; حوار حول دراسة "إشكالية الاستبداد والفساد في التاريخ الإسلامي" (۲-۲) | مجلة المجتمع

العنوان حوار حول دراسة "إشكالية الاستبداد والفساد في التاريخ الإسلامي" (۲-۲)

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 13-أكتوبر-2012

مشاهدات 58

نشر في العدد 2023

نشر في الصفحة 44

السبت 13-أكتوبر-2012

  • نظام الحكم في الدولة الإسلامية
  • ما قيمة الحاكم ومؤسسات حكمه إذا فصلناهم عن شؤون الدعوة ومؤسسات التربية والتعليم والإعلام؟! 
  • حديث د. أبو سليمان جانب الصواب عندما قال: إن الناس في ظل الدولة التي اقترحها سيرفضون السيطرة الأيديولوجية الدينية الكهنوتية الثيوقراطية.. فهل قامت في الإسلام دول كهذه أصلا؟ 
  • ذكر أن مرجعية الدولة هي مفاهيم ومقاصد قيمية كونية عالمية إسلامية خيرة في العدل والشورى والإخاء والتكافل.. وأقول: إن مرجعية الدولة الإسلامية هي كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واجتهادات الأئمة المبنية على هذين الأصلين 
  • يكفي أن نعطي الحاكم الصلاحيات ثم نحاسبه من خلال مؤسسات شورية حقيقية تعظه إذا أخطأ وتعزله إذا أصر 
  • دولتنا إسلامية لا مدنية ولا دينية.. فمصطلح مدنية انتشر في أوروبا وتمسك أهلها به فراراً من ظلم الطاغوت الكنسي 

تناولت في العدد الماضي في حواري حول دراسة "إشكالية الاستبداد والفساد في التاريخ الإسلامي" للأستاذ الدكتور عبد الحميد أبو سليمان الحديث حول النقاط الإيجابية في هذه الدراسة، وهي كثيرة، ولخصتها في أربع نقاط، ثم تناولت النقائص في دراسة د. أبو سليمان، وذكرت منها اثنتين، وفي هذا العدد أذكر ثلاث نقائص أو مغالطات أخرى في هذه الدراسة: 

ثالثاً: يريد الأستاذ فصل الحاكم ومؤسسة الحكم عن شؤون الدعوة وشؤون التعليم الديني والثقافي ومؤسسات التربية والتعليم والإعلام في الدولة، وأتساءل ها هنا: ما قيمة الحاكم ومؤسسات حكمه إذا فعلنا هذا ؟ 

إن الحاكم يصبح آنذاك مغلول اليد لا حول له ولا طول بعد أن نزع عنه كل ذلك، فكيف يصبح مسؤولا عن الدولة أمام الله تعالى وأمام التاريخ؟ 

يكفي أن نعطيه الصلاحيات ثم نحاسبه من خلال مؤسسات شورية حقيقية تعظه إذا أخطأ ، وتعزله إذا أصر، فها هنا يستقيم أمر الدولة ولا داعي للقول بنزع صلاحيات الحاكم على هذه النحو العجيب الذي رآه الأستاذ. 

  • نظام الحكم 

رابعا: رأى الأستاذ أن الدولة الإسلامية هي دولة مدنية وأقول: إن الإسلام لا يعرف الدولة المدنية هذه، إنما هو مصطلح انتشر في أوروبا وفزع إليه أهلها وتمسكوا به فرارا من ظلم الطاغوت الكنسي الذي هيمن على حياة الناس السياسية والاقتصادية والاجتماعية في كل مناحيها، حتى لم يعد لصفوة الأمم الأوروبية إلا العمل على نزع أولئك من حياتهم كما ينزع السفود من الصوف المبلل، أما نحن في الإسلام فلا نعرف هذا الفصام النكد ودولتنا توصف بأنها دولة إسلامية لا مدنية ولا دينية فنحن لم نعرف هذه التقسيمات البغيضة ولا نريد أن نعرفها نريد دولتنا دولة إسلامية ولا داعي للجري وراء فهوم الغربيين وقناعاتهم المبنية على تجربة مريرة لم نعرفها ولن نعرفها إن شاء الله تعالى، ولذلك - أيضاً - أرى أن حديثه جانب الصواب عندما قال: إن الناس في ظل الدولة التي اقترحها سيرفضون "السيطرة الأيديولوجية الدينية الكهنوتية الثيوقراطية التي تتحدث بشكل مباشر أو غير مباشر واعية أو غير واعية باسم المقدس والحقيقة المطلقة التي تدعي احتكارها، وتمارس بموجبها حق الوصاية على الأمة وتحتكر قراراتهم وتمكن الاستبداد والفساد"، ولا أدري - والله - أين هي هذه الدولة؟ وهل قامت في الإسلام دول كهذه أصلا؟ إننا يجب أن نفرق بين الفساد والاستبداد الذي رافق معظم عصور التاريخ الإسلامي وبين ما يقوله الأستاذ ها هنا مما ليس له صلة بواقع المسلمين ودولهم في كل عصور الإسلام إنما كان الذي ذكره شائعا ومعروفا في بلاد الغرب زمن سيطرة الكنيسة الطاغية الظالمة المحرفة العقائد والمبادئ والقيم. 

  • مرجعية الدولة 

خامسا: ذكر الأستاذ أن مرجعية الدولة هي "مفاهيم ومقاصد قيمية كونية عالمية إسلامية خيرة في العدل والشورى والإخاء والتكافل"، وأقول: إن مرجعية الدولة الإسلامية هي كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واجتهادات الأئمة المبنية على هذين الأصلين أما أن تكون مرجعية الأمة مفاهيم ومقاصد قيمية كونية عالمية تستند إلى الإسلام فهذا فيه تمييع واضح للمرجعية الحقة، وفيه خطورة الأخذ بالاجتهادات البعيدة عن الكتاب والسنة. 

وفي الحلقة الخامسة، ذكر الأستاذ أن الدعوة في تركيا استعادت مدارس تحفيظ القرآن وكل ما تعرضت له أعمال الدعوة من مضايقات بسبب ما أطلق عليه بالإسلام السياسي والأحزاب الدينية على يد المجاهد الداعية السياسي "نجم الدين أربكان"- يرحمه الله تعالى- التي خلطت شؤون الدعوة وشؤون العمل السياسي العام. 

وهذا نص فيه لبس وخلط؛ إذ الثابت أن "أردوغان" "السياسي" هو الذي أعاد هذه المدارس بقرار جمهوري وليست الدعوة التي هي ضعيفة جدا في تركيا، كما هو معلوم وملحوظ ، ثم إن "أربكان" - يرحمه الله تعالى - قام بواجبه في رعاية شؤون الدعوة عندما كان رئيساً للوزراء، فهذا أهم واجبات الحاكم المسلم الذي يرى الأستاذ عبد الحميد أنه لا ينبغي أن يقوم عليه، بينما يقول الماوردي يرحمه الله تعالى: إن من واجبات الحاكم المسلم "حراسة الدين وسياسة الدنيا به".

  • سياسة ودين 

ثم إن عندنا في ديننا إسلاماً واحداً لا يطلق على شيء منه إسلام سياسي وآخر غير سياسي، إسلام واحد يقوم عليه حاكم مسلم يشرف على أمور الدين والدنيا معا إن د. عبد الحميد يُلح دائما على فصل العمل السياسي عن الديني، وهذا في ظني لا يعرفه الإسلام ولا يقره؛ فالحاكم المسلم تنتهي إليه مسؤولية كل جوانب الحياة في دولته، لكن ليس معنى ذلك أنه يباشرها بنفسه. 

وقد مجد الأستاذ كثيرا التجربة التركية ووصفها بأنها ذات المنهج الناجح المجرب ورفض مصطلح "العثمانية الجديدة" الذي رأى أنه دعوة للعودة إلى التاريخ والحقب الإمبراطورية الاستبدادية، دون وعي على ردود أفعال الآخرين، وما تثيره هذه المقولات وذكرياتها المؤلمة من التوجس وعدم الثقة، وعلى قوله هذا تعليقان: 

الأول: أن تعميم الوصف على الدولة العثمانية بأنها الإمبراطورية الاستبدادية يثير في النفس الأسى من تلك الدولة العظيمة التي كان لها أياد بيضاء، كما كان لها نقائص وأخطاء، ومحاكمة الدولة العثمانية التي استمرت خمسة قرون على مقاييس اخترعها الغرب في القرن التاسع عشر وما بعده من قواعد ما سموه بالحكم الديمقراطي فيه جور إنما نحاكم تلك الدولة على ما كان سائدا في زمان عزها وقوتها من أنظمة حكم في العالم كانت غاية في الاستبداد والجور والظلم. 

  • تجربة غير مكتملة 

الآخر: إن ترديد المقولة بأن التجربة التركية "الأردغانية" ناجحة، والإلحاح عليها يوهم الناس أنها تصلح للاقتداء، وأن على الحركات الإسلامية أن تقتدي بها للوصول إلى مقاصدها، هذا الكلام على إطلاقه هكذا فيه نقاش طويل، فما زالت التجربة "الأردغانية" مفتقرة إلى جهد كبير لإصلاح المجتمع التركي وتقويمه، وإلى إزالة المفاسد الكثيرة المنتشرة في تركيا، فالبغاء ما زال مرخصاً رسمياً، والخمر ومزارعه ومصانعه تمتلئ بها تركيا والدعوة في المساجد والأحياء فيها قصور كبير، كما تتبعت ذلك بنفسي طوال السنوات العشر الأخيرة، وما زالت المناهج التركية فيها أخطاء ضخمة، وما زالت المصارف ربوية، وما زال الإعلام خبيثا - في الجملة - إلى درجة يُستحيى من ذكرها إلى آخر المفاسد الكثيرة في جوانب متعددة يضيق عن إيرادها هذا المقام، ونحن نحمد لـ"أردغان" ما قام به من إصلاحات، ونظن أنه قفز بتركيا قفزات ضخمة، وأن تركيا اليوم- فيما يخص الإسلام - غير تركيا الأمس، كل ذلك نقر به ولا نجحده، لكن نضعه في سياقه الصحيح الخالي من المبالغات والتهويلات.

ثم إن الذي يصلح لتركيا لا يصلح للدول العربية، فمصر- على سبيل المثال- أقوى إسلاميا من تركيا بمراحل والمجتمع المصري قد قطع خطوات نحو العمل بالإسلام الصحيح المتكامل أكثر بكثير مما هو في تركيا . 

زعم الأستاذ أن المفكرين والمربين لا بد أن يقوموا بوظيفتهم "في إزالة التشوهات التي أصابت الفكر الإسلامي الذي انحرف بالأمة من فكر إسلامي إنساني تكافلي تراحمي إلى فكر قبليات وعنصريات وفرديات أنانية يعصف بها الجشع والمطامع ويسود في بنيتها ومؤسساتها الاجتماعية والسياسية قوى الاستبداد والفساد وأتباعهم وأدواتهم في توظيف الخرافات والمقدسات وتحريف مقولاتها ومقاصدها الإنسانية الحضارية البناءة". 

وهذا الذي قاله غاية في التهويل ليس بعدها غاية، ووصفه ما أصاب الفكر الإسلامي من تشوهات بالذي وصفه به لا يوافق عليه أبداً، فمازال الفكر الإسلامي الصحيح هو السائد بفضل الله - تعالى - في المجتمعات الإسلامية، نعم قد أصاب شيئا منه بعض الخطأ والفساد على أيدي بعض الإسلاميين وغيرهم، لكن يبقى الفكر الإسلامي محفوظا في الجملة، ليس فيه ما زعمه الأستاذ غفر الله تعالى له . 

هذا كان بعض ما لاحظته في المقالات الخمس للأستاذ التي فيها كثير من الخير وضحته فيما سبق، وفي كلامه حرقة واضحة وتألم ظاهر، وحماسة وقوة، وما كنت أرغب في الرد الذي رددت لولا أهمية الموضوع ومناسبته لأحداث زماننا على الوجه الذي لا يسعني فيها السكوت عما أراه محتاجا إلى نقاش ومحاورة، وليعذرني الأستاذ فيما قلته فإنه لا يُنقص من قدره ولا احترامه والله الموفق. 

الرابط المختصر :