العنوان موضع الأمّة في الإسلام
الكاتب هشام جعفر
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أغسطس-1998
مشاهدات 63
نشر في العدد 1312
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 11-أغسطس-1998
- الأمة توكل السلطة للقيام ببعض المهام والاختصاصات وهي فكرة أرقى من التمثيل النيابي في الديمقراطية الغربية.
- المسلمون مطالبون بتشخيص تعاليم الإسلام في واقعهم الموضوعي أي تحويل الفكرة المجردة إلى واقع.
الأمة في الرؤية والتصور الإسلاميين تتكامل فيها عناصر أربعة هي:
أ- جماعة يسودها الإيمان بالمقومات الأساسية للدين الإسلامي، أو مرجعية الإسلام، هذا الإيمان يتخذ معنى عقيديًا عند المسلم وقد يتخذ معنى حضاريًا/ ثقافيًا عند غير المسلم.
ب- هذه الجماعة تملك إدراكًا واحدًا في كلّما له صلة بهذه المرجعية، وأهمها بالطبع الخضوع لهذه المرجعية، واحترام ما ينبثق عنها كنظام متكامل للسلوك الفردي والجماعي، الذي تجسده الشريعة.
جـ- يلف جميع عناصر تلك الجماعة مبدأ التضامن، بما يعنيه ذلك من سيادة قيم التراحم والتعاون والتعارف ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات:13).
د- محور الوظيفة الحضارية لتلك الجماعة المتضامنة هو مفهوم «الدعوة» بما يعنيه ذلك من سعي الالتزام بتلك المرجعية في السلوك الفردي والجماعي، واتخاذها أساسًا لبناء النظم، وهذا الالتزام بالمرجعية هو سبيل تحقيق الشهادة على العالمين: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة:143).
إن مصير الأمة- بهذه المقومات الأربعة- لا يمكن فصله عن مسار العقيدة/ الدعوة، فكل قوة للأمة تنقل العقيدة/ الدعوة، فكل قوة للأمة تنقل العقيدة/ الدعوة نقلات كبرى في أرض الواقع والعكس صحيح أيضًا، وتظل في كل الأحوال العقيدة/ الدعوة مبعث الحيوية والتجديد للأمة.
الأمّة قوام الدين: هذا الترابط بين العقيدة/ الدعوة وبين الأمة مبعثه حقيقة جوهرية في التصور والرؤية الإسلاميين هي أن الأمة هي الوعاء الجماعي المطلوب منه شرعًا أن يجسد تعاليم الدين في أرض الواقع، فالأمة هي «قوام الدين» وليس السلطة، فهي المخاطبة بشرائعه وأحكامه، وهي المنوط بها تحقيقه وتطبيقه.
إن كون قوام الدين لا يتحقق إلا بالأمة قد جعل منها- أي الأمة- «قيمة عليا» ثابتة تتجاوز الحقيقة التاريخية الموقوتة أو الشكل النظامي أو المؤسسي الذي يجسدها «دولة أو سلطة»، لذا فقد اكتسب مفهوم الأمة في الخبرة الحضارية الإسلامية استمرارية تاريخية بغض النظر عن التعبير النظامي أو المؤسسي الذي قام بالتعبير عنها سياسيًا، وحدث في أحيان كثيرة في تاريخنا أن سقط التعبير النظامي أو الشكل المؤسسي «الدولة أو السلطة السياسية» وقامت الأمة بملء الفراغ الناجم عن ذلك حين انتدبت من بينها من يتقدم ليتولى المسؤولية السياسية عنها، حدث هذا في التاريخ القديم، كما حدث في التاريخ الحديث، ففي التاريخ القديم شهدنا ظاهرة سقوط الدولة «الإسلامية» وقيامها في ظل تحديات خارجية بالغة الخطورة، «تحدث المغول ثم الفرنج «الصليبيين»» وعندما عجزت الدولة العثمانية- دولة الخلافة- عن مواجهة خطر الغزو الغربي المتدفق على العالم الإسلامي برزت حيوية الأمة بجلاء لتقوم تدافع عن دينها وأرضها وعرضها.
الأمة في الرؤية الإسلامية- إذن- هي المجال الحيوي لإرساء قواعد المثالية الإسلامية، وهي المجسدة لقيم الإسلام التي تعيش في وجدانها وقلبها، وإن انحرف واقع السلطة عنها، فقد شهدت عهود الحكم الإسلامي انحرافات تفاوتت قلة وكثرة، خطورة وتفاهة عن بعض قيم الإسلام وتقاليده، غير أن هذه الانحرافات لم تصب هذه القيم في شيء من مضمونها وإحساس الناس بها، ولا من التعبير المستمر في مدونات الفقه وكتب الفقهاء عن ضرورة الالتزام بها، وهذا في حقيقته مبعثه فاعلية الأمة وحيويتها.
إن القول باستمرارية الأمة تاريخيًا وتجاوزها للحقيقة التاريخية الموقوتة بماض ولى إلى واقع نعايشه اليوم على الرغم من انتقاء مظهرها النظامي المجسد لها «الخلافة» يستند إلى مجموعة من الأسس كما ترى د. منى أبو الفضل في كتابها القيم «الأمة القطب».
1- أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد سعى لإنشاء أمة قبل قيام الدولة أو السلطة التي تجسد نظاميًا ومؤسسيًا هذه الأمة.
2- أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد خلف وراءه عند وفاته «أمة» قبل أن يخلف إمامًا وأنه لو لم تكن الأمة لما وجد من يؤمها، وبالتالي فإن وجود الإمام وجود منسوب أو مشتق- والأمة أو الجماعة تصير هي الأصل.
3- أن «الأمة» بهذا المعنى تصير المستودع للرسالة المحمدية، أي أن الأمة هي وعاء القرآن الكريم.
4- يترتب على هذه العلاقة العضوية المنشئة للأمة أن بقاءها إنما هو مرتبط بالعلة، وليس بالمعلول، أي أن أمة القرآن باقية ببقاء الذكر الحكيم- أما اختفاء الإمام أو الخلافة فهو أمر وإن ضعف وحط من فاعلية الأمة بحكم أن الإمامة هي الرمز المجسد للأمة والممثل لها وأداتها التنفيذية التي تقوم بمصالحها- إلا أنه مع ذلك لا ينفي وجودها- الذي يعد هو ذاته ضمانًا لتجددها- فالأمة في الإسلام هي التي تفرز وجودها- الذي يعد ضمانًا لتجددها- وهي التي تفرز النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية بحكم مضمون الإسلام كعقيدة وشريعة- ذلك المضمون الذي تحمله الأمة تؤمن به نهجًا شاملًا لحياة لا انفصام فيها بين الدنيا والآخرة، مما يولد في الأمة قوة دفع ذاتية للسعي حثيثًا نحو تطبيق نظمها وتجسيدها في أرض الواقع، وقد عبر «لوي جارديه» عن هذا المعنى عندما قال:
«إن الإسلام ليفترض ذلك الرباط الوطيد الذي لا انفصام فيه بين الدين والدولة وبين الجماعة والعقيدة، وأن هذه العلاقة الارتباطية العضوية إنما تفرض نفسها فرضًا مستوجبة لها تلك التنظيمات الوضعية الملائمة التي تجسدها والتي لا يكتمل النظام بدونها».
الأمة والسلطة: العلاقة بين الأمة والسلطة من الموضوعات الشائكة، فإذا حضرت الأمة بالمعنى الذي تقدم، تعود السلطة إلى حجمها الحقيقي ووزنها الطبيعي، فهناك علاقة عكسية بين حضور الأمة وتضخم السلطة، إذ كلما زادت حيوية الأمة وزادت فعالياتها عادت السلطة للقيام بوظائفها المناطة بها، وهي تدور أساسًا في الرؤية الإسلامية حول تهيئة المناخ وتحقيق أرضية من الصلاح تنطلق فيها طاقات الأمة وتزداد فعالياتها لتحقيق مقصود الاستخلاف والعمران، وتجسيد مثاليتها في الواقع المعاش.
والعكس صحيح أيضًا: إذ كلما تضخمت السلطة توارت الأمة، وضعف دورها، وبخاصة أن الواقع الموضوعي والنفس لأجهزة السلطة وأفراد الحكم ينزع كثيرًا نحو التضخم وزيادة الصلاحيات، والارتفاع فوق الأمة، ويفاقم هذا الوضع تضخم أجهزة السلطة وتشعبها في واقعنا الراهن حتى وصلت إلى جميع أنشطة الحياة، فالسلطة لم تعد تملك أدوات القوة المشروعة من جيش وشرطة فقط، بل باتت لها القدرة على التلاعب بالعقول والأفئدة، وتشكيلها بما تملكه، أو يملكه المتحالفون معها، من أدوات وأجهزة «صناعة المعاني» من تعليم وإعلام!
والوجه الثاني لحضور الأمة هو «تهميش السلطة» أو انتشارها في الأمة، ليأخذ كل فرد من أفرادها، ومؤسسة من مؤسساتها بنصيبه منها، حيث إن مفهوم «السياسة» في خبرتنا الحضارية، يجعل هناك سياسة الفرد لنفسه «ومن لا يصلح لسياسة نفسه لا يصلح لسياسة غيره» وسياسية المرأة لبيتها، وسياسية مؤسسات الأمة التي في القمة منها السلطة بالمعنى العام، في الحديث: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».
وإذا ما مارس أو باشر كل فر مسؤولياته، توزعت السلطة في الأمة، بما يؤدي إلى تهميش السلطة وعدم تغولها، بما يحد من سطوتها على الأمة موارد وأفرادًا ومؤسسات، وبخاصة أن جوهر المسؤولية ومضمونها في الرؤية الإسلامية ليس مباشرة السلطة، بل القيام بالرعاية، التي وإن كانت تتضمن معنى السلطة، إلا أنها ليست المكون الوحيد، بل هي جزء من مكونات متعددة يتعلق جوهرها بالتربية، والاستصلاح، والتنشئة على الخير.
وليس معنى ما تقدم أن يكون كل من الأمة والسلطة في حالة عداء وصدام، فالخبرة الحضارية والتاريخية الإسلامية قدمت لنا نموذجًا متميزًا في هذا الصدد، فالبنى الاجتماعية والمؤسسات المختلفة التي أنشأتها أمة الإسلام وفي تفاعلها عبر الزمان والمكان مستهدفة تحقيق ذاتيتها وتطبيق الشرع، هذه المؤسسات وتلك البِنَى لم تقم متعارضة إزاء مؤسسات الدولة وسلطتها المركزية، بل قامت بكثير من الوظائف التي نعترف بها للدولة الحديثة، ونشأت من هذه الخبرة علاقة متميزة بين مؤسسات الأمة وبين سلطة الدولة ذات شقين: فهي تعبير عن استقلال الأمة وقوتها إزاء السلطة، ولكنها في الوقت نفسه لا تعمل مستقلة أو منفصلة عنها، بل في تضافر وتكامل حقيقيين معها.
الأمة وتقييد السلطة: الأمة وسلطاتها في التصور الإسلامي هي أساس النظام السياسي والتشريعي، بل وأساس النظام الرقابي أيضًا «الرِّقابة على السلطة» إن سند السلطة السياسية هي الأمة، والسلطة تستمد سلطاتها ووجودها من إرادة الأمة، وجميع الولايات والسلطات مصدرها الأمة، وسلطان الأمة مستمد من المبدأ الشرعي الذي يوجب عليها إقامة المؤسسات اللازمة لتطبيق الشريعة.
إن أساس رِقابة الأمة على سلطات الحكم ليس مبعثه كون الأمة سند السلطة السياسية ومنشئتها فحسب، ولكن الرِّقابة تستند أيضًا إلى مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هدفه الأول ومقصده الأساسي، أن تتولى الجماعة كشخصية معنوية محاسبة الحكام ومنع الانحراف والظلم، فالأمة تختار الحاكم وهذا الاختيار يعطيها الحق في أن تقيد سلطته بالقيود التي تراها ضرورية لتحقيق مقصود الاستخلاف وجوهر العمران، كما يعطيها الحق في مراقبته ومحاسبته في عمله.
وهذه الرِّقابة باستنادها إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تنتهي بانتهاء انتخاب أو بيعة القائمين على أمر السلطة، وإنما تستمر بعد انتخابهم وأثناء ولايتهم، فواجب النصح لولاة الأمور، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يرتبط بزمن معين أو وقت محدد، وإنما يستمر وقته طالمَا أن هناك مقتضى له.
إن فكرة استمرارية الرِّقابة من قبل الأمة على السلطة تتنافى- إلى حد كبير- مع فكرة «التمثيل» التي تطرحها الديمقراطية الغربية، فالتصور الإسلامي للسلطة يتضمن معنى الوكالة بمعنى قيام الأمة بتوكيل السلطة للقيام ببعض المهام والاختصاصات، وسلطة الوكيل لا تلغي أو تنفي سلطة موكله فمن حق الموكل أن يسحب في أي وقت اختصاصات وصلاحيات وكيله، أما فكرة التمثيل فتتضمن النيابة أي أن صاحب السلطة نائب عن جمهوره أو ناخبيه في التعبير عن مصالحهم والدفاع عنهم، ولا يستطيع المنيب أن يعزل نائبه، بل عليه أن ينتظر نهاية مدة نيابته حتى يعزله وذلك حين لا يقوم بانتخابه مرة أخرى.
الأمة والتعددية: أحد جوانب الحيوية الأساسية للأمة في خبرتنا الحضارية، أن مفهوم الأمة يتسم بأن يعترف بتعددية دوائر الانتماء الفرعي داخله، دون تناقض بينها، حيث يسوده ولاء واحد، وتصاعد في الولاء وتدرج، يتحقق بوجود اتفاق حول مرجعية عليا يحتكم إليها الجميع «عناصر ومكونات المرجعية العليا للجماعة».
وقد اعترفت خبرتنا الحضارية العربية الإسلامية بتعدد وتداخل دوائر الانتماء للجماعات والأفراد، دون تعارض أو تناقض فيمَا بينها، لأنه كان يتم في إطار من الوحدة التي تتحقق أساسًا في ظل الاتفاق أو الاعتراف بمرجعية واحدة عليا تهيمن على الجميع.
مفهوم الأمة بهذا المعنى على استعداد لقبول الآخر، عكس المفاهيم الأخرى «الوطن/ الشعب/ القوم.. إلخ» فالأمة تفترض أن الذات محددة الهُوِيَّة، وذات مرجعية، وعلى استعداد لقبول الآخر «مهما كان هذا الآخر» وبخاصة أن مفهوم الأمة في الرؤية الإسلامية لا يقوم ولا يعتمد على التعاقدية وحدها: فالتعاقدية تفترض أن العلاقة بين طرفين يحكمها عقد ما، لو انتهت مدته أو صلاحيته فإن العلاقة تنتهي، ومن ثم لا بد أن تكون هناك علاقة جديدة تحكمها الندية الكاملة، والتعاقدية تفترض أني والآخر قادران تمامًا على الفهم الكامل لجميع القوانين الآنية والوقتية التي نتعرض لها في الحياة أو الوضع الحالي أو الذي نتعاقد عليه، كما أن مفهوم التعاقدية يفترض أني لو استطعت أن أسخر الآخر أو ألهمه فهذا من حقي طالمَا أن العقد يسمح لي بذلك وطالمَا أنني أملك القدرة عليه.
والأمة في رؤيتنا الحضارية، وإن اعترفت بالتعاقدية في العلاقات بين أطرافها وجماعاتها الفرعية، إلا أنها لا تجعلها الأساس، كما تحيط بالعقد وتغلفه قيم التراحم والتكافل.
إن التعددية التي هي نتاج النظرة التكافلية التراحمية التي يجسدها مفهوم الأمة، والتي لا تلغي التعاقدية- كما قدمت- ولكن تغلفها وتحيط بها، تختلف تمامًا عن التعددية في الغرب، التي هي نتاج ومحصلة للصراع الذي يتجسد في شكل تعاقدية صرفة، خالية من القيم الثابتة أو المعايير الحاكمة والأطر المرجعية الملزمة من خارج الجماعة والبشر.
وإذا كانت خبرتنا الحضارية تعترف بتعددية دوائر الانتماء داخلها، إلا أن مبدأ التعددية كامن أيضًا في بنية الإسلام ذاته، فالإسلام لا يجعل «القداسة» سمة تلحق بالبشر أيًا كانوا، أو بالخبرة التاريخية أيًا كانت «فيمَا عدا خبرة الخلفاء الراشدين المهددين، كما ورد في الحديث: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» أو بالأفكار التي ينتجها البشر، وهو في هذا يجعل النقطة المركزية الحاكمة هي «الفكرة المجردة» غير المشخصة «الأصول: قرآن وسنة» وهذا أحد الأسرار الأساسية وراء استمرار تعاليم الإسلام في الزمان والمكان، وقدرته على الاستجابة للحاجات المتطورة، والتحديات والمستجدات التي تطرأ في الواقع.
المسلمون وفقًا لهذا المنظور مطالبون- دائمًا وأبدًا- بتحقيق أو «تشخيص» تعاليم الإسلام في واقعهم الموضوعي، أي تحويل الفكرة المجردة إلى واقع مشخص في أرض الواقع، وهذا يحمل تحديًا للمسلمين، يتطلب منهم استجابة تنطلق من «الفكرة المجردة» لتستجيب للواقع المعاش.
هذه الفكرة البدهية عند كل مسلم لها تداعيات وتأثير في جوانب كثيرة تتعلق بموضوع التعددية وغيره من الموضوعات والقضايا، فهذه الفكرة يمكن أن تقودنا إلى إدراك «التعددية الإسلامية» أي تلك التعددية التي نشأت داخل الدائرة الإسلامية.
«التعددية الإسلامية منشؤها مفهوم الأمة» فهي التي تتفاعل مع «الفكرة المجردة» عبر مخزونها الثقافي والاجتماعي لتنشئ واقعًا تتعدد أشكاله، وتتباين ملامحه داخل الإطار الحاكم «الفكرة المجردة» التي تعطي لهذه التعددية قواسمها المشتركة، وسماتها المميزة عن أنواع التعدديات الأخرى.
وهكذا تنشأ التعددية- في الرؤية الإسلامية- في إطار الوحدة، وهكذا يمكن فهم تعدد الأنماط الحضارية التي أنتجتها أمة الإسلام عبر تاريخها، فاختلفت في الزمان والمكان.
الأمة أساس ضوابط التعددية: من النِّقَاط الشائكة التي كانت ولا تزال محل جدل ونقاش شديد تلك النقطة التي تتعلق بالضوابط التي يفرضها الإسلام لمسألة التعددية.
المدخل الأساس لضوابط التعددية في الرؤية الإسلامية، وكما أظن هو «الأمة» وبخاصة من جهة دورها في تحديد «النظام العام» الذي هو في جوهره مجموعة الأسس القيمية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والثقافية التي يقوم عليها نظام المجتمع.
النظام العام هو الروح المهيمن على النظام السياسي والقانوني للمجتمع والدولة، والأمة، وفق التصور الذي سبق أن قدمته لدورها ومهمتها هي التي تحدد ملامح النظام العام في المجتمع.
ضوابط التعددية نوعان: الأولى: تكون في النظام القانوني أو الدستوري، وهذه الضوابط في نهاية الأمر تتعلق بالإجراءات التي تتفق عليها الأمة، والأطراف أو الجهات التي تحددها الأمة لممارسة هذا الحق وتختص به، ومن هنا فإن الحديث عن ضوابط للتعددية أمر سابق لأوانه أو غير قائم الآن، ما لم يَعد الحق للأمة في الاختيار الحر في واقعنا العربي الإسلامي، لأنه في ظل هذا الغياب فإن السلطة تفرض ما تراه من قيود على مسألة التعددية.
الثانية: ضوابط في الواقع، وهذا الشكل من الضوابط أيضًا مرده إلى الأمة، فهي التي تضع الحدود الواقعية على حركة أي قوة سياسية وفعلها وآرائها، بعبارة أخرى: الأمة هي التي تعطي لأي طرف أو قوة سياسية وجودها الواقعي أو تهمشها، فالأحزاب العَلمانية ضعيفة جدًا في واقعنا العربي والإسلامي ومعظمها- إن لم تكن كلها- يتدثر بورقة الشريعة ليخفي بعضًا من سوءاته، وليكتسب تعاطف الجماهير المسلمة.
مفهوم الأمة في القرآن:
وردت لفظة الأمة في القرآن، بصيغة المفرد، أكثر من خمسين مرة، ويمكن تمييز خمسة أو ستة معان لكلمة أمة في مختلف آيات القرآن:
أولًا: في الوقت والحين، كما في الآيتين: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ (هود:8) ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ (يُوسُف:45).
ثانيًا: الإمام الذي يعلم الخير ويهدف إلى الطريق الصحيح ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل:120).
ثالثًا: الطريقة المتبعة، كما في الآية التالية: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الزخرف:22).
رابعًا: جماعة من الناس على الإطلاق، كما في الآية ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ (القصص:23) ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ (الأعراف:164).
خامسًا: الجماعة المتفقة على دين واحد، والآيات التي تثبت ذلك كثيرة ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (المائدة:48) ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ (الأعراف:34).
سادسًا: جماعة جزئية من أهل دين معين، كما في الآية التالية: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (آل عِمْرَان:104) ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ (الأعراف:38).