعائه طوال حياته، أن يرزقه الله الموتة الشريفة، وقد استجاب الله لدعائه، واستحق أن يلقب بـ«الإمام الشهيد» فهو حي يرزق عند ربه إن شاء الله.
ماذا قدم البنا خلال حياته القصيرة التي لم تدم سوى (٤٣) عامًا؟ وما مشروعه الفكري للنهضة الإسلامية؟ وما التأثيرات التي حدثت والتفاعلات التي تمت في الواقع الإسلامي طوال نصف قرن على وفاته؟ هذا ما يرصده الملف الثاني عبر مشاركات بالرأي والتحليل والحوار والتقرير، شارك فيها كل من: الأساتذة مصطفى مشهور، ود. محمد عمارة، ود. فتحي يكن، وأحمد سيف الإسلام البنا، وعلى صدر الدين البيانوني، وغيرهم.
مصطفى مشهور: البنا كما عرفته.
سيف الإسلام: جوانب جديدة في حياة والدي.
د. محمد عمارة: مشروع إسلامي للنهضة.
د. فتحي يكن: قراءة في المنهجية.
د. حامد ربيع ولقاؤه الوحيد مع البنا.
وثيقة نادرة: «الورد الوطني» لمواجهة الاستعمار.
خمسون عامًا على استشهاد حسن البنا.
مشروع إسلامي للنهضة الحضارية.
بقلم: د. محمد عمارة:
الإنجاز التاريخي للبنا يتمثل في الانتقال بأسس المشروع الحضاري من إطار الصفوة إلى إطار الجماهير.
كان رفض التغريب في مشروع البنا رفضًا للتقليد والتبعية، ولم يكن أبدًا دعوة للعزلة والانغلاق.
دعا إلى التجديد في مواجهة التخلف الموروث، وطالب بالتمييز بين الدين الثابت، والفكر المتغير والممارسات البشرية.
نادى بالاستقلال السياسي الذي يحقق سيادة الأمة، والاستقلال الاقتصادي في الثروة والمال على مستوى الدولة والأفراد؛ لأنه ينقذنا من التحكم الغربي في التصدير والاستيراد.
على امتداد أوطان الأمة الإسلامية من «غانة» إلى «فرغانة» ومن «حوض نهر الفولجا» إلى جنوب «خط الاستواء» بل وفي مواطن الأقليات الإسلامية خارج دار الإسلام، إذا نظر الباحث المنصف إلى ظواهر وحركات ومشروعات البعث والنهضة والتغيير والإصلاح فسيجد ظاهرة الصحوة الإسلامية، ومشروعها الحضاري أقوى وأخطر وأكبر وأعمق ظواهر ومشاريع العصر الذي نعيش فيه، يستوي في ذلك التقييم الباحثون المؤيدون، أو المعارضون لهذا المشروع.
والحقيقة الثانية التي لن تجد عليها خلافًا بين الباحثين، ولا بين حركات وتيارات هذه الصحوة الإسلامية هي الأبوة والإمامة والريادة التي يمثلها الإمام الشهيد حسن البنا (١٣٢٤ - ١٣٦٨ هـ ١٩٠٦ - ١٩٤٩م) بالنسبة لهذه الظاهرة الكبرى التي تمثل أمل النهضة لدى الإسلاميين والقلق المخيف لأعداء الإسلاميين.
أما الحقيقة الثالثة في هذا المقام، فهي أن أبوة وإمامة وريادة حسن البنا لهذا الإحياء الإسلامي المعاصر، إنما تمثل الحلقة المعاصرة في سلسلة الإحياء الإسلامي الحديث، إنها مرحلة متميزة في «الكم» و«الكيف» ولكنها امتداد متطور لمرحلة «النشأة» و«التبلور» التي تمثلت في حركة «الجامعة الإسلامية» التي ارتاد ميدانها، ورفع أعلامها جمال الدين الأفغاني (١٣٥٤ - ١٣١٤هـ ١٨٣٨ - ۱۸۹۷م)، والتي كان الإمام محمد عبده (١٣٦٦ - ١٣٢٣هـ - ١٨٤٩ - ١٩٠٥م) مهندس تجديدها الفكري، كما مثل الشيخ محمد رشيد رضا (١٢٨٢ - ١٣٥٤هـ ١٨٦٥ - ١٩٣٥م) الامتداد الذي أسلم أمانتها إلى حسن البنا الذي انتقل بها إلى هذا الكيف المعاصر الذي تعيش فيه.
لقد بدأ المشروع الحضاري الإسلامي على يد الأفغاني حركة تجديد واجتهاد، تستهدف تحرير العقل المسلم ليواجه ويتجاوز التخلف، وليتمكن من مواجهة التحدي الحضاري الغربي الذي اقتحم حياتنا الفكرية وواقعنا الإسلامي في ركاب الغزوة الاستعمارية الحديثة، وبعبارة محمد عبده: «فلقد وجه الأفغاني عنايته لحل عقد الأوهام عن قوائم العقول»، أما مقصده السياسي: «فهو إنهاض دولة إسلامية من ضعفها، وتنبيهها للقيام على شؤونها، حتى تلحق الأمة بالأمم العزيزة، والدولة بالدول القوية، فيعود للإسلام شأنه وللدين الحنيفي مجده» (1).
وفي هذا المشروع الحضاري «رابط» محمد عبده على «ثغرة الفكر» وجاهد في ميدانها جهادًا عظيمًا، حتى جعله اجتهاده مهندس هذا المشروع، وبعبارته هو التي يتحدث فيها عن «الثغرة الفكرية» التي «رابط» عليها مجددًا ومجاهدًا يقول: «لقد ارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين:
الأول: تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة، قبل ظهور الخلاف والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، واعتباره من ضمن موازين العقل البشري التي وضعها الله لترده عن شططه، ولتتم حكمة الله في حفظ نظام العالم الإنساني، وأنه على هذا الوجه يعد صديقًا للعلم، باعثًا على البحث في أسرار الكون، داعيًا إلى احترام الحقائق الثابتة، مطالبًا بالتعويل عليها في أدب النفس وإصلاح العمل، كل هذا أعده أمرًا واحدًا، وقد خالفت في الدعوة إليه رأي الفئتين العظيمتين اللتين يتركب منهما جسم الأمة طلاب علوم الدين ومن على شاكلتهم، وطلاب فنون هذا العصر ومن هو في ناحيتهم.
أما الأمر الثاني: فهو إصلاح أساليب اللغة العربية في التحرير (٢):
وعلى امتداد ما يقرب من أربعين عامًا (١٣١٥هـ، ١٨٩٨م- ١٣٥٤هـ ١٩٣٥م) كانت مدرسة «المنار» التي قادها رشيد رضا هي ترجمان هذا التيار، الذي وضع الأسس والمعالم للمشروع الحضاري الإسلامي، والذي كون له: «العقل- الصفوة- النخبة» كما تمثلت في تنظيماته، وأبرزها تنظيم جمعية «العروة الوثقى».
تصاعد التحدي، وعموم البلوى: في أوائل هذا القرن العشرين حذر الإمام محمد عبده من عواقب صراع «العرب» و«الأتراك»؛ لأن هذين الشعبين هما أقوى شعوب الإسلام، ودول أوروبا واقفة لهما بالمرصاد، فإذا وهنت قوتهما في الصراع، وثبت دول أوروبا فاستولت على الفريقين، أو على أضعفهما، فتكون العاقبة إضعاف الإسلام، وقطع الطريق على حياته (۳).
وبعد خمسة عشر عامًا من هذا التحذير وقع المحظور، وبدأ عموم البلوى يخيم على سائر بلاد الإسلام، فثار الشريف حسين بن علي (١٢۷۲- ١٣٥٠ هـ، ١٨٥٦م -١٩٣١م) على الدولة العثمانية (١٣٣٤هـ - ١٩١٦م) استجابة لعوامل داخلية، ومدفوعًا بإغراءات إنجليزية، ففتحت في جدار دولة الإسلام الكبرى الثغرة التي أفضت إلى تنفيذ الغرب لمعاهدة «سيكس بيكو» السرية التي عقدوها (١٣٣٤هـ - ١٩١٧م) لتقسيم تركة الدولة العثمانية بين أقطاب التحالف الغربي، ولوعد بلفور (١٣٣٦هـ ١٩١٧م) بإقامة الكيان الصهيوني قاعدة غربية على أرض فلسطين، واحتل الفرنسيون الشام، وقال قائدهم «جورو» أمام قبر صلاح الدين الأيوبي: «وها نحن قد عدنا يا صلاح الدين»، واحتل الإنجليز فلسطين والعراق، وقال قائدهم «النبي» عندما دخل القدس: «اليوم انتهت الحروب الصليبية».
وبعد أن رفرفت رايات الاستعمار الغربي على أوطان الأمة الإسلامية من غانة إلى فرغانة، أسقطت الخلافة الإسلامية (١٣٤٢هـ - ١٩٢٤م)، فعمت البلوى -التي جاهد ضدها الأفغاني، وحذر منها محمد عبده، وتيار الجامعة الإسلامية- لأكثر من نصف قرن من الزمان.
بل لقد حدث ما هو أخطر من احتلال الأرض، ونهب الثروة حدث الاختراق للعقل المسلم، وبدأ صوت «التغريب» على لسان نفر من أبناء الأمة يبشر بأن الخلاص لن يتحقق إلا عبر تبني المشروع الحضاري الغربي بخيره وشره، بحلوه ومره، بصوابه وخطئه فنحن منه؛ لأننا أبناء حضارة البحر المتوسط وعقلنا يوناني، لم يغير القرآن من يونانيته، كما لم يغير الإنجيل يونانية العقل الغربي؛ إذ القرآن مصدق للإنجيل (4) والإسلام ليس إلا رسالة روحية لا سياسة فيها ولا دولة ولا حكم، بل يباعد ما بينها وبين السياسة، وما كان محمد إلا صاحب سلطان روحي كالخالين من الرسل، لم يقم دولة، ولم يرأس حكومة، فرسالته كسابقتها، تدع ما لقيصر لقيصر، وما لله الله (٥)، وليست العربية هي لغة النهضة والتقدم؛ لأنها لغة القرآن والأخلاقيات العربية، لا لغة الديمقراطية والبرلمانات (٦)، ومعايير النضج الفكري هي الإيمان بالغرب والكفران بالشرق (۷).
نعم حدث هذا الاختراق، وصدرت الكتب العربية الحاملة لهذه الأفكار، وأمثالها، لنفر من أعلام الفكر العربي في العقد الثالث من هذا القرن العشرين الأمر الذي اهتز له ضمير الأمة، كما لم يهتز في منعطف من منعطفات التحديات التاريخية التي واجهتها، فكانت الاستجابة الإيجابية أمام هذا التحدي، تعبيرًا عن نفاسة المعين وتحقيقًا للسنة الإلهية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، (سورة الحجر: ٩) سنة، حفظ الإسلام بالمسلمين، وتجديد دنيا المسلمين بتجديد دين الإسلام.
الجامعة الإسلامية في طور جديد:
نعم كان الإسلام على من تاريخ الأمة هو حصنها المنيع عندما تتهدد الملمات والتحديات وجودها، وكانت صيحة «واإسلاماه»، كلمة السر التي تتنادى بها الأمة، وتتداعى إليها عقولها وقلوبها خاصتها وجماهيرها، كان هذا هو قانون «التحدي» و«التصدي» على مر تاريخ الإسلام والمسلمين، ولقد عاد ليعمل عندما عمت البلوى أثناء وعقب الحرب الاستعمارية العالمية الأولى، في عام ١٣٤٦هـ - ١٩٣٧م اجتمع صفوة علماء الإسلام بالقاهرة، وأسسوا «جمعية الشبان المسلمين».
وفي العام التالي (١٣٤٧هـ - ١٩٢٨م) حدثت «اللحظة التاريخية» التي مثلت التطور النوعي لإنجاز حسن البنا في سياق تطور المشروع الإسلامي للنهضة الحضارية، عندما أدرك الرجل أن تصاعد التحدي وعموم البلوى إنما يتطلب الانتقال بالقضية من إطار الصفوة والنخبة -الذي كانت عليه منذ «العروة الوثقى» وحتى «الشبان المسلمين»- إلى الدائرة التي تشترك فيها «الأمة» مع «النخبة»، وإلى المستوى الذي تسهم فيه الجماهير مع «الصفوة» في مواجهة التحديات.
لقد كان نصف القرن الذي مضى من عمر الجامعة الإسلامية تأسيسًا لمشروع النهضة الإسلامية، وتكوينًا «للعقل» القائد لهذا المشروع، وأمام تصاعد التحديات والاختراق من الداخل، كان لا بد من بلورة «جسم» لهذا «العقل» فكان الإنجاز التاريخي لحسن البنا في سياق الإحياء الإسلامي: الانتقال بـ«أسس المشروع الحضاري» إلى «معالم» أشد وضوحًا، وأكثر تفصيلًا، حتى ليقترب بها من «البرنامج» المقدم «للجماهير» والانتقال بـ«التنظيم» الحامل للرسالة من إطار «الصفوة» كما كان الحال في «جمعية العروة الوثقى» إلى إطار «الجماهير»، كما تجسد في «جماعة الإخوان المسلمين»، تلك هي اللحظة التاريخية لحسن البنا، وذلك هو التطور النوعي والإضافة الكيفية لإنجازه في السياق التاريخي لحركة الإحياء الإسلامي الحديث، وتلك هي «بصمته» المهمة في ظاهرة الصحوة الإسلامية المعاصرة.
معالم المشروع الحضاري:
وإذا كان المقام لا يتسع لحديث مفصل عن معالم المشروع الإسلامي للنهضة الحضارية كما صاغه الإمام الشهيد حسن البنا لحركة الصحوة الإسلامية المعاصرة ممثلة في «جماعة الإخوان المسلمين» فإننا نقف هنا عند «عناوين» أمهات المسائل في هذا المشروع، وهي «عناوين» شاهدة على شمول المشروع للإجابات الإسلامية عن أهم التحديات وعلامات الاستفهام التي مثلت -يومئذ- أبرز العلل والمخاطر والتحديات.
ففي مواجهة «التغريب» الذي اخترق عقل الأمة، وغدا له أنصار من بين أبنائها يقف مشروع الأستاذ البنا ليقول: «إن الحضارة الغربية -بمبادئها المادية- قد انتصرت في هذا الصراع الاجتماعي على الحضارة الإسلامية بمبادئها القويمة الجامعة للروح والمادة معًا، في أرض الإسلام نفسه، وفي حرب ضروس ميدانها نفوس المسلمين، وأرواحهم، وعقائدهم، وعقولهم، كما انتصرت في الميدان السياسي العسكري»
وكما كان لذلك العدوان السياسي أثره في تنبيه المشاعر القومية كان لهذا الطغيان الاجتماعي أثره كذلك في انتعاش الفكرة الإسلامية (۸)، إن مدنية الغرب التي زهت بجمالها العلمي حينًا من الدهر، وأخضعت العالم كله بنتائج هذا العلم لدوله وأهمه- تفلس الآن وتنتحر، فهذه أصولها السياسية تقوضها الدكتاتوريات، وأصولها الاقتصادية تجتاحها الأزمات، وأصولها الاجتماعية تقضي عليها المبادئ الشاذة والثورات المندلعة في كل مكان، وقد حار الناس في علاج شأنها وضلوا السبيل (1)، ونحن نريد أن نفكر تفكيرًا استقلاليًا، يعتمد على أساس الإسلام الحنيف، لا على أساس الفكرة التقليدية التي جعلتنا نتقيد بنظريات الغرب واتجاهاته في كل شيء، نريد أن نتميز بمقوماتنا ومشخصات حياتنا كأمة عظيمة مجيدة، تجر وراءها أقدم وأفضل ما عرف التاريخ من دلائل ومظاهر الفخار والمجد (۱۰).
ولقد كان رفض «التغريب» في مشروع الأستاذ البنا رفضًا «للتقليد» و«التبعية» ولم يكن رفضًا «للتفاعل الصحي» بين الحضارات، ولا دعوة «للعزلة والانغلاق والانكفاء الذاتي» فهو الذي يقول عن حضارتنا الإسلامية، وأمتنا الإسلامية: «لقد اتصلت بغيرها من الأمم، ونقلت كثيرًا من الحضارات، ولكنها تغلبت بقوة إيمانها ومتانة نظامها عليها جميعًا، فعربتها أو كادت، واستطاعت أن تصبغها، وأن تحملها على لغتها ودينها بما فيهما من روعة وحيوية وجمال، ولم يمنعها أن تأخذ النافع من هذه الحضارات جميعًا، من غير أن يؤثر ذلك في وحدتها الاجتماعية أو السياسية» (۱۱).
وفي مواجهة التخلف الموروث وتيارات «التقليد» لهذا «التخلف» دعا حسن البنا إلى «التجديد»، وحدد في صراحة ووضوح أن دعوته هي واحدة من الدعوات التجديدية لحياة الأمم والشعوب (۱۲) وطالب -في النظرة النقدية للتراث والتاريخ- بالتمييز بين «الدين- الثابت» وبين «الفكر- المتغير» «والممارسات البشرية» ذلك أن أساس التعاليم الإسلامية ومعينها هو كتاب الله تبارك وتعالى، وسنة رسوله ﷺ، وأن كثيرًا من الآراء والعلوم التي اتصلت بالإسلام وتلونت بلونه- تحمل لون العصور التي أوجدتها والشعوب التي عاصرتها، ولهذا يجب أن تستقي النظم الإسلامية التي تحمل عليها الأمة من هذا المعين الصافي، معين السهولة الأولى، وأن نفهم الإسلام كما كان يفهمه الصحابة والتابعون من السلف الصالح رضوان الله عليهم، وأن نقف عند هذه الحدود الربانية النبوية حتى لا نقيد أنفسنا بغير ما يقيدنا به الله، ولا نلزم عصرنا لون عصر لا يتفق معه، والإسلام دين البشرية جمعاء(۱۳).
ووقف موقفًا نقديًا من تاريخ الدولة الإسلامية، عندما حدد العوامل السبعة التي أدت إلى تحلل كيانها، وهي:
أ- الخلافات السياسية، والعصبية، وتنازع الرئاسة والجاه.
ب- الخلافات الدينية والمذهبية.
ج - الانغماس في ألوان الترف والنعيم
د- انتقال السلطة والرياسة إلى غير العرب من الفرس تارة، والديلم تارة أخرى، والمماليك والأتراك وغيرهم ممن لم يتذوقوا طعم الإسلام الصحيح، ولم تشرق قلوبهم بأنوار القرآن لصعوبة إدراكهم لمعانيه.
ه- إهمال العلوم العملية والمعارف الكونية، وصرف الأوقات وتضييع الجهود في فلسفات نظرية عقيمة وعلوم خيالية سقيمة.
و- غرور الحكام بسلطانهم، والانخداع بقوتهم، وإهمال النظر في التطور الاجتماعي للأمم من غيرهم، حتى سبقتهم في الاستعداد والأهبة، وأخذتهم على غرة.
ز- الانخداع بدسائس المتعلقين من خصومهم، والإعجاب بأعمالهم ومظاهر حياتهم، والاندفاع في تقليدهم فيما يضر ولا ينفع (١٤).
وفي مواجهة الذين اكتفوا من مقاصد «الاستقلال» بالاستقلال «السياسي» الذي يقف عند العلم والنشيد- دعا حسن البنا إلى الاستقلال الذي يحقق «سيادة الأمة»؛ لأن الإسلام لا يرضى من أبنائه بأقل من الحرية والاستقلال، فضلًا عن السيادة وإعلان الجهاد، ولو كلفهم ذلك الدم والمال (۱٥). وإلى الاستقلال الاقتصادي للأمة، وليس لقطر واحد من أقطارها، فالهدف هو تحقيق نظام اقتصادي استقلالي للثروة والمال والدولة والأفراد (١٦) والنقد (۱۷)، ذلك أن الرابطة بيننا وبين أمم العروبة والإسلام تعهد لنا سبيل الاكتفاء الذاتي والاستقلال الاقتصادي، وتنقذنا من هذا التحكم الغربي في التصدير والاستيراد وما إليهما (۱۸)، وإلى «الاستقلال الحضاري» الذي يعيد لأمة الإسلام وحضارته مكانة الإمامة للدنيا، وموقع الشهود على العالمين «فلقد كانت قيادة الدنيا في وقت ما شرقية بحتة، ثم صارت بعد ظهور اليونان والرومان غربية، ثم نقلتها النبوات إلى الشرق مرة ثانية، ثم غفا الشرق غفوته الكبرى، ونهض الغرب نهضته الحديثة، فورث الغرب القيادة العالمية، وها هو ذا الغرب يظلم ويجور ويطغى ويحار ويتخبط، فلم تبق إلا أن تمتد يد «شرقية» قوية يظللها لواء الله، وتخفق على رأسها راية القرآن، ويمدها جند الإيمان القوي المتين، فإذا الدنيا مسلمة هانئة، وإذا بالعوالم كلها هاتفة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ۖ ﴾ (سورة الأعراف: ٤٣) (٢٠) إنه استقلال الحضارة «المتميزة» لا «المنغلقة» ولا «التابعة» ذلك أن الإسلام لا يأبى أن نقتبس النافع، وأن نأخذ الحكمة أنى وجدناها، ولكنه يأبى كل الإباء أن نتشبه في كل شيء بمن ليسوا من دين الله في شيء، وأن نطرح عقائده وفرائضه وحدوده وأحكامه لتجري وراء قوم فتنتهم الدنيا، واستهوتهم الشياطين (۲۰).
وفي مواجهة المضمون الغربي الضيق الأفق والانعزالي لكل من «الوطنية» و«القومية»- يقدم مشروع الأستاذ البنا الصيغة التي تحقق الانسجام بين درجات الانتماء الوطني والعربي والإسلامي والإنساني، فالإسلام قد وفق بين شعور الوطنية الخاصة، وشعور الوطنية العامة (۲۱)، ومصر هي قطعة من أرض الإسلام، وزعيمة أممه (۲۲) وفي المقدمة من دول الإسلام وشعوبه (۲۳) ونحن نرجو أن تقوم في مصر دولة مسلمة تحتضن الإسلام، وتجمع كلمة العرب، وتعمل لخيرهم، وتحمي المسلمين في أكتاف الأرض من عدوان كل ذي عدوان، وتنشر كلمة الله، وتبلغ رسالته، فالمصرية لها في دعوتنا مكانها ومنزلتها وحقها في الكفاح والنضال، ونحن نعتقد أننا حين نعمل للعروبة نعمل للإسلام، ولخير العالم كله (٢٤).
وفي مواجهة «الغلاة» الذين لا يرون في المجتمعات الإسلامية، وفي عقائد المسلمين المعاصرين إلا شوائب الكفر والجاهلية، فيحكمون بهما على الأمة أو على النظم والمجتمعات- يقدم مشروع الأستاذ البنا الموقف الموضوعي المتوازن «فنحن لا نكفر مسلمًا أقر بالشهادتين، وعمل بمقتضاهما، وأدى الفرائض برأي أو معصية- إلا إن أقر بكلمة الكفر، أو أنكر معلومًا من الدين بالضرورة، أو كذب صريح القرآن، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملًا لا يحتمل تأويلًا غير الكفر» (٢٥). واندمجت مصر بكليتها في الإسلام بكليته عقيدته ولغته وحضارته، ودافعت عنه، وزادت عن حياضه، وردت عنه عادية المعتدين، ومن هنا بدت مظاهر الإسلام قوية فياضة زاهرة دفاقة في كثير من جوانب الحياة المصرية، فأسماؤها إسلامية، ولغتها عربية، وهذه المساجد العظيمة يذكر فيها اسم الله، ويعلو منها نداء الحق صباح مساء، وهذه مشاعرنا لا تهتز لشيء اهتزازها للإسلام وما يتصل بالإسلام، والمعركة قائمة بيننا وبين الشوائب التي وفدت إلينا من الحضارة الغربية، تلك التي غزتنا غزوًا قويًا، فانحسر ظل الفكرة الإسلامية عن الحياة الاجتماعية المصرية في كثير من شؤونها الهامة، واندفعنا نغير أوضاعنا الحيوية، ونصبغ معظمها بالصبغة الأوروبية، وحصرنا سلطان الإسلام في حياتنا على القلوب والمحاريب، وفصلنا عنه شؤون الحياة العملية، وباعدنا بينه وبينها مباعدة شديدة، وبهذا أصبحنا نحيا حياة ثنائية متذبذبة أو متناقضة (٢٦). فالمعركة معركة تنقية المجتمعات الإسلامية من الدخيل، الذي أقام فيها الثنائية والتذبذب بين روح الإسلام وبين الروح المادية الإلحادية، روح اللذة والشهوة الذي تميزت به الحضارة الغربية، وليست معركة مع مجتمعات ارتدت عن الإسلام ونوره، إلى الجاهلية وظلماتها.
وفي مواجهة المتعجلين لقطف الثمار الذين يريدون القفز سريعًا إلى القبض على صولجان الحكم والذين يستبطئون طريق التربية وتغيير الذات، ذات الفرد فالأسرة، فالمجتمع، ثم الدولة، في مواجهة هؤلاء يؤكد مشروع الأستاذ البنا ضرورة اعتماد طريق المراحل ومنهج التربية وسياسة النفس الطويل فيقول: «أيها الإخوان المسلمون وبخاصة المتحمسون المتعجلون منكم، اسمعوها مني كلمة عالية داوية، إن طريقكم هذا مرسومة خطواته، موضوعة حدوده، ولست مخالفًا هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول.
أجل قد تكون طريقًا طويلة، ولكن ليس هناك غيرها، إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدائب، فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها، أو يقتطف زهرة قبل أوانها، فلست معه في ذلك بحال، وخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها من الدعوات، ومن صبر معي حتى تنمو البذرة، وتنبت الشجرة، وتصلح الثمرة، ويحين القطاف، فأجره في ذلك على الله، ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين، إما النصر والسيادة، وإما الشهادة والسعادة.
ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها، واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر، وما هي منكم ببعيد، أريد أن أكون صريحًا معكم للغاية، فلم تعد تنفعنا إلا المصارحة، أعدوا أنفسكم، وفي الوقت الذي يكون فيه منكم ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل منها نفسها، روحيًا بالإيمان والعقيدة، وفكريًا بالعلم والثقافة، وجسميًا بالتدريب والرياضة، في هذا الوقت طالبوني بأن أخوض بكم لجج البحار، وأقتحم بكم عنان السماء، وأغزو بكم كل عنيد جبار، فإني فاعل إن شاء الله» (۲۷).
تلك بعض من «عناوين» «نماذج» من الميادين التي صاغ لها الإمام الشهيد حسن البنا مشروعًا حضاريًا إسلاميًا، توخى فيه تجديد الفكر الإسلامي ليجدد بواسطته واقع الأمة الإسلامية، وهو المشروع الذي أقام لتنفيذه أول وأكبر التنظيمات الجماهيرية الإسلامية في عصرنا الحديث، فكان لهما -للمشروع والتنظيم- أوضح البصمات على كل فصائل وحركات وتيارات الصحوة الإسلامية المعاصرة على امتداد وطن الإسلام، ومواطن الأقليات الإسلامية خارج بلاد الإسلام.
فإذا علمنا أن الرجل الذي أنجز هذا الإنجاز العملاق حتى استحق لأجله من قبل الكثيرين، أنه مجدد الإسلام في القرن الهجري الرابع عشر، إذا علمنا أن حياته في هذه الدنيا لم تتجاوز ثلاثة وأربعين عامًا؛ أدركنا معنى البركة التي يودعها الله -سبحانه وتعالى- في عمر العبد من عباده، والتي لا تقاس فقط بالطول، وإنما بالعمق الذي يمنحها من الثراء والتأثير أعظم وأكبر ما يمنحها طول السنين: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، (سورة إبراهيم: ٢٤-٢٥).
الهوامش:
١-الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ج٢، ص ٣٤٩، دراسة وتحقيق: محمد عمارة طبعة بيروت سنة ١٩٧٢م.
٢-المصدر السابق ج٢ ص ٣١٨.
٣-المصدر السابق ج١٠ ص ٧٣٥.
٤-انظر: د. طه حسين «مستقبل الثقافة في مصر» ج١ ص٤٥، طبعة القاهرة ١٩٣٨م.
٥- انظر: الشيخ علي عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم» ص٤٨-٨٠، طبعة القاهرة ١٩٢٥م.
٦- انظر: سلامة موسى «البلاغة العصرية واللغة العربية» طبعة القاهرة ١٩٤٥م.
٧- انظر: سلامة موسي «اليوم والغد» طبعة القاهرة ١٩٣٧م.
٨- «مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا»، رسالة بين الأمس واليوم، طبعة دار الشهاب، القاهرة.
٩- المصدر السابق، رسالة نحو النور ص٥٩- ٦٠.
١٠-المصدر السابق، رسالة دعوتنا في طور جديد، ص١٦٠.
١١- المصدر السابق، رسالة بين الأمس واليوم.
١٢- المصدر السابق، رسالة: دعوتنا في طور جديد ص١٢٢.
١٣- المصدر السابق، رسالة: المؤتمر الخامس، ص ١٥٤- ١٥٥.
١٤- المصدر السابق رسالة: بين الأمس واليوم، ص ١٣١-١٣٢.
١٥- المصدر السابق، رسالة: المؤتمر الخامس، ص ١٨٤.
١٦- المصدر السابق، رسالة: الإخوان المسلمون تحت راية القرآن، ص١٠٠.
۱۷- المصدر السابق، رسالة: مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي، ص ۲۳۸.
١٨- المصدر السابق، رسالة: مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي، ص ٢٤٣- ٢٤٤.
١٩- المصدر السابق، رسالة: نحو النور، ص ٦٠.
٢٠- المصدر السابق، رسالة: الإخوان المسلمون تحت راية القرآن، ص ۹٨.
٢١- المصدر السابق، رسالة: نحو النور، ص ٦٢-٦٣.
٢٢- المصدر السابق، رسالة: إلى الشباب ص ٨٨.
٢٣- المصدر السابق، رسالة: الإخوان المسلمون تحت راية القرآن، ص ١٩.
٢٤- المصدر السابق، رسالة: دعوتنا في طور جديد، ص ١١٢-١١٤.
٢٥ - المصدر السابق، رسالة: التعاليم ص ۲۷۱.
٢٦-المصدر السابق، رسالة: دعوتنا في طور جديد، ص ١٢٠-١٢١.
٢٧ - المصدر السابق، رسالة: المؤتمر الخامس، ص ١٦١-١٦٢
لم يكن فكرًا نظريًا، بل قدمه نموذجًا حيًا:
بقلم: علي صدر الدين البيانوني[1]:
كان الإمام الشهيد حسن البنا -رحمه الله- واحدًا من أبرز القيادات الفكرية والسياسية على مستوى العالم الإسلامي خلال القرن الرابع عشر الهجري، بل كان مجدد الإسلام في هذا القرن بلا منازع، فبعد سقوط الخلافة في مطلع القرن العشرين الميلادي وانسلاخ الدول والأقطار الإسلامية من الإسلام، وفي ظل الهيمنة الاستعمارية على بلاد المسلمين عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا وأخلاقيًا، وتصاعد الخطر الصهيوني، ازدهر الفكر القومي العلماني الذي كان يحاول السيطرة على المجتمعات الإسلامية، ويعمل على فصل الدين عن الدولة، وإقصائه عن جميع شؤون الحياة والمجتمع ليفسح المجال أمام الفكر التغريبي الذي بدأ يغزو بلاد المسلمين.
في ظل هذه التحديات بدأ الإمام حسن البنا دعوته وحركته لتجديد الإسلام، وإعادة تقديمه نظامًا شاملًا لجميع نواحي الحياة منطلقًا من أصول التصور الإسلامي ملتزمًا بالكتاب والسنة، مستوعبًا لمتغيرات العصر في إطار تلك الأصول، منبهًا إلى خطورة التحدي الغربي والصهيوني للعالم الإسلامي.
ولم يكن فكر الإمام البنا فكرًا نظريًا مجردًا، بل كان نموذجًا حيًا متحركًا، وكان هو مثال الداعية المربي، الزاهد، السياسي، وأسس «جماعة الإخوان المسلمين» التي أصبحت حركة اجتماعية سياسية تحمل مشروعًا إسلاميًا للنهضة الشاملة، وأهم ما تميزت به هذه الدعوة:
١-إحياء فكرة «شمول الإسلام وتناوله جميع مظاهر الحياة وأنشطتها».
٢-تحقيق التوازن في بناء شخصية المسلم عقيدةً، وفكرًا، وروحًا، وعبادةً، وسلوكًا.
٣-التأكيد على مفهوم «الأخوة الإسلامية» والبعد عن مواطن الخلاف والالتزام بآدب الاختلاف.
٤-دعوة الناس على اختلاف مستوياتهم الفكرية، والاجتماعية، والثقافية، وتوجهاتهم السياسية.
٥-التنبيه إلى الخطر الصهيوني، وتبني القضية الفلسطينية على أنها قضية المسلمين الأولى.
لقد كان الإمام البنا يعيش عصره، ويمتلك رؤية مستقبلية ثاقبة جعلت معالجته لقضايا الأمة معالجة واقعية ما تزال تجد صداها في الواقع الحاضر؛ لأنها مرتبطة بالمشروع الإسلامي للنهضة الشاملة الذي تحمل أعباءه ومسؤولياته للحركة الإسلامية بجميع فصائلها ومدارسها المتنوعة.
وبرغم أن حياة الإمام البنا لم تتجاوز (٤٣) عامًا فقد كانت خصبة مباركة، أرسى خلالها -للأمة أسس نهضتها الحديثة التي تمثل الصحوة الإسلامية- مظهرًا من مظاهرها وثمرة من ثمراتها.
رحم الله الإمام حسن البنا؛ فلقد كان أمة في رجل.
[1] المراقب العام للإخوان في سورية.
قراءة في منهجية البنا
بقلم: د. فتحي يكن.[1]
بعد مرور ما يزيد على نصف قرن من التفاعل والتعامل مع المنهجية الدعوية التي وضعها وأسسها الإمام الشهيد حسن البنا -رضي الله عنه وأرضاه-، والتي تعتبر تجديدًا في العمل الإسلامي فكرًا وتنظيمًا ومنهجيةً وسلوكًا، وبعد تجارب كثيرة على المستوى القطري والإقليمي والدولي، وبعد متغيرات في طبيعة العصر وخصائصه وثقافاته وتحدياته، وبعد بروز مدارس ومنهجيات إسلامية متعددة، بعد هذا وذاك أصبح من الواجب إعادة قراءة الثوابت والأفكار التي خلفها الإمام الراحل.
الانفتاح في منهج البنا: لم تكن منهجية البنا سجينة قمقم الأطر التنظيمية وقوالبها وهيكلياتها مع وجودها واعتمادها، ولم يكن وجود هذه الأطر عائقًا دون الانفتاح على من هم خارجها، أو حائلًا دون التعاون والتنسيق معها ضمن قاعدة البنا الذهبية «نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه».
لم يحنط البنا -رضوان الله عليه- أعضاء التنظيم، ولم يحظر عليهم الانخراط في المجتمع الأهلي ومؤسساته، بل العكس كان الصحيح كان يعدهم ليكونوا «الروح التي تسري في الأمة لتحييها بالإسلام».
ولقد عرفت بنية الحركة بعد نشأتها أقسامًا تعنى بالقضايا الاجتماعية والإغاثية والعلاقات الخارجية والاتصال بالعالم الإسلامي وحكامه وشعوبه الإسلامية.
كان الشهيد البنا يعتبر التنظيم وسيلة لا غاية، وآلية لأهداف عليا، وليس بديلًا عنها أو مغفلًا لها، فإذا كان الإسلام منهجًا عالميًا، فإنه يفرض أن يكون أتباعه والعاملون له -أفرادًا ومؤسسات وحركات- على جانب كبير من الانفتاح على العالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، (سورة الأنبياء :١٠٧).
وإذا كان الدور الأساسي للإسلاميين معالجة البشرية من أمراضها وعللها، ومساعدتها حتى حل مشاكلها، فإن ذلك يقتضي الانطلاق لا الانغلاق.
ولقد أدى هذا الانفتاح إلى مشاركة جمهرة من العلماء في مختلف مؤسسات الحركة وأقسامها، بل إن معظم العلماء الذين تميزوا بالإبداع والانفتاح والعطاء والاجتهاد- مروا وتأثروا بالحركة ومؤسسها الإمام الشهيد حسن البنا.
إنما هذه الظاهرة الصحية لم تدم طويلًا، ولم تستمر بالزخم نفسه بعد استشهاد الإمام، حيث تراجعت مساحة الوجود العلماني في الحركة، ونشأ إشكال الصراع بين العلماء وبين التنظيم، وهذا الإشكال يحتاج أولًا إلى دراسة لاستكشاف خلفياته وأسبابها المختلفة، فما تقع مسؤوليته على الحركة، كانت هي أولى بمعالجتها ابتداء؛ لأن الخسارة التي يمكن أن تنجم عن انحسار الوزن العلماني في الحركة كبيرة وكبيرة جدًا.
منهجية التغيير والتدرج في الخطوات: ومنهجية الإمام الشهيد حسن البنا تعتمد المرحلية والتدرج في الخطوات، ولا تلجأ إلى القفز فوق الاعتبارات الواقعية والسنن الكونية، والأصول الشرعية، فهي لا تعتمد أسلوب الانقلاب العسكري للوصول إلى الحكم، والذي يلجأ إلى فرض المشروع الإسلامي بقوة الحديد والنار، وعادة ما يستدرج الساحة الإسلامية إلى فتن عمياء، ويتسبب بمفاسد كبيرة وخطيرة.
وهي لا تعتمد أسلوب الثورة الشعبية التي تجر إلى حروب أهلية وصراعات داخلية من شأنها إجهاض المشروع الإسلامي، وتشويه صورته المشرقة البهية، كما أنها لا تكتفي بالوعظ والإرشاد دونما تفكير ببلوغ الحكم ومواقع القرار، ولاستئناف الحياة الإسلامية، وتطبيق الشريعة الغراء.
إنما كانت منهجية الإمام الشهيد حسن البنا تعتمد القاعدة الربانية في التغيير، والتي تحقق البعد الحقيقي والمضمون الجوهري لرسالة الإسلام، والمبنية على قوله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ﴾، (سورة الرعد:١١).
وفي ضوء هذه القاعدة حرص الإمام البنا على إنضاج الخطوات وعدم الاستعجال وإحراق المراحل بدعوى الوصول إلى السلطة، وذريعة امتلاك القرار، فهو يعتبر أن من قطف ثمرة قبل أوانها عوقب بحرمانها، وأن السلطة وسيلة لإقامة شرع الله، وليست غاية بذاتها، أو بديلًا عن شرع الله، وأن بلوغ السلطة قبل امتلاك القدرة على أسلمتها، أو تسخيرها في أسلمة الواقع والخروج به من مشكلاته المختلفة- من شأنه إجهاض المشروع الإسلامي، والإساءة إلى الإسلام وتشويه صورته، والحكم عليه بالفشل، والحقيقة أن كل محاولات الاستعجال، ومشاريع القفز أجهضت أو أفرغت من محتواها، ولم تحقق الجدوى المطلوبة.
تقدير الكفاءات الشخصية وتقديمها على الاعتبارات التنظيمية: ومن خصائص منهجية الإمام الشهيد أنه بالرغم من كونه مؤسس الحركة، وواضع هيكليتها التنظيمية، وباني مؤسساتها المختلفة والحريص عليها، إنما لم يكن ليتعامل بحرفية التنظيم حيال مصلحة معتبرة أو مفسدة مقدرة.
فإن حلت الرخصة في التشريع لعلة، أفلا تحل في التنظيم؟ وإن أبيحت المحظورات في الإسلام للضرورات التي تقدر بقدرها، أفلا تباح في الحركة؟
وإن جرى تعليق حد السرقة في عام المجاعة، وصدر العفو النبوي حيال جريمة «حاطب بن أبي بلتعة» لسابقته وبلائه في الإسلام والجهاد، ولكونه من أهل بدر، أفلا يكون الأخذ بذلك في التنظيم أولى وأدعى؟
إن الإمام الشهيد كان يقدم الاعتبار الشرعي على الاعتبار التنظيمي، بل إنه كان يبني كل الاعتبارات على الشرع، فالشرع هو المقدم، وأي خلط بين الأمرين يمكن أن يؤدي إلى الوقوع في محظورات شرعية، وانتكاسات تنظيمية، فالإمام البنا -رضي الله عنه وأرضاه- كلف من رأه أهلًا لإقامة عمل باسم التنظيم في بلده ممن خبرهم خلال دراستهم في مصر، من غير تقيد حرفي بالاعتبارات التنظيمية.
وتقديره الشخصي للأستاذ حسن الهضيبي، رشحه ليكون أول مرشد عام للحركة من بعده، وفي ظروف جد صعبة، ودون تدرج في مراتب العضوية، وتقيد بمفردات وحرفيات التنظيم.
[1] كاتب لبناني
مصطفى مشهور المرشد العام للإخوان المسلمين:
قدم الإخوان العديد من البرامج والإسهامات في عهد الإمام البنا وبعد استشهاده
الإمام البنا امتاز بالفكر السهل الممتنع، وكانت له قدرة بالغة على تلخيص الشرح الكبير لأمهات المسائل.
ملاحقة الإخوان كان لها بعض الأثر في مستوى التربية.
نسلك في سبيل دعوتنا الأساليب السلمية، ولن نضعف فنحن مطمئنون لتأييد الله.
عاشت جماعة الإخوان المسلمين أجواء سیاسية وأمنية بالغة الصعوبة، تعرضت خلالها لمحن وابتلاءات عديدة، ومع ذلك لم تحد عن الخط الذي رسمه مؤسس الجماعة، وصارت تتعاطى متغيرات الحياة ومستجداتها، مؤمنة برسالتها، ومتجاوزة للعقبات التي تعترضها في صبر وثبات شديدين.
وفي ذكرى استشهاد الإمام البنا الخمسين لن يكون الحديث عنه كاملًا دون استطلاع رؤية الأستاذ مصطفى مشهور المرشد العام للإخوان المسلمين، ومن هنا تأتي أهمية هذا الحوار الذي سلط فيه المرشد الأضواء على محطات التقائه الإمام، ورؤيته للعديد من القضايا المتعلقة بالجماعة واستشراف مستقبلها، وفيما يلي تفاصيل اللقاء:
بمناسبة مرور خمسين عامًا على استشهاد الإمام حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين، ماذا تقولون في هذه المناسبة؟
إن سنة الله في الدعوات الحقة أن يتعرض أصحابها إلى المحن والابتلاءات كالقتل والسجن والتعذيب والتشريد، وقد تعرض الرسول ﷺ للإيذاء، وبلال للتعذيب، وياسر وسمية للقتل، وقد نبهنا الإمام الشهيد أننا عندما يعرفنا الناس سنلقى منهم خصومات شديدة وعداوة قاسية، ويعتبر الإمام الشهيد هو شهيد فلسطين، فعندما أرسل فدائيين إلى فلسطين لمواجهة العصابات اليهودية، وأبلوا بلاء حسنًا فزع منهم اليهود، وشكوهم إلى إنجلترا وفرنسا وأمريكا، واجتمع سفراء هذه الدول برئيس وزراء مصر محمود النقراشي باشا، وطلبوا منه حل جماعة الإخوان واعتقالهم، وإيقاف الحرب، وتمت الهدنة، وصدر قرار الحل، واعتقل الإخوان ما عدا الإمام حسن البنا.
ثم حدث التآمر بقتله، وظنوا أنهم بقتله ستنتهي جماعة الإخوان، ولكن الله خيب أملهم، ورد كيدهم إلى نحورهم، فكان دم الإمام الشهيد الزكي سراجًا ألهب حماس المسلمين، في جميع أنحاء الأرض، وبدلًا مما تمنوه من أن تخبو جذوة الجماعة اشتد نورها، وسطع، وأصبحت تغزو أوروبا وأمريكا، وأصبح رمز الإخوان المسلمين رمزًا للإسلام، دعوة الله للتمكين في الأرض، وإعلاء راية الإسلام في ربوعها.
ما السمات الشخصية التي لمستها فضيلتكم في الإمام الشهيد، وساعدت على نجاحه في دعوة الناس؟
كان -رضي الله عنه- يتميز بالتواضع وسعة الأفق، وقوة الذاكرة، ويتحمل أعباء السفر والسهر، ويخاطب الناس على قدر عقولهم واهتماماتهم، ويدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالأسلوب الجذاب، وكان يركب القطار بالدرجة الثالثة ذات المقاعد الخشبية وإلى مسافات طويلة، ويحرص على دقة المواعيد، ويوصي بالحرص على الوقت وحسن استغلاله فيقول: «الوقت هو الحياة، والواجبات أكثر من الأوقات» وكان حديثه يوقظ القلوب ويحرك المشاعر.
كان الإمام الشهيد حسن البنا مجدد القرن العشرين في رأي كثير من المفكرين، ترى ما أهم الإنجازات التي قدمها الإمام للدعوة الإسلامية من وجهة نظركم؟
عندما أسقط اليهود من خلال كمال أتاتورك الخلافة العثمانية عام ١٩٢٤م، كان الإمام طالبًا في كلية دار العلوم، وبعدما تخرج عمل مدرسًا في الإسماعيلية بمنطقة قناة السويس، وفكر أنه بسقوط الخلافة سينفرط عقد المسلمين، وأن إقامة الدولة والخلافة يعتبر لا يتم فرديًا، ولكن لا بد من العمل الجماعي المنظم، فأنشأ جماعة الإخوان المسلمين، وجعل هدفها تحرير الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي، ثم إقامة دولة الإسلام على هذا الوطن المحرر، ووجد أن الرسول ﷺ أقام الدولة الإسلامية الأولى على أسس ثلاثة، وهي: قوة العقيدة والإيمان، وقوة الوحدة والترابط، ثم قوة الساعد والسلاح لرد عدوان الأعداء المحتلين، واهتم -رضوان الله عليه- بالتربية وبالأخوة والتحابب، ثم توطين النفوس على الجهاد، ولكن لم يفكر في استعمال القوة ضد من يعادون الإخوان، مقتديًا برسول الله ﷺ حين كان يوصي آل ياسر وهم يعذبون بالصبر فإن موعدهم الجنة، وكان يبشر بالنصر فيقول: «ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون».
وامتاز الإمام الشهيد بالفكر السهل الممتنع، وكانت له قدرة بالغة على تلخيص الشرح الكبير لأمهات المسائل في عبارات وجيزة سهلة، واختار -رضوان الله عليه- دائمًا الرأي الوسيط الصحيح البعيد عن الغلو أو التساهل، إلا أن يكون هناك نص جامع مانع، فإنه يسارع إلى الامتثال لأمر الله، ويدعو إخوانه والناس جميعًا للعمل به.
واستطاع الإمام الشهيد أن يحول الدعوة إلى روح تغشى النفوس، وتعمر القلوب، وتحرك الألسنة والجوارح للعمل الصالح والبذل في سبيل الله مع سرعة التنظيم الدقيق، وتأليف القلوب، والتراحم والتواد الذي كان السمة العامة للإخوان، وهكذا أصبح للإخوان المسلمين سمت أخلاقي روحاني عال، وكان -رضوان الله عليه- حريصًا على بعث الأمل العريض في النفوس فلم يجد اليأس إلى نفسه سبيلًا، فكان الإخوان مستبشرين محتسبين مهما اشتدت المحن، أو قست القلوب عليهم.
ما أكثر ما شدكم إلى دعوة الإخوان؟
انضممت للإخوان عام ۱۹۳۸م، وكنت طالبًا، وقد لاحظت قوة انتشار دعوة الإخوان في المدن والقرى والنجوع، وفي الجامعات والمدارس، وكانت تعقد مؤتمرات في المناسبات الإسلامية المختلفة كالهجرة، وغزوة بدر والإسراء والمعراج، ومولد الرسول ﷺ، ورمضان والأعياد، وكل مناسبة يوضع لها برنامج لمدة شهر في البلاد المختلفة، وربما عقد مؤتمران في اليوم الواحد، بالإضافة إلى المقالات المختلفة في الجرائد والمجلات.
كذلك شدني تبني الإمام البنا قضية فلسطين منذ عام ١٩٣٦م مع الشهيد عز الدين القسام، ثم مع الحاج أمين الحسيني، وعبد القادر الحسيني، وأرسل الفدائيين إلى فلسطين لمواجهة العصابات الصهيونية، وما تلا ذلك من تآمر دولي، وإتمام الهدنة، ووقف القتال، وإعلان التقسيم، وحل الإخوان واعتقالهم، ثم استشهاد الإمام البنا في فبراير سنة ١٩٤٩م، ونحن داخل السجون.
في ذكرى اغتيال الإمام البنا: البعض يردد أنه لو عاش إلى وقتنا هذا لتغير وجه التاريخ، في ضوء ذلك كيف تنظرون إلى فكره بعد مرور (50) عامًا على رحيله؟
الإمام الشهيد استقى تفكيره من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسيرته العطرة، فهو فكر سليم، أثبت نجاحه في حياته، وبعد استشهاده، ولكنه كان يقول: «إن المهمة كبيرة، وتحتاج إلى صبر ووقت طويل، وتضحيات كثيرة، وكان يقول من تعجل الثمرة قبل نضجها، فليسلك غير طريقنا، ولكن من صبر معنا حتى تنبت البذرة، وتنمو الشجرة، وتثمر الثمرة، ويحين قطافها فسينال إحدى الحسنيين: إما النصر والسيادة، أو السعادة والشهادة».
وقد حدد -رحمه الله- الهدف، ورسم الطريق، ووضع الضمانات من أركان البيعة، وواجبات الأخ العامل ووسائل التربية، وكان يقول: «أنتم لستم حزبًا كالأحزاب السياسية التي كانت موجودة آنذاك، ولستم جمعية محدودة الأغراض، ولكنكم روح جديد يسري في قلب هذه الأمة، فيحييها بالقرآن، ونور جديد يشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله، وصوت داو يعلو مرددًا دعوة رسول الله ﷺ» وكان يركز على تكوين أساس الدولة المنشودة من الفرد المسلم، والبيت المسلم والمجتمع المسلم.
بالرغم من تباين الثقافات واختلاف اللغات واللهجات وصلت دعوة الإخوان إلى العديد من الأقطار، فما سر ذلك بالرغم من أن العديد من المصلحين هتفوا في أوقات متفاوتة بدعوات إسلامية، لكنها لم تبلغ الآفاق كما هو حال دعوة الإخوان؟
لقد أوضح البنا المعركة القائمة بين الإسلام وأعدائه من أصحاب حضارة المتع والشهوات، فكان ينبه الناس إلى ضرورة اليقظة لكيد الأعداء، ويقول: «سنحصرها عن أرضنا ليبرأ من بلائها قومنا، وسنغزوها في عقر دارها، وكان يرفع شعار أصلح نفسك وادع غيرك»، ثم إن الإسلام هو دين الفطرة، وأنه نور الله، ولن يطفئ نور الله بشر، وكان يشارك الأقطار الإسلامية في قضاياهم؛ لأن الأمة الإسلامية أمة واحدة، بل وجسد واحد، وكان يوصي الإخوان بالصبر والثبات، وتحمل الأذى مع الاستمرار في نشر الدعوة، وقد أثمر صبر الإخوان في المحن المتتالية ثمرته الطيبة على الساحة العالمية، فتعمقت جذور شجرة الإخوان، واشتد ساقها، وامتدت فروعها مع نمو روح الحب والعاطفة بين الإخوان مهما اختلفت جنسياتهم، وشعورهم بالهدف المشترك لدى كل مسلم، وهو إقامة الدولة الإسلامية.
كيف ترون مستقبل جماعة الإخوان في ظل الإجراءات والتدابير الأمنية التي تلاحق أعضاءها؟ وهل تفكر الجماعة في أسلوب ما للقيام بأعمالها تلاشيًا للصدام مع النظام؟
الإخوان يسلكون في سبيل دعوتهم الأساليب السلمية المشروعة، ولا يلجئون إلى العنف، ومع ذلك ترى هذه الملاحقات والتضييقات على حركة الإخوان، وإلصاق التهم الباطلة بهم، ولكننا نتواصى بالصبر والثبات، كما صبر المسلمون الأول، ونشكو إلى الله كما شكا رسول الله ﷺ في الطائف، ولن نضعف أو نستكين، ونحن مطمئنون أن الله سيؤيدنا، ولن يضيعنا.
هناك من يطالب الإخوان بنبذ السياسة والاكتفاء بالأعمال الخيرية والاجتماعية والتعبدية فقط إيثارًا للسلام، ما ردكم؟
الإسلام دين شامل لكل نواحي الحياة سياسية واجتماعية واقتصادية وعبادية وغيرها، ولا يجوز أن تعرضه ناقصًا في أي جانب منه، وردي على من يطلبون منا نبذ السياسة إيثارًا للسلام، ما قاله الإمام الشهيد: «أستطيع أن أجهر في صراحة أن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان سياسيًا بعيد النظر في شؤون أمته، مهتمًا بها، غيورًا عليها».
البعض يردد أن الجماعة لم تعد تهتم بالتربية، كما كان حال الدعوة في مهدها، وبالتالي حادت عن فكر الإمام حسن البنا؟
الجماعة تهتم كثيرًا بالتربية؛ لأنها الأساس الذي يقوم عليه البناء، ولكن اتساع القاعدة وسياسة الملاحقة كان له بعض الأثر في مستوى التربية، ولكن يمكن تدارك ذلك بتوفيق الله.
لا يزال البعض يردد أن الإخوان المسلمين لا يملكون برنامجًا سياسيًا مفصلًا، بالرغم من جهودهم البارزة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والتربوية والاجتماعية وغيرها، فما ردكم؟
البعض يغالط وبدلًا من أن يطالب بإطلاق سراح الدعوة، وإلغاء القيود الشديدة المفروضة على حركتها، وبدلًا من أن يستنكر الزج بالإخوان في المعتقلات والسجون والملاحقات المتكررة ومصادرة كتبهم وأبحاثهم، وكل ما يعين على الدراسة والبحث العلمي والفقهي، وبدلًا من أن يطالب السلطة بإطلاق الحريات، وبخاصة الحصول على المعلومات والاطلاع على الوثائق التي لا غنى عنها للبحث عن جميع المجالات- هذا البعض يغمض عينيه عما تزخر به المكتبات من المؤلفات للإخوان في شتى نواحي الحياة من موضوعات سياسية، واجتماعية، واقتصادية، وتربوية...إلخ.
لقد قدم الإخوان العديد من البرامج سواء في حياة الإمام الشهيد أو ما تلا ذلك من مراحل حين أتيحت لهم فرصة النشر والتأليف والدراسات والبحوث، بل إن عددًا غير قليل من الإخوان -وهم في غياهب السجون والمعتقلات، وهم تحت وطأة البطش والإيذاء- استطاعوا وضع مؤلفات تقتضيها الحاجة، وعالجوا الظواهر التي لاحظوها أثناء المحن، ووضعوا الدراسات المتصلة بالعقيدة والفكر وهم في غياهب السجون، ومن ذلك كتاب «دعاة لا قضاة» للإمام حسن الهضيبي.
سيف الإسلام ابن الإمام البنا يـتحدث للمجتمع
البنا أفاد الإنسانية جمعاء ولم ينل حقه من التقدير
أجرى الحوار: رجب الدمنهوري.
الجماعة تقف من الحكومات موقف الناصح الأمين، ولم تحكم على حكومة بحكم مطلق ومقياسها القرآن والسنة.
الإخوان فرضوا على الأمة مظاهر إسلامية عديدة، وصدوا الموجات الاستعمارية العاتية.
لم ينحرفوا عن مسار الإمام، لكن الناس والأحزاب والهيئات لم تقدر المرامي السياسية للجماعة.
لم نشعر في يوم من الأيام أن والدي أهملنا صحيًا، أو في النفقة علينا، أو قصر في حقوقنا، وكانت مطالب الأسرة الفردية يكتبها يوميًا في مذكرة خاصة.
الإمام ألحد أخي وشقيقتي، وغير صحيح أنه قال لوالدتي: إن جده أعلم بطريق المقابر.
طلبت من بريطانيا أن تطلعني على ملف حسن البنا الشخصي، ولكنها رفضت.
هناك فريق من الكتاب والمفكرين أنهم بعد دراستهم العميقة للإسلام وجدوا.
الإمام البنا صاحب أكبر حركة إسلامية في القرن العشرين، وهي حركة الإخوان التي أسسها في عام ۱۹۲۸م، حيث استطاع بعبقريته الفذة وإلهامه الرباني أن يفهم الإسلام فهمًا شاملًا وكاملًا، ويعلمه أتباعه بوعي وإدراك وبصيرة، ومن هنا خلع العلماء عليه لقب مجدد الإسلام في القرن العشرين.
فقد حرص الإمام منذ البداية على تأليف القلوب وجمع المسلمين حول الفكرة الإسلامية الصحيحة، الأمر الذي جعلها محل قبول الملايين، ويسبب هذا الانتشار المتوازن والدقيق والعميق للفكرة الإسلامية اغتالته الأيدي الآثمة في ١٢ من فبراير ١٩٤٩م.
وكان الرجل صاحب منهج سليم في التعامل مع الأعداء؛ حيث كان يحنو عليهم، ولم تكن لديه رغبة في المظهرية السياسية كغيره من الزعامات، كما أنه كان صاحب قلم شريف جعله وقفًا على الجماعة الدعوة إلى الله، وإلى جانب اهتماماته الدعوية الواسعة كان نموذجًا فريدًا في بيته ونحو أسرته، ولإلقاء الضوء على حياته كان هذا الحوار مع نجله الأستاذ أحمد سيف الإسلام حسن البنا، أمين عام نقابة المحامين (التي تسيطر عليها الدراسة حاليًا) وأحد أبرز قيادات الإخوان المسلمين.
ملكات متنوعة:
الإمام البنا كان يتمتع بملكات فريدة بعضها كان فيضًا إلهيًا، وبعضها مكتسبًا، ماذا عن هذه المواهب التي تميز بها، وإلى أي مدى انعكست على خطبه وكتاباته وأسلوبه في الدعوة، خاصة أنكم تعكفون الآن على تجميع تراثه (رضي الله عنه)؟
الملكات التي وهبها الله للإمام كثيرة ومتعددة، وهي ليست على نمط واحد، بل متنوعة وقلما تجتمع في شخص واحد، وهي مع تعددها وتنوعها ملكات في ذروتها، وهذه الملكات كانت كائنة في قلبه وعقله، فهو شخصية أدبية فذة، ومصلح اجتماعي، ومتحدث بالعربية على أرفع مستوى، وداعية إسلامي، وزعيم سياسي، وخطيب مفوه، وعابد متصوف، ورجل حركي، لديه ملكة خيال، وعاطفة قوية جدًا، وفي الوقت نفسه لديه تعقل شديد؛ أي أنه يملك معاني نادرة من الناحية العقلية، وخيالًا فائقًا، وخصبًا من الناحية الذهنية، يكتب في النظريات، كما أنه رجل تطبيقي.
كان رجلًا عاطفيًا كما قلت، ولكن داعية إلى الجهاد من الطراز الأول، وكان عالم دين، ويحترف بعض المهن الأخرى، وينادي بضرورة أن يكون لدى المسلم نشاط اقتصادي، وقد أثنى كثيرًا على الشيخ محمود خطاب السبكي رئيس الجمعية الشرعية (رحمه الله) الذي كان رجل علم وداعية إسلاميًا، وإلى جانب ذلك اهتم بالنواحي الاقتصادية والمشروعات التي تمول الجمعية الشرعية؛ حتى أصبح لها الكثير من الفروع بفضل هذه النظرة.
وإضافة إلى ذلك كانت هناك ظروف جيدة وبيئة صالحة نشأ فيها الإمام البنا، واكتسب منها ملكات أخرى، هذه الظروف بدأت مع جدي الإمام أحمد عبد الرحمن البنا صاحب كتاب «الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني» وهو من خيرة من خدم الحديث النبوي في هذا العصر باعتراف علماء الحديث في العالم الإسلامي كله، الأمر الذي يؤكد أن البيئة التي نشأ فيها الإمام البنا كانت بيئة علمية ودعوية، كما أن بلدته المحمودية كانت تضم صفوة من العلماء الأجلاء، فكان منها الشيخ محمد زهران عالم الحديث، وكان الشيخ زهران يصدر مجلة من هذه المدينة.
وكان الشهيد حسن البنا صاحب ذاكرة قوية، وذكاء حاد وخارق، نادرًا ما يوجد، ومما يؤكد ذلك أنه جلس يكتب مذكرة لمجلس الدولة -وكان ذلك أمامي شخصيًا- في القضية التي رفعها ضد حكومة النقراشي في أمر حل الجماعة، وكان عبد الكريم منصور المحامي يقرأ على مسامعه نصوصًا من الكتاب الدستوري لسيد صبري، حيث كان الإمام يستعين برأي الفقهاء الدستوريين في الأوامر العسكرية، وبينما كان الإمام مستغرقًا في الكتابة خيره منصور أن يستمر في القراءة، أم ينتظر حتى يفرغ من الكتابة، فطلب الإمام منه أن يواصل وقال له: استمر يا عبد الكريم أنا معك، وأنت قلت في أول الصفحة كذا وكذا، وأعاد له الصفحة كاملة.
ومن ثم من اليسير على رجل بهذه الملكات أن يحفظ القرآن كاملًا، وأن يحفظ (١٩) ألف بيت من الشعر العربي لكي يدخل مسابقة كلية دار العلوم، وأن يحتل المركز الأول باستمرار في جميع مراحل حياته التعليمية، وأن يحفظ روائع وعيون الشعر العربي، ويحفظ من الشروح والمتون قدرًا كبيرًا يجعله متملكًا لزمام اللغة العربية، وأن تكون لديه قدرة بلاغية فائقة.
لذا أدعو الشباب الباحثين والدارسين بعد أن ينشر تراث الإمام البنا -وهو على وشك النشر- أن يتأملوا بلاغته، فهو واحد من أبلغ الأدباء في هذا العصر؛ حيث إن له بلاغة خاصة، وقدرة فائقة في اختيار الألفاظ واستعمال الأسلوب السهل الممتنع دون اللجوء إلى الأساليب التقليدية البلاغية مثل الاستعارات والكنايات والتشبيهات والمحسنات البديعية، فكان يستطيع بألفاظ بسيطة ويسيرة أن يرسم صورًا رائعة يستمتع بجمالها المتعلمون، ويفهمها العامة.
ومع هذه الملكات التي منحها الله إياه، ومع هذه الظروف المكتسبة كان الإمام البنا صاحب خاصية فريدة، فقد أفاض الله عليه بلمسة روحية في كتاباته؛ حيث تجد فيها صدقًا مع الله، وصدقًا مع النفس، وصدقًا مع أتباعه؛ حيث كان يكتب بصدق فني، والتزام أخلاقي طوال حياته فأنتج أدبًا متميزًا، الأمر الذي يجعلك تشعر فيه بالأصالة، وهو -بكل تواضع- يستحق أن يلقب بأبي الأدب الإسلامي، وأن ينسب إليه فضل هذا الأدب الملتزم، فكان قلمه ولسانه في نثره وخطبه وقفًا على الدعوة والمعاني الإسلامية.
كانت كتاباته حركية فهناك كتابات تقرأ ولا تحرك، لكن كتابات البنا تدعو للتحرك؛ حيث كان هدفه الإصلاح، وتحريك العناصر التي تقرأ هذا الأدب لتنفذه عمليًا، كما كانت روحية ومتعة كالألماس؛ لأنها كلمات نورانية، هذا النور جعلها ولادة ومتجددة تعطي من يقرأها أفكارًا وعزيمة صادقة، فكتاباته كانت تعالج الجوهر والمعاني الكلية، وليس العرض والمعاني الجزئية.
كيف كان حال هذا الرجل في بيته ومع إخوانه ومع الآخرين، نود أن تلمسوا جانبًا من هذه الجوانب؟ هذه ليست شهادة ابن لأبيه، وإنما شهادة حق أمام الله -سبحانه وتعالى- وأنا أعلم أنه (رضي الله عنه وأرضاه) لن يغني عني من الله شيئًا، والعمل الصالح هو محط الأمل والرجاء، إلا إذا أكرمنا الله -سبحانه وتعالى- بشفاعته يوم القيامة؛ مصداقًا لقول الرسول ﷺ: «الشهيد يشفع في سبعين من أهله» ومن هنا أقول إن حسن البنا كان إنسانًا يحمل أروع المعاني الإنسانية في كل تصرفاته، فتاريخه يؤكد أنه خلق ليكون قدوة، وليجدد الإسلام، فما قرأت شيئًا في سيرة النبي ﷺ وسنته الشريفة إلا كان الإمام البنا يفعله، وكان يتحرى فيه لأقصى درجة، فعندما تزوج كان يسأل عن كل من له صلة رحم بزوجته، ويحصيهم عددًا، ويزورهم فردًا فردًا، وكان دائمًا يخبر زوجته أن لها أقارب هنا وهناك.
كان كريمًا وسخيًا معنا، فقد كان مرتبه معقولًا؛ حيث إن مرتب موظف الحكومة كان مرضيًا قبل الحرب العالمية الثانية، وكان يقسمه ثلاثة أقسام: ثلثًا للبيت، وثلثًا للدعوة، وثلثًا لأسرته من والده، كان عطوفًا على غير ما تعود الناس، وكان شديد العناية بأولاده؛ حيث كان يعمل لكل فرد ملفًا يضم جميع أوراقه (شهادة الميلاد، وتواريخ التطعيم، والوصفات الطبية، والشهادات الدراسية، وغير ذلك) وكانت تربيته ليست فيها أوامر مباشرة، فذات مرة دخلت مكتبه، وأخذت مجموعة أوراق بيضاء لأكتب عليها، فوجئت به بعد ذلك قد أحضر لي كمية من الورق، وكان لسان حاله يقول: لا تفتح المكتب دون إذني، الأمر الذي جعل العرق يتصبب مني خجلًا وحياءً.
وعلى المستوى نفسه كان مع إخوانه؛ حيث جاء مندوب مجلة المصور إلى بيتنا لإعداد موضوع بعنوان: «يوم مع حسن البنا في بيته» وكان موجودًا معنا بالمنزل في هذا اليوم الأستاذ أحمد عبده قاسم سكرتير عام الجماعة، وعندما رن جرس الهاتف قام الأستاذ قاسم بإعطاء سماعة التليفون لوالدي، والتقط المصور هذه الصورة، وبرغم أنها صورة طبيعية وتلقائية، إلا أن الإمام طلب من مندوب مجلة المصور عدم نشرها مراعاة لمشاعر الأستاذ قاسم وعلق على ذلك قائلًا: نحن الإخوان ليس بيننا جندي وقائد، فكلنا جنود في سبيل الله.
وكان الإمام يصلي فالتقط له المصور صورة عفوية أيضًا، فطالبه بعدم نشرها باعتبار أن العلاقة بين المسلم وربه أسمى من أن تكون محلًا للتصوير، ومن هنا كان رقيقًا في مشاعره وحساسًا لأقصى درجة، بل كان رقيقًا في معاملة جميع الناس، فقد عثرت في مكتبه على أوراق البروتوكول الخاص بوزارة الخارجية المصرية التي تشرح آداب الدخول والخروج، وتحدد الزي المناسب، وكان يقرأ في هذه الآداب، ويعمل بها مادامت لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية، ومن الناحية الذوقية كان لديه حس ذوقي رفيع، وكان على قدر كبير من اللياقة وحسن الاستعداد والقبول عند الآخرين على عكس ما يروج له البعض من أن المسلمين لديهم حدة في الطباع، ولديهم قسوة في التعامل؛ فقد حرصت السينما المصرية على تصوير عالم الدين بهذه الصورة إلى أن ترسخت في أذهان الجمهور، وأصبحنا في حاجة إلى نفيها عمليًا.
وقد حكى لي الأستاذ عمر التلمساني -رحمه الله- أنه ركب «حنطورًا» مع الإمام البنا، وكانت التعريفة المعروفة قرشين أو ثلاثة، فقام الإمام البنا بإعطاء سائق الحنطور، قروش قيمة الركوب، بالإضافة إلى قروش أخرى للسائق، فالأستاذ عمر التلمساني -(رحمه الله) وهو من وجهاء الإخوان وأثريائهم في ذلك الوقت- قال للإمام: إن خمسة قروش مبلغ كبير لأن تعريفة الحنطور لا تزيد على ثلاثة قروش على الأكثر، فكان رد الإمام البنا: وإن أصحاب الحناطير يتعاملون مع الأجانب وهم يعطونهم مبالغ كبيرة، ومن هنا كانت فكرتهم عن الأجانب حسنة، أما فكرتهم عن المسلمين فغير ذلك، ونحن نود أن نعلمهم أن المسلمين غير ذلك؛ لنكسب ولاءهم وانتماءهم نحو الوطن والدين الإسلامي» لهذه الدرجة كانت لديه رقة متناهية في التعامل مع الناس جميعًا.
الوقت هو الحياة:
الكتابات التي تناولت سيرة الإمام كانت تصوره بأنه جعل كل أوقاته وقفًا على الدعوة؛ فقد كان يجوب البلاد شرقًا وغربًا، فكيف استطاع أن يوائم بين واجبه الدعوي وحقوق أسرته، وبماذا تفسرون هذا التوفيق؟
لا بد من أن نقر بأن الوقت فيه بركة إذا أحسنا استثماره، فالمصلحة التي تأخذ من الإنسان ساعات لكي يقضيها، قد تأخذ منه وقتًا قليلًا إذا أراد الله له توفيقًا، وإذا كان في الوقت تدبير حاسم.
إن والدي كان صاحب عقلية مرتبة بالدرجة الأولى، محافظة على وقتها بشكل دقيق، وكانت لا تضيع منه لحظة من دون فائدة، وله الحكمة المعروفة «الوقت هو الحياة».
الإمام لم يقصر في واجباته نحو أسرته لحظة؛ لأنه كان مؤمنًا إيمانًا حقًا وعمليًا بقوله -تعالى-: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، (سورة الشعرء:٢١٤)، وحديث النبي ﷺ «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، ولم نشعر في يوم من الأيام أنه أهملنا صحيًا، أو أهملنا من حيث النفقة، أو أنه قصر في حقوقنا إلى درجة أن مطالب الأسرة الفردية بما في ذلك لوازم «المطبخ» كان يدونها في مذكرة خاصة.
فإذا كانت النية خالصة فإن الله يبارك في الوقت، فحينما أريد أن أقنع ابني بمسألة معينة قد أجلس معه عدة ساعات، فيما كانت نظرات الإمام وحدها تقنع من أمامه بفضل من الله وتوفيقه، فعندما كنت في المدرسة ألح على زملائي أن أذهب معهم إلى السينما لمشاهدة فيلم مشهور في ذلك الوقت «طرزان» لكن والدي أقنعني في دقائق بعدم جدوى الذهاب إلى السينما، ومن هنا لم أدخلها طوال حياتي، وهذا توفيق من الله سبحانه وتعالي.
ولا ينبغي لأحد من الدعاة أن يصور الإمام البنا أنه كان يضحي ببيته وأسرته في سبيل الدعوة فقد كان (رضي الله عنه وأرضاه» يستثمر وقته لصالح أسرته ودعوته دون إخلال بواجباته تجاه هذه أو تلك، وعلى المثال في رمضان كان يصلي التراويح بالناس، وحينما كان يقرأ ورده القرآني كان يطلب مني أن أستمع له؛ حيث كنت صغيرًا لا أجيد القراءة، وكان الهدف من لك أن يعلمني وشقيقاتي القراءة الصحيحة للقرآن، وفي الوقت نفسه يراجع ورده الذي سيصلي به، ومن هنا لا ينبغي للدعاة أن يقصروا في حق أولادهم، والإمام البنا تجاوز هذا إلى اهتمامه بتعليم الخادمة؛ حيث كان يعهد إلى الأخت الكبرى أن تعلمها القراءة والكتابة، أو يرسلها إلى مدرسة ليلية.
والدي ألحد أخي وشقيقتي:
لكن يتردد أن أحد أبناء الإمام البنا حينما مرض يوم عيد، وطلبت والدتكم منه أن يبقى في المنزل لهذا السبب فكان رده: «إذا مات فجده أعلم بطريق المقابر» ما مدى صحة ذلك، خاصة أن البعض يحتج بهذه الواقعة في بعض المواقف؟
هذه المقولة غير صحيحة إطلاقًا، فإذا لم يقم بدفن ابنه فمن يقوم، زوجته، أم والدته، أم والده؟
هناك سر أقوله لأول مرة أنه كان لي شقيق يسمى محمد حسام الدين أصيب بالتيفود في عام ١٩٤٧م، وكان هذا المرض في ذلك الوقت ليس له علاج، ولكن شاء الله وتماثل شقيقي للشفاء، ولكن والدتي ترى رؤيا في المنام أن ابنها سوف يقبض بعد (١٥) يومًا، ومرت عدة أيام والطبيب يؤكد أن الولد أصبح بصحة جيدة، وأمي تؤكد بأحاسيسها ورؤياها إلي أن جاء اليوم الخامس عشر وقبض الولد ودفنه الإمام بنفسه، وكتب الأستاذ عبد الحكيم عابدين عضو مكتب الإرشاد، معلقًا: «وإنني ما رأيت الإمام البنا قد حزن على أحد قدر حزنه على ابنه وهو يلحده، إلا على عبد العليم أباظة أحد الإخوان».
وفي مرة أخرى رأت والدتي في رؤياها أن شقيقتي صفاء سوف تقبض، وحددت تاريخ وفاتها بعد (٤) أيام فسجد والدي لله شكرًا، وبعد (٤) أيام قبضت أختي وألحدها الوالد.
الإمام البنا كان شديد العناية بأسرته وأولاده، دعا لهم بكل الخير في حياته، ومات راضيًا عنهم، وترك فيهم أثرًا نفسيًا قويًا، وضح فيهم قول الله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾، (سورة النساء: ٩).
الإخلاص ونقاء القلب:
هناك الكثيرون حتى من المختلفين مع جماعة الإخوان يحبون الإمام البنا، فبماذا تفسرون هذا الحب؟
إخلاص الإمام البنا هو سر هذا الحب؛ حيث كان مخلصًا إخلاصًا مطلقًا لله سبحانه وتعالى، كما كان مخلصًا وصادقًا مع أصدقائه وحتى مع أعدائه، فذات مرة زارني أحد الدبلوماسيين البريطانيين في مكتبي وسألني: لماذا الإخوان يلقون كل هذا التقدير؟ قلت له: لأن الإخوان صادقون حتى مع بريطانيا نفسها إبان احتلالها لمصر، فقد وجه الإمام البنا خلال هذه الفترة نداء إلى شعب المملكة المتحدة، وناشد بريطانيا بعد الحرب العالمية أن تجلو عن مصر، وإلا ستأتي قوة أخرى وهي قوة أمريكا لإجلائها عن المنطقة كرهًا، وطالبها بأن تمنحنا استقلالنا الذي وعدت به أثناء الحرب، ولو أن بريطانيا استمعت إلى هذه النصيحة وتعقلتها ما بكي أنطوني إيدين حينما أصر الأمريكان على انسحابه في حرب ١٩٥٦م، وهذا ما حدث بالفعل.
البنا كان تقي القلب، طاهر الفؤاد، محبًا للناس لا يحمل حقدًا ولا بغضًا لأحد، وتمنى -صادقًا- أن يهتدي الناس بهدي الإسلام، وكان شعاره مع أعدائه قول الرسول ﷺ: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون».
هناك من الذين يتبوءون مواقع المسؤولية ومجالات الثقافة والفكر اليوم، ويردد أنه ذات يوم كان ضمن صفوف جماعة الإخوان، لكنه لم يستمر لسبب أو لآخر، كيف تنظرون إلى هذه المقولة؟
الكتاب والمفكرون لم يعدلوا عن الفكرة والدعوة طعنًا في منهج وقيادة الجماعة، لكن مسار حياتهم الطويل انحني بهم إلى منحى آخر، هؤلاء كانوا مع الجماعة في فترة من الفترات خاصة فترة الجامعة، وعقب تخرجهم في بعثات علمية غابوا عن مصر سنوات معينة، ثم عادوا فوجدوا الإخوان في محنة فنأوا بأنفسهم عن هذه المحنة، ولم يقل أحد أنه خرج من الجماعة لضيق أفقها، وذات مرة ذهبت مع عدد من الكتاب والمفكرين المصريين البارزين لحضور مؤتمر عقد بالكويت للمطالبة بإطلاق سراح الأسرى الكويتيين في العراق، وكل من قابلتهم في هذا المؤتمر أكدوا لي أنهم حينما قرءوا في الإسلام بعمق وجدوا أنفسهم يرددون الكلام الذي قاله حسن البنا منذ سنوات طويلة.
ومن ثم من يدرس الإسلام دراسة صحيحة بلا هوى وبلا عرض سيجد نفسه يردد ما يردده الإخوان المسلمون، جلال كشك دعاني ذات مرة لحضور حفل، وقال: بعد دراستي للإسلام وجدت نفسي أقول ما قاله الإمام البنا، وكذلك إحسان عبد القدوس دعاني ذات مرة لتناول الغداء في منزله وأثني على الإمام البنا ثناء شديدًا، وقال إن الزمن أثبت أن آراء البنا كلها صحيحة.
كتاب الأدب العربي الذين أرخوا له في مصر كتبوا في عامي ١٩٥٣ - ١٩٥٤م مؤكدين أن أكبر مؤثر في الأدب الحديث كان هو ظهور جماعة الإخوان المسلمين، لكن للأسف الشديد انتزعت هذه الصفحات بعد ذلك من الكتب، وعبد الناصر نفسه زار قبر البنا، وشهد بأن البنا كان رجل مبادئ عظيمة، ولكن بعد صدام الثورة بالإخوان ضاعت هذه المعاني.
المشروع كان جاهزًا:
هناك من يشكك في مشروع البنا الفكري متعللًا بأنه أسس الجماعة في ١٩٢٨م، واغتيل في ١٩٤٩م، وهذا عمر قصير لا يستطيع أحد أن يبلور فيه مشروعًا فكريًا، كيف تردون على هذا الرأي؟
المشروع الفكري للبنا كان جاهزًا وحاضرًا، وهو العودة إلى تعاليم القرآن الكريم وسنة النبي ﷺ، وكان هدف الإمام البنا إعادة الشريعة الإسلامية إلى الحكم بعد إقصائها واستبدالها بالقوانين الوضعية، وكان لديه يقين بأن ما وضعه لله -سبحانه وتعالى- أفضل مما يضعه البشر، وكان لديه ثقة في أن مصلحة مصر في التمسك بعروبتها وإسلامها وليس بالنظم الغربية، وثقة في أن القومية العربية جزء من القومية الإسلامية، وليست نقيضًا لها، هذه القضايا كانت واضحة في ذهنه، وكان لديه عمل في فهم الإسلام ودقة في فهم قضايا التشريع الإسلامي، وقد أكد ذلك أساتذة كلية الحقوق بجامعة القاهرة حينما حاضرهم حول مبادي الشريعة الإسلامية، وكان لديه قدرة على هضم وإيجاد الحلول لكل مشكلة فقهية من واقع القرآن والسنة، وحسن استنباط الأحكام.
المشروع كان واضحًا منذ أن كان شابًا، فحينما طلب إليه أن يكتب موضوع الإنشاء في كلية دار العلوم عن أمله في المستقبل قال: «سأكون معلمًا للتلاميذ في الصباح، ومعلمًا للشعب في المساء حتى يفهم الإسلام».
البنا هتف بالدعوة الأكسب، وهي الدعوة الخالدة الشاملة الرائجة لصالح الشعب المصري والأمة العربية، وكانت كلماته ومذكرات ومقالاته التي قدمها -في الإصلاح الاجتماعي والتعليم والقضاء والمرأة- للحكومات المتوالية تعتبر كلمات زاخرة؛ لأنها صدى التنزيل، ومأخوذة من قواعد الشريعة الإسلامية بدقة.
هناك حركات إصلاحية كثيرة سبقت الإمام البنا، لكن لم يكتب لها الانتشار الذي انفردت به حركة الإخوان، فهل يرجع ذلك إلى خصوصيات ترونها؟
الإمام البنا أثنى على جميع الإصلاحيين، واعترف بفضلهم وسبقهم وما أدوه للدعوة، والحقيقة أن الإمام البنا كان زعيمًا ظاهرًا، اعتمد على نفسه وإيمانه بالله -سبحانه وتعالى- ومعونة إخوانه، ليس له مواقف سياسية ملونة أو متناقضة، دعوته متشعبة ومتوازنة في جميع مجالات الحياة (الرياضة، والتعليم، والاقتصاد، والسياسة، والحياة الاجتماعية، والصحة، وغيرها) وجاهد في كل هذه السبل، ووقف ضد كل أنواع الظلم والاستبداد، ولم يدافع عن مصر فقط، بل دافع عن كل قضايا العالمين العربي والإسلامي بعلو همة نادرة؛ حيث أدرك مبكرًا مخططات الاستعمار وكشفها.
وكان نموذجًا متفردًا في التزامه الشخصي، لم يهادن أعداء الإسلام، قتل شهيدًا وهو يدافع عن حياض الأمة، لم يصدر عنه ما يسيء إلى الإسلام، سلوكه كان نادرًا، والدليل على ذلك أنني طلبت من بريطانيا أن أطلع على ملفه الشخصي، لكنها رفضت قائلة: إنها لن تفرج عنه؛ لأن كل ما فيه لصالح هذه الشخصية والدعوة والأمة، كما أن الإمام البنا استعصى على الاحتواء، وظل ثابتًا على دعوته برغم ما عرض عليه من مناصب كثيرة من جهات داخلية وخارجية، وبدون تحيز كان يعبر عن الإسلام تعبيرًا صادقًا، والتاريخ سوف يثبت ذلك حين تسمح الظروف لأتباعه أن يتكلموا عنه بحرية.
يردد بعض المناوئين للإخوان أن الجماعة انحرفت عن المسار الدعوي الذي رسمه مؤسسها، كيف ترون هذا الأمر؟
الإخوان لم ينصرفوا على الإطلاق عن مسار الدعوة الذي انتهجه الإمام البنا، ولم ينحرفوا عن فكره، لكن المطلوب الآن أن يبذلوا جهدًا أكثر في تربية عناصر الإخوان حتى يكونوا من القوة التي تربى عليها أبناء الرعيل الأول، وحتى يكونوا على الدرب نفسه من الثبات والتضحية والإخلاص والفهم، ولا بد من أن ندرك أن الظروف الآن مختلفة عن سابقتها؛ فهم لا يملكون وسائل للتعبير عن أنفسهم، خاصة أنهم محرومون من تشكيل جماعة، أو تكوين حزب، أو إصدار صحيفة، ولو استطاع الإخوان أن يؤسسوا جمعية خيرية لأسسوها، ومع كل هذا فالجماعة تحافظ على نفس نمط وخط البنا، وقد لمست ذلك في كل المواقع التي ذهبت إليها.
خلاصة القول إن الإخوان المسلمين أفكارهم ثابتة، لكن فهم الناس للإخوان هو الذي تغير، الناس كانوا يظنون أنها جمعية دينية فقط، ذات أهداف محدودة مثل غيرها من الجمعيات التي كانت قائمة في ذلك الوقت، وبالتالي لم يقدروا مراميها وأهدافها، كما أن الأحزاب والهيئات لم تقدر هذه المرامي.
موقف الإخوان من الحكومات:
موقف الإخوان من الحكومات المصرية وسياساتها يحتاج إلى إلقاء الضوء، وماذا عن إستراتيجية الإخوان تجاه الحكومات التي تناوئهم؟
موقف الإخوان من الحكومات المصرية قديمًا وحديثًا تبلور في الحدود الآتية:
١- اعتبارها جميعًا مقصرة في تنفيذ أحكام الإسلام وأحكام الدستور.
٢- العمل الدائب في سبيل تصحيح هذا الوضع الخاطئ بالطرق الدستورية.
٣-بذل النصيحة لها في نقد ومعارضة نزيهة عن الغاية إذا أساءت، وفي تشجيع ومعاونة إذا أحسنت من غير ممالأة حتى يتم التغيير المنشود.
والإخوان يعتقدون أن كل حكومة لا تقوم على غير الأصول والقواعد الإسلامية لا يرجى صلاح، ولا تستحق تأييدًا ولا مناصرة، ولهذا يطالبون دائمًا بالتعديل الذي يحقق نظام الحكم الإسلامي بكل مظاهره، والإخوان مع هذا يرون من واجبهم التعاون مع الحكومة التي يأنسون منها استعدادًا صادقًا لتأييد منهاجهم والعمل على تحقيقه.
وموقف الإخوان من الحكومات على اختلاف ألوانها هو موقف الناصح الذي يتمنى لها السداد والتوفيق، وأن يصلح الله بها هذا الفساد، ولقد رسمنا للحكومات المصرية المتعاقبة كثيرًا من مناهج الإصلاح، وتقدمنا لكثير منها بمذكرات في كثير من الشؤون التي تمس صميم الحياة، ولفتنا نظرها إلى وجوب العناية بإصلاح الأداة الحكومية باختيار الرجال، وتركيز الأعمال، وتبسيط الإجراءات، ومراعاة الكفايات، والقضاء على الاستثناءات، وإلى إصلاح منابع الثقافة العامة بإعادة النظر في سياسة التعليم والإعلام، واستدراك نواحي النقص فيها، وتوجيهها الوجهة الصحيحة الصالحة، وإلى إصلاح القانون باستمداده من شريعة الإسلام، ومحاربة المنكر، ومقاومة الإثم بالحدود والعقوبات الزاجرة الرادعة، وتوجيه الشعب وجهة صالحة بشغله بالنافع من الأعمال في أوقات الفراغ، ونحن سنظل في موقف الناصحين حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين.
والخط الذي كان يحكم الإخوان هو مقياس القرآن والسنة، ولم يحكم الإخوان على حكومة بحكم مطلق، فأي تصرف مخالف للشريعة كان الإخوان يعارضونه مع التمسك بالأسلوب القانوني، ومن هنا أقبل الشعب على الإخوان، وانتشرت الدعوة في عامي ١٩٤٧-١٩٤٨م في أوساط الملايين.
وصفوة القول: إن الإمام البنا كان منضبطًا في مواقفه، وداعية يهدف إلى الإصلاح، يحنو على أعدائه، ليس لديه رغبة مظهرية في أن يسجل موقفًا سياسيًا، ناصر أعداءه، النقراشي كان ضدنا واعتقل الإخوان في وزارته الأولى عام ١٩٤٦م، وحينما ذهب إلى مجلس الأمن ليناصر قضية الأمة ويطالب بإنهاء الاحتلال أيده الإخوان، وأبرقوا بمساندته، وهذا ما يؤكد أن الإخوان يفرقون بين المواقف الداخلية ونظيراتها الخارجية.
ماذا تقولون بشأن مسألة اغتيال الإمام البنا في ذكراه؟
مسألة الاغتيال لا أريد أن أتحدث فيها حتى لا ألقي الكلام على عواهنه، لعل الأيام تؤيد الكلام الذي نعتقده، فاغتياله لم يكن عملية داخلية -كما يعتقد البعض-، ولم تكن عملية اغتياله في مقابل اغتيال النقراشي، فهي عملية مدبر لها من الناحية الدولية، والشيء المؤكد أن أبعادها كبيرة حيث نفذتها أيد داخلية بإيعاز من أوامر خارجية، وهذا يحدث في كثير من المؤامرات إبعادًا للشبهة عن الجهات التي من صالحها اغتيال الزعماء.
بمناسبة ذكر اغتيال النقراشي ترددت أقاويل كثيرة في هذا الشأن، ما رأيكم خاصة بعد دراستكم المستفيضة لهذه الحقبة؟
حادث النقراشي لا بد أن يفهم في سياقه، الجيوش العربية في عام ١٩٤٨م كانت منتصرة وبيدها زمام الموقف، وكان كل يوم يمضي یزیدها ظهورًا وتمكينًا، وحينما ظهر رجحان كفة الجيوش العربية والمتطوعين خاصة من جماعة الإخوان المسلمين اجتمع مجلس الأمن لوقف القتال في فلسطين، والضغط على الدول العربية لقبول هذا القرار، وكانت شروط الدول العربية في ذلك الوقت لقبول قرار -وقف القتال، نزع السلاح من اليهود، ووقف الهجرة إلى فلسطين، وإلغاء قرار التقسيم، وسحب الاعتراف بدولة "إسرائيل" المزعومة.
ومن هذا يتضح أن العرب كانوا من القوة للقضاء على "إسرائيل"، وكانت الفرصة سانحة أمامهم لتحرير فلسطين، ورأت الحكومة المصرية بقيادة النقراشي قبول قرار مجلس الأمن، والأدهى من ذلك توقيع أول هدنة مع "إسرائيل" في ردوس.
يضاف إلى ذلك أن حكومة النقراشي كانت -قبل ذلك بفترة وجيزة- قد ارتكبت أكبر مذبحة ضد الوطنيين المطالبين باستقلال مصر، حينما فتحت كوبري عباس، وتتضاءل أمام هذه المذبحة مذبحة المماليك، كل هذه العوامل جعلت مشاعر الوطنيين جميعًا ضد السياسة التي انتهجها النقراشي؛ لأنها كانت ضد إرادة الأمة كلها، حيث بسبب الهدنة طردت "إسرائيل" العرب، وأخرجت الأسر العربية عرايا من بيوتهم في حيفا ويافا وعكا؛ لكي تنفذ قرار التقسيم عام ١٩٤٧م، ومن هذا قتل النقراشي، ولا صلة بين مقتل النقراشي وقرار حل جماعة الإخوان المسلمين.
في تقديركم هل حصل الإمام البنا على التقدير الذي يستحقه؟
للأسف لم تعط هذه الشخصية العبقرية حقها، مع أنها فخر لمصر كلها وليس لطائفة منها، وقمة من قمم التاريخ المصري والعربي والإسلامي، يجب أن يدرس تاريخه؛ لأن تاريخ أي أمة هو تاريخ ما ظهر منها من عباقرة الرجال والعلماء والعظماء، وهؤلاء العظماء يمتد نفعهم إلى الإنسانية كلها.
هذا التقدير أيضًا لم ينله والد الإمام حسن البنا صاحب مؤلف الفتح الرباني ومحدث القرن الرابع عشر، فقد مكث (٣٠) سنة متواصلة يؤلف فيه، ويخرج أحاديثه، وبذل فيه جهدًا علميًا خارقًا، وكانت هذه أمنية يتمناها علماء الحديث منذ سنة (٦٠٠) هجرية، وكان هذا الرجل خطيبًا بارعًا ومفوهًا، حفظ القرآن الكريم، وتخصص في العلوم الشرعية، لكن مصر لم تقدره، وكبار علماء الحديث كان إذا حار الواحد منهم في حديث ما يرجع إلى جدي، كان رجلًا قمة في علم الحديث، والغريب أن الهيئة العامة للكتاب نشرت كتابًا تحت عنوان «مختارات من السنة» جاء فيه عبارات (يقول صاحب الفتح الرباني) دون أن يذكر اسمه، هذا شيء مؤسف، كما أن وسائل الإعلام تقلب الحقائق؛ فتؤرخ لمن لا يستحق، وتتجاهل الذين سجلوا صفحات خالدة من تاريخ مصر في النواحي الفكرية والوطنية والعبقرية، ولكن أحدًا لن يستطيع أن يطمس الحق والحقيقة، وستظهر الأيام القادمة هذه الصفحة الناصعة.
حركة الإخوان لها آثار وبصمات كثيرة، هل توضحون جانبًا منها؟
حركة الإخوان هي حركة حق، وحركة إسلام، وحركة دائمة وثابتة، وهي حركة الرسول ﷺ، تمسكها بالقرآن جعلها حركة محفوظة وباقية ما بقي القرآن، والقرآن باقي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإذا وجد المؤمن وجدت معه عوامل النجاح، والإخوان دائمًا منتصرون، وآثارهم واضحة وعديدة، فتعديل الدستور بجعل الشريعة هي المصدر الرئيس للتشريع هو نصر كبير، نادت به جماعة الإخوان، كذلك أوجدت جماعة الإخوان بعض العادات والتقاليد الاجتماعية، وفرضت بعض المظاهر الإسلامية على المجتمع المصري، كما أحدثت حركة تأليف مزدهرة في الفقه الإسلامي، وأصبح هناك اليوم قضاة يؤمنون بالشريعة الإسلامية، كما أثرت جماعة الإخوان المسلمين في الحياة الأدبية المصرية، وجعلت كبار الكتاب والأدباء يكتبون في المعاني الإسلامية، الأمر الذي أوجد تيارًا أدبيًا يمجد التاريخ الإسلامي وصحابة الرسول ﷺ في وقت لم يكن هذا هو اتجاههم الأصلي.
إضافة إلى ذلك كانت هناك موجة استعمارية عارمة تجتاح الأمة العربية والإسلامية في المجالات الثقافية والتعليمية والتنصيرية والاجتماعية والصحفية والفنية؛ بهدف هدم القواعد الإسلامية، فكانت المواجهة الحقيقية من خلال الإخوان المسلمين ومن فكر بفكرهم، وإلى جانب ذلك هناك العديد من مظاهر الصحوة الإسلامية في مجالات متعددة وفي جميع الأوساط.
فلسطين في فكر الإخوان:
يقول الإمام البنا: «مادام في فلسطين يهودي واحد يقاتل فإن مهمتكم لم تنته بعد» في ضوء هذه المقولة كيف فهم البنا قضية فلسطين، وكيف استطاع أن يجعلها في بؤرة اهتمام الإخوان؟
قضية فلسطين هي قضية اغتصاب فاليهود، قوم مغتصبون وعرض القضية باعتبارها قضية اغتصاب، ولا حق لليهود في الإقامة بفلسطين هو الطرح السليم، واليهودي الذي له الحق في الإقامة هو من كان موجودًا قبل الاحتلال الإنجليزي لفلسطين بعد الحرب العالمية الثانية، وقبل حركة الهجرة إليها، وتلك هي مقاييس القوانين الفرنسية والأمريكية والبريطانية، الحقيقة المريرة: أن الفلسطينيين طردوا خارج وطنهم، والذين ليس لهم حق الإقامة حلوا محلهم، ومن هنا فهي قضية ظلم بين، وغبن لا تقبله أي دولة في العالم، وبالتالي لا بد للمسلمين وأحرار العالم جميعًا أن يدافعوا عن هذه القضية، وهذه هي نظرة الإخوان.
والإخوان هم أول من نبهوا إلى خطورة القضية، وأول من شاركوا فيها، وأول شهید سقط على أرض فلسطين كان من الإخوان، وأول صحيفة صودرت بسبب طبعها لكتاب «النار والدمار» في مطبعتها كانت صحيفة النذير الإخوانية، وأول مظاهرة لصالح فلسطين نظمها الإخوان عام ١٩٣٦م، بينما لم يكن هناك أي اهتمام بهذه القضية، حتى أن رئيس وزراء مصر محمد محمود عام ١٩٣٩م حينما سئل قال: «أنا رئيس وزراء مصر وليس رئيس وزراء فلسطين».
والإخوان هم أول من بث روح القومية العربية في هذه الأمة، ودافعوا عن فلسطين وهي قضيتهم المركزية، ولن يتوقفوا عن مناصرتها والدفاع عنها، وأصبح من الفلسطينيين من يحمل فكر الإخوان.
ولم يثق الإخوان في اليهود لحظة واحدة، وهم ضد أي سلام مع "إسرائيل"، والهدنة الأولى التي وقعها النقراشي كانت أكبر خطأ في تاريخ مصر، فقد أعطت "لإسرائيل" فرصة العمر للاستقرار والبناء على هذه الأرض، ثم لإقامة دولة بعد ذلك، ثم لتكوين الجيوش التي أطاحت بالأمة العربية، وكان من رأي الإخوان عدم الاعتراف "بإسرائيل" بأي حال من الأحوال، وقد أبلى فدائيو الإخوان في حرب ١٩٤٨م بلاء حسنًا، ولو ترك لهم حق الاستمرار في قتال اليهود لحال العمل الفدائي دون قيام دولة "إسرائيل".
و"إسرائيل" اليوم تهدد المنطقة كلها، وهو ما توقعه الإخوان من قبل بأن الخطر ليس فقط على فلسطين، بل على العالم العربي كله، وهذه هي النظرة
الصائبة، وأخيرًا قاوم الإخوان اتفاقات غزة وأريحا، وأوسلو، ومدريد، وواي بلانتيشن، بل قاوموا الخيار السلمي مع "إسرائيل".
نجل الإمام البنا يتقدم بطلب للحكومة المصرية لإحياء ذكري والده:
بمناسبة الذكرى الخمسين لاغتيال الإمام الشهيد حسن البنا تقدم نجله الاستاذ أحمد سيف الإسلام أمين عام نقابة المحامين، وعضو مجلس الشعب السابق- بطلب إلى وزارة الداخلية المصرية -الأسبوع الماضي- للتصريح له بإقامة احتفالية لإحياء ذكرى الإمام الشهيد، وتعد هذه المرة الأولى التي يتقدم فيها نجله بهذا الطلب، وفي حالة الموافقة فمن المقرر -كما صرح سيف الإسلام للمجتمع- أن يقام احتفال موسع يدعى إليه الكثير من الشخصيات الإسلامية والوطنية العالمية للحديث فيه عن مأثر حكومة الإمام ومناقبه، وجهوده الإسلامية والإنسانية، باعتبار أن الإمام هو أحد الشخصيات التي قدمت أجل الخدمات لمصر والعالم العربي والإسلامي، وذلك بحسن عرضها لمبادئ الإسلام الحنيف بما يناسب ظروف العصر ومقتضياته، وأعرب سيف الإسلام عن أمله في أن توافق الحكومة على هذا الطلب، ومن المعروف أن اللواء محمد نجيب كان قد زار قبر الإمام البنا في ١٩٥٣م، وألقى كلمة تأبين أشاد فيها بفكر الإمام ومواقفه الوطنية، وهو الأمر ذاته الذي فعله الرئيس جمال عبد الناصر في عام ١٩٥٤م، كما أن الرئيس السادات له كتابات منصفة عن الإمام البنا.
كيف دخل الفكر السياسي الإسلامي جامعة القاهرة؟
في تصديره لكتاب «سلوك المالك في تدبير الممالك» كتب الدكتور حامد ربيع -رحمه الله-: «برغم مضي قرابة ثلاثين عامًا، فلا أزال أذكر ذلك اليوم الذي قادتني فيه الأقدار لأن التقي بالشيخ حسن البنا، كنت صبيًا، وكان يجلس إلى جواري قريب كان يشعر بما تعتمله نفسي من تمزقات، ونظر إليَّ الشيخ الوقور وقال عقب فترة صمت: اذهب يا بني وأكمل ثقافتك، وانهل من مصادر العلم، فنحن في حاجة إلى مثلك» وتمضي الأيام وأقضي قرابة عشرة أعوامًا معتكفًا في «دير سان فرانشيسكو» على مشارف روما بمدينة الفاتيكان، وأعود إلى العاصمة التي عرفت طفولتي، ولأنتمي إلى أعظم جامعة في الشرق الأوسط، وتبدأ قصة جديدة من المعاناة، كيف أدخل الفكر السياسي الإسلامي في تلك الجامعة، وعلى وجه التحديد في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية؛ حيث لا يزال يتألق فيها الفكر والكهنوت الكنسي؟
وتقف مني جميع العقبات، إن جهالة القرن العشرين التي يتصدرها ويحمل لواءها مدعو الثقافة العلمية تأبى علينا أن نعود إلى تقاليدنا وتراثنا، ولكنني أشعلها حربًا بلا هوادة، وإذ أرى من حولي قلوبًا خاوية، وعقولًا جاهلة، ونفوسًا ضعيفة، فإن هذا لن تكون له من نتيجة سوى زيادة في الإصرار وقوة في الصمود، إن من يعارض ذلك ليس إلا شخص سيئ النية، عميل للقوى الأجنبية التي يعنيها أن تظل أمتنا على حالها من الجهل والتجهيل، فهل يستطيع أولئك الذين على عاتقهم هذا الواجب أن يخرجوا سيوفهم، وأن ينضموا إلى جيش التحرير الفكري؟
والدكتور ربيع -رحمه الله- كان علمًا من أعلام الفكر السياسي؛ إذ عمل أستاذًا لكرسي النظرية السياسية، ورئيسًا لقسم العلوم السياسية، ومديرًا لمركز الدراسات الإنمائية بكلية الاقتصاد جامعة القاهرة، ورئيسًا لقسم الدراسات القومية بمعهد الدراسات العربية، وأستاذًا حرًا بجامعة روما، وحصل على درجة الدكتوراه في العديد من الموضوعات ولذلك كان يلقب بالدكاترة حامد ربيع، ويرجع إليه الفضل الأول في إدخال الفكر الإسلامي إلى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية وسط أجواء غاية في الصعوبة.
أخيرًا تراث الإمام البنا في طريقه إلي النور:
في الفترات السابقة حالت المحن والابتلاءات التي تعرضت لها جماعة الإخوان المسلمين دون جمع وترتيب تراث الإمام الشهيد حسن البنا، وبالتالي لم يظهر للنور منه إلا نسبة ضئيلة تمثل (٥٪) فقط فيما بقيت الـ(٩٥٪) محجوبة عن الظهور، ومن هنا يعكف الآن نجله الأستاذ سيف الإسلام على جمعه وترتيبه، في محاولة لإخراج التراث كاملًا إلى حيز الوجود، في أشكال متعددة، منها: الكتاب، والإسطوانات الصوتية والمرئية، مصحوبة بفهارس تعين القارئ على معرفة رأي الإمام البنا في الموضوعات التي تناولها خلال حياته، وليست هذه هي المرة الأولى التي تبذل فيها محاولات لجمع تراث البنا؛ فقد كانت هناك محاولات في الستينات، لكن الحكومة حينذاك صادرت ما طبع منه مثل كتاب عن: «السلام في الإسلام»، وفي عام ١٩٦٥كانت هناك محاولة ثانية، ولكنها لم تنجح، وألقت الحكومة القبض علي سيف الإسلام، وصادرت كل ما جمعه.
وفي ظل مناخ الحرية المتاح الآن -نسبيًا- يستثمر سيف الإسلام هذه الظروف لجمع وترتيب التراث الذي انتهى منه بالفعل منذ أول مقال كتبه الإمام في صحيفة الفتح علم ۱۹۲۸م، تحت عنوان: «الدعوة إلى الله» وحتى آخر مقال كتبه في صحيفة الإخوان اليومية التي صدرت في أول ديسمبر ١٩٤٨ يحمل عنوان: «بين المنحة المحنة».
ويتكون تراث الإمام البنا من الكتابات التي كتبها في التفسير، والحديث، والفتاوى، ورأيه في التصوف، والمرأة، والشباب، والإصلاح الاجتماعي، والقضايا السياسية، والنواحي الأدبية، وقضايا الأمة الإسلامية، وما كتبه في صميم دعوة الإخوان، والفكر الإسلامي، هذا بالإضافة إلى خطب الإمام وكلماته التي ألقاها في المنتديات والمؤتمرات والندوات، وما كتبه من مذكرات شخصية، والبيانات الصادرة عن جماعة الإخوان في عهده رضي الله عنه.
ومن أهم مصادر جمع التراث: صحف ومجلات الإخوان، ممثلة في صحيفة الإخوان اليومية، ونظيرتها الأسبوعية، وصحف النذير والشهاب، والمنار وغيرها من الصحف المختلفة.
ويعد نشر هذا التراث بمثابة إضافة مهمة وجوهرية في مجال إثراء المكتبة الإسلامية، ويقدم صورة متكاملة عن مشروعه الفكري ومواقفه ورؤاه الوطنية والإسلامية، التي اعتمد فيها على التأصيل والعودة إلى الكليات دون الفرعيات.
ألقاب الإمام حسن البنا
أصولها التاريخية، أبعادها الاجتماعية، ودلالاتها الثقافية
القاهرة: المجتمع.
شهادات من معاصريه
محب الدين الخطيب: أمة وحده.
حسنين مخلوف: من أعلام الدين والسياسة.
صاحب تفسير الجواهر: أضفى على دعوة اليقظة عنصر الجندية، ورد إلى الحركة الوطنية عنصر الإسلامية.
جرت العادة في تاريخ الجماعات والشعوب والأمم أن الناس يمنحون القادة والزعماء أوصافًا ترمز إليهم، ويطلقون عليهم ألقابًا تدل عليهم، إضافة إلى ما قد يكون لهم من أوصاف وألقاب رسمية، وذلك إما لتمجيدهم أو خوفًا منهم وتعلقًا لهم، مثلما يحدث مع الزعماء السياسيين، وإما لتكريمهم وحبًا لهم وتخليدًا لذكراهم، وفاء لتضحياتهم واعتزازًا بجهادهم من أجل رفعة أوطانهم واسمهم، وعادة ما يكون منح اللقب أو إضفاء الصفة بدافع الخوف والرجاء إذا كان الشخص الممنوح حيًا، وبخاصة إذا كانت له قوة أو سلطان وسطوة، أما إذا أضفى الناس صفة حميدة أو لقبًا جليلًا على الشخص بعد موته فذلك دليل على حبهم له واعتزازهم بفضله.
وعندما اغتيل الإمام حسن البنا في فبراير ١٩٤٩م كان في عنفوان شبابه في الثالثة والأربعين من عمره، وكان ذلك بعد عشرين عامًا فقط من تأسيسه لجماعة الإخوان المسلمين، وقد استطاع في ظرف عقدين من الزمان أن يضع علامة فارقة في مجرى حركة الإحياء والنهضة الإسلامية المعاصرة من قاعدة النشاط الاجتماعي والإرشاد الأخلاقي إلى قمة العمل العام، وريادة حركة الإصلاح الاجتماعي والسياسي ليس في مصر وحدها، وإنما في الشرق الإسلامي كله، كما استطاع -بتوفيق من الله له ثم بمثابرته وإخلاصه- أن يضع نفسه في مصاف كبار رجالات العصر وعظمائهم من قادة الفكر والسياسة، وزعماء الوطنية ورواد الإصلاح والنهضة، بل إن وقائع سيرته توضح أنه سبق الكثيرين منهم، وترك أثرًا باقيًا ممتدًا في شتى بقاع الأرض قوامه الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
وفي مسيرة عمره التي كانت قصيرة بعدد السنين مليئة بالأعمال والإنجازات اكتسب الإمام حسن البنا عددًا من الألقاب التي اقترنت باسمه بصفة رسمية، وذلك أثناء حياته، أو بصفة تلقائية وذلك بعد استشهاده، وكل لقب منها يعكس جانبًا أو أكثر من جوانب حياته، أو يلقي الضوء علي مجال من مجالات نشاطه، أو يرمز إليه عامة، ولعل أهم تلك الألقاب مضافة إلى اسمه هي كالتالي:
١-حسن أفندي البنا.
٢-الشيخ حسن البنا.
٣-الإمام حسن البنا.
٤-الأستاذ حسن البنا.
٥-المرشد العام حسن البنا.
٦-الشهيد حسن البنا.
ومعظم هذه الألقاب قد منحت له بصفة غير رسمية بعد استشهاده، ولم يكن له من الألقاب الرسمية في حياته سوى لقب «أفندي» ولقب «المرشد العام» وفيما يلي مزيد من التفاصيل:
حسن أفندي، كلمة «أفندي» أصلها يوناني Ofentis، ومعناها «برنس» أو «أمير» ولكنها استخدمت في مصر كلقب اجتماعي، وبخاصة خلال النصف الأول من القرن العشرين، وكان يمنح رسميًا لخريجي المدارس المدنية الحديثة، ولم يكن يمنع لخريجي الأزهر الشريف، ولا لخريجي دار العلوم، إذ كان هؤلاء وأولئك يمنحون لقب «شيخ» ولكن الذي حدث هو أنه في سنة ١٩٢٧م صدر قرار بمنح خريجي دار العلوم لقب أفندي «بدلًا» من لقب «شيخ» وكانت تلك السنة هي التي تخرج فيها حسن البنا في كلية دار العلوم، فكان من أوائل خريجيها الذين حملوا لقب «أفندي» رسميًا.
وكان لقب أفندي له دلالة ثقافية تشير إلى مستوى تعليمي متوسط أوعال خلال تلك الفترة، أما اجتماعيًا فكان يشير إلى مثقفي الطبقة الوسطى ومنظميها الذين كانوا يرتدون البدالة والطربوش، إلا أن الغالب في هذا اللقب هو أنه يشير إلى الذين تخرجوا في المؤسسات التعليمية الحديثة أكثر من كونه محددًا لمعالم طبقة اجتماعية ما، وعلى أي حال فقد عرف به الإمام حسن البنا لفترة مبكرة محدودة من حياته عقب تخرجه في دار العلوم، وعمله مدرسًا في المدارس «الإلزامية» الابتدائية في الإسماعيلية أولًا، ثم في القاهرة بعد ذلك.
الشيخ حسن: كان لقب «شيخ» يمنح رسميًا لخريجي دار العلوم إلى ما قبل السنة التي تخرج فيها الإمام حسن البنا، حيث حل محله لقب «أفندي» كما سبق أن ذكرنا، ومع ذلك فقد عرف «بالشيخ حسن البنا» بل إن لقبه الرسمي «أفندي»، سرعان ما تراجع لصالح لقب الشيخ، وذلك اعتدادًا من الناس بعلمه، وبتفقهه في الدين، وتكريسه حياته في سبيل الدعوة إلى الله تعالى، فلكل ذلك صار يلقب بهذا اللقب، وبهذا المعنى مازال يشار إليه حتى الآن كلما ورد ذكره، أو أتت سيرته، أما المعنى اللغوي لكلمة «شيخ» وهو من «استبانت فيه السن أو بلغ خمسين سنة فما أكثر إلى آخر عمره» فلا ينطبق على البناء حيث قضى وعمره ثلاث وأربعون سنة فقط.
الإمام البنا: يحمل لقب «إمام» كثيرًا من المعاني الدينية والدلالات السياسية، وهو من أقدم الألقاب الإسلامية من الناحية التاريخية؛ إذ بدأ استخدامه منذ فرضت «الصلاة»، وأطلق على الذي يؤم الناس فيها، وأثر عن الرسول ﷺ قوله: «وإنما جعل الإمام ليؤتم به» ثم صار يطلق أيضًا على الخليفة أو أمير المؤمنين واستعمله الفقهاء، وكتاب الحكمة السياسية في مؤلفاتهم، وهو ما عبروا عنه بالإمامة العظمي».
«وإمام» الناس هو سابقهم وقدوتهم الذي يقتدون به، ويتبعونه في أقواله وأعماله، وقد سبق الشيخ حسن البنا معاصريه في شؤون الفكر والدعوة والفهم الشامل للإسلام، وفي الربط بين القول والعمل، واستطاع أن يمارس دعوته من خلال حركة شعبية منظمة أسسها وصاغ رؤيتها، واجتذب قطاعات واسعة من المجتمع المصري، وانطلقت خارجه إلى المجتمعات العربية والإسلامية في غضون سنوات قليلة، وقدر أتباعه من أعضاء جماعة الإخوان في مصر وحدها عشية اغتياله بنصف مليون عضو، وقد شاع استخدام لقب الإمام حسن البنا عقب استشهاده تكريمًا له، واعترافًا بمكانته الرفيعة وبجهوده الكبيرة التي بذلها في سبيل الدعوة إلى الله، وتحرير الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي، ولم يحظ بلقب إمام في التاريخ الحديث لمصر على هذا النحو سوى الإمام محمد عبده الذي اشتهر باسم «الاستاذ الإمام» على حد وصف السيد رشيد رضا له في عنوان سيرة حياته «تاريخ الأستاذ الإمام» وكثيرون من أتباع الشيخ حسن البنا لايزالون في انتظار من يكتب «تاريخ الأستاذ الإمام حسن البنا» ولو بعد مرور نصف قرن على استشهاده.
الأستاذ البنا: كلمة «أستاذ» أصلها أعجمي مشتق من الفارسية، ومعنى الأستاذ هو «الماهر العظيم الجامع لدين الأنبياء، وتدبير الحكماء، وسياسة الملوك» ولكن المصريين استعملوا هذه الكلمة كلقب للمدرس الذي يعلم تلاميذ المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية، وقد كان الشيخ حسن البنا مدرسًا إلزاميًا منذ تخرجه في دار العلوم سنة ١٩٣٧م إلى أن استقال من عمله في سنة ١٩٤٦م ليتفرغ لشؤون الدعوة وقيادة الجماعة.
كما كان -رحمه الله- حانقًا ماهرًا في كل عمل من أعماله، وكان حكيمًا في قيادته وسياسيًا من الطراز الأول، وذلك بشهادة كبار شخصيات عصره من العلماء والمفكرين، ومنهم على سبيل المثال: السيد محب الدين الخطيب صاحب مجلة الفتح الشهيرة الذي وصفه بأنه «أمة وحده» وقال عنه الشيخ حسنين مخلوف مفتي مصر سابقًا، «وإنه كان من أعلام الدين والسياسة»، كما أن الأئمة في مختلف العهود كانوا أعلام دين وسياسة، أما الشيخ طنطاوي جوهري العالم الأزهري صاحب تفسير القرآن المعروف باسم الجواهر، فقد قال عن الشيخ حسن البنا: «إنه مزاج عجيب من التقوى والدهاء السياسي، إنه قلب علي وعقل معاوية، وإنه أضفى على دعوة اليقظة عنصر الجندية، ورد إلى الحركة الوطنية عنصر الإسلامية».
المرشد العام: هو أهم ألقاب الشيخ حسن البنا، وأكثرها تميزًا على الإطلاق، وأهميته ترجع إلى أسباب عدة منها أنه اللقب الرسمي الذي سجلته الوثائق الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين منذ السنوات الأولى لنشأتها، وأهمها لائحة النظام الأساسي للجماعة، ومحاضر اجتماعات هيئتها التأسيسية ومكتب إرشادها، وغير ذلك من الرسائل والخطابات الرسمية التي صدرت عنها.
غير أن أهمية لقب «المرشد العام» ترجع -بصفة أساسية- إلى مجمل الظروف والملابسات التي اتسمت بها الحقبة الزمنية التي عاصرها الشيخ حسن البنا من حياة الأمة الإسلامية، ومصر في القلب منها، وألقاب القادة والمصلحين والزعماء عادة ما تشير إلى ما يتطلع إليه جمهور الأمة أو الشعب، وفي مصر كانت الحاجة قد أضحت ماسة إلى ظهور «مرشد» يقودها في نهضتها الفكرية والإسلامية، وبخاصة بعد رحيل محمد عبده في مطلع القرن ١٣٣٢هـ - ١٩٠٥م.
وثمة أقوال كثيرة تعبر عن التطلع لظهور هذا المصلح أو المرشد منها ما كتبه الأستاذ الإمام محمد عبده نفسه يقول: «إن الكبار من الرجال هداة في أممهم، وإنما يظهر أثرهم في إرشادها، والسير بها في الطريق المؤدية إلى الغاية التي تطلبها، وإن الشرق في حاجة إلى رجل كبير يحس ويتألم وينفعه الألم إلى أن يتكلم، بل تحمله شدة الألم على أن يجاهد قومه، وهم أحب الناس إليه، ويقاتلهم ليدفعهم عن موارد الهلكة، وهم أعز الخلق عليه».
وبالعودة إلى لقب «المرشد العام» نجد أن له دلالات ثقافية وتداعيات ذهنية كثيرة، منها ما يتصل بالأصل اللغوي لكلمة «رشد» حيث يدور معناها حول الهداية إلى طريق الصواب، وإصابة وجه الأمر طبقًا لما ورد في «لسان العرب» ومنها ما يتصل بعلاقة المريد بشيخة ومرشده والعكس.
وأيًا كان الأمر فقد ثبت الشيخ حسن البنا لقب «المرشد العام» على غير سابق مثال في ساحة الدعوة إلى الله، وفي ميدان العمل السياسي أيضًا إذ لم يعرف أحد من رواد الإصلاح، ولا من قادة الحركة الوطنية بشكل عام بمثل هذا اللقب أو بلقب يقترب منه وتفرد به «المرشد العام للإخوان المسلمين» وصار لقبًا من بعده أن تولوا منصبه ابتداء من الأستاذ حسن الهضيبي إلى الأستاذ مشهور المرشد العام الحالي للجماعة.
المجتمع تنفرد بنشر نص نادر للإمام البنا
الورد الوطني.
بعد مرور نصف قرن على استشهاد الإمام حسن البنا لايزال كثير من معالم جهاده الوطني ضد الاستعمار مجهولًا، ومن ذلك صفحة جهاده ضد الاحتلال البريطاني لمصر، وصفحة جهاده ضد الصهيونية الآثمة في فلسطين وصفحات جهاده ضد الاستعمار في مختلف البلدان العربية والإسلامية التي ابتليت به، كل تلك لا يزال بعيدًا عن أضواء البحث، ولم يحظ بنور المعرفة برغم كثرته وبرغم أهميته القصوى ليس فقط لشخص «حسن البنا» ولا للجماعة التي أسسها وقادها، وإنما للوطن بأكمله والأمة جمعاء باعتبار أن هذا الجهاد دليل على قوة إرادتها، وصلابة أبنائها وتفانيهم في الذود عنها، وهذا الجهاد هو في كل الأحوال صفحة مجيدة من صفحات تاريخها الحديث.
ولسنا هنا بصدد فتح ملف الإعمال أو التكاسل أو الصد من القيام بالمهمة العلمية والأكاديمية التي يستحقها الموضوع، كما أن المقام ليس مقام الرد على بعض العلمانيين والمتمركسين -بصفة خاصة- الذين احترفوا تزييف حقائق التاريخ، واختزال وقائعه لخدمة غرض سياسي أو حزبي ضيق، فهذه قضايا تحتاج إلى كثير من الجهد والوقت فقط نهدي قراءنا الأعزاء نصًا نادرًا، كتبه الإمام حسن البنا منذ أكثر من نصف قرن كجزء من جهوده في تعبئة المشاعر الوطنية، وشحذها ضد الاحتلال الأجنبي للمجتمعات العربية والإسلامية، وفي مقدمتها الاحتلال البريطاني لمصر، وقد أطلق على هذا النص اسم «الورد الوطني» قاصدًا بذلك توظيف الرصيد الإيماني والشعور الديني المتغلغل في أعماق أبناء الأمة لخدمة القضية الوطنية والنضال ضد الاستعمار ولبراعته -كعادته- فقد مزج بين كلمة «الورد» ذات المغزى الإيماني مع كلمة «الوطني» ذات المغزى السياسي، ليقدم من تحتهما أقوى شحنة معنوية لأهم قضايا الساعة.
لقد وضع الإمام البنا هذا «الورد الوطني» ملخصًا فيه آمال التحرر والاستقلال، ومبسطًا إياها في كلمات قليلة وواضحة حتى يدركها كل مواطن من عامة الناس قبل خاصتهم، وأمر بأن يقوم دعاة الإخوان المسلمين وشبابهم النشيطين بتحفيظ هذا الورد للناس، وتذكيرهم به وأوله قراءة سورة الفاتحة التي يقرؤها كل مسلم في صلاته مرات عديدة يوميًا، وفيما يلي نص الورد الوطني كاملًا:
(﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)﴾ آمين (سورة الفاتحة).
الجلاء، والسودان، والدين، والقناة، والحرية، والاستقلال، والوحدة العربية، والجامعة الإسلامية، وفلسطين الشهيدة، وإندونيسيا المجاهدة، والمغرب العزيز، وإخواننا من المسلمين في كل مكان- اللهم إن هؤلاء الغاصبين من البريطانيين والاستعماريين قد احتلوا أرضنا، وجحدوا حقنا، وطغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، اللهم فرد عنا كيدهم، وفل حدهم، وفرق جمعهم، وخذهم ومن ناصرهم، أو أعانهم، أو هادنهم، أو وادهم- أخذ عزيز مقتدر، اللهم واجعل الدائرة عليهم، وسق الوبال إليهم، وأزل دولتهم، وأذهب عن أرضك سلطانهم، ولا تدع لهم سبيلًا على أحد من المؤمنين، آمين).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل