; اللغة العربية لغة حضارة | مجلة المجتمع

العنوان اللغة العربية لغة حضارة

الكاتب أ.د. حامد بن محمود آل إبراهيم

تاريخ النشر السبت 21-أبريل-2012

مشاهدات 67

نشر في العدد 1999

نشر في الصفحة 42

السبت 21-أبريل-2012

الحرف العربي مواكب للعصر الإلكتروني.. وهو أصلح الحروف لكتابة اللغات بما فيها اللغة اللاتينية

إن النهضة الحضارية التي ينشدها العالم العربي، لا يمكن أن تتم بواسطة استيراد التقنية العلمية؛ لأن استيراد الآلة لا يستطيع أن ينشئ حضارة، إن التربية الخصبة التي تستطيع أن تستقبل بذور التقنية العلمية الحديثة، وتمنحها المتطلبات الأساسية للنمو، يجب أن تكون تربة صالحة للاستزراع، أي أن تكون تربة علمية، ولن يتأتى ذلك إلا بنشر العلم بين أبناء الأمة، واستخدام اللغة العربية والتعريب هو السبيل الوحيد لنشر العلم بين الناس.

إن وجود العلم بلغة أجنبية يقيم حاجزًا هائلًا بين الأمة وبينه، واجتياز هذا الحاجز إن تيسر لفئة محدودة من الأفراد، فهو لا يتوافر للقوة العاملة في مجالات الحياة المختلفة التي تمثل الانطلاق الحضاري، والتي تظل على هامش التقدم إذا لم تزود بلغة العلم، وتعتبر الجامعات المسؤول الأول الذي يمكنه تيسير نشر العلم بلغة الناس، ألا وهي اللغة العربية الغالية.

ففي «تاريخ مدينة دمشق» (ج ۲۱/ ص ٤٠٧)، قام النبي ﷺ قائمًا يجر رداءه حتى دخل المسجد ثم نودي أن الصلاة جامعة وقال النبي ﷺ: «يا أيها الناس، إن الرب واحد والأب واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي».

خصائص اللغة الصالحة للحياة

التعبير عن حاجات العصر على نحو يتصف بما يلي: الدقة، الصحة السلامة، المنع، الجمع.. التعبير عن مجالات النشاط الإنساني: النشاط الأدبي، النشاط العلمي، النشاط الفني، وأن تساير التطور وتتسع لحاجاته ومطالبه، أن يكون لها قواعد واضحة ومنضبطة.

والسؤال الآن: هل تمتلك اللغة العربية القدرة على الوفاء بهذه المجالات؟

إن اللغة العربية قد امتحنت ووضعت على محك التجربة العلمية عدة مرات، أشهرها أربع تجارب، وقد أثبتت جدارتها وأهليتها لأن تكون لغة حضارة لا تغيب عنها شمس الحياة.

التجربة الأولى نزول القرآن الكريم، وهذا الحدث يمثل قمة التجارب.

التجربة الثانية سياحة العرب والمسلمين في الأرض. 

التجربة الثالثة العصر العباسي واختراع العلوم. 

التجربة الرابعة العصر الحالي ومتطلباته، لقد أثبتت اللغة العربية قدرتها على استيعاب العلوم الحديثة وأداء متطلباتها، ويلاحظ أن الدراسات الجامعية والتي بدأت كذلك بالعربية قد حالت القوى الاستعمارية دون استمرارها.

يقول أ.د. زهير السباعي، أستاذ الطب بجامعة الملك فيصل: إن تعلم اللغة العربية كان شرطًا من شروط الجامعات الغربية على الدارسين للطب فيه، وما أن بدأ العصر الحديث، عصر الاستعمار حتى تغيرت لغة التدريس والتعليم في الدول العربية، من اللغة العربية إلى لغة المستعمر في كل بلد عربي، فكيف نقول: إن تعليم الطب مثلًا بالعربية سوف يؤدي إلى تخلف الطب في بلادنا؟! ولماذا لا يقال هذا عن «إسرائيل» التي تعلم الطب بالعبرية؟! لقد تمكن الكيان الصهيوني الذي لا يزيد عدد سكانه على ٤,٥ مليون نسمة «ومن الشتات، أي أن لكل تراثه ولغته الأم» تمكن من إحياء لغته العبرية من موات، وأصبح يدرس كل المعارف بها، بما في ذلك الطب، ومن المعروف أن «إسرائيل» قامت بترميم اللغة العبرية الميتة بسرقة قدر لا بأس به من قواعد اللغة العربية كعادتهم. 

وقد درست الجامعة الأمريكية الطب، في أول نشأتها باللغة العربية، ووضع أساتذتها الكتب النافعة، ودرست مدرسة «قصر العيني» في القاهرة الطب باللغة العربية، ويقول د. أحمد شوكة الشطي عن هذه الكتب: «لو تصفحنا الكتب التي ألفت، أو ترجمت في مدرسة «قصر العيني» يوم كان الطب يدرس باللغة العربية، لوجدناها كتبًا ممتازة لا تقل عن أمثالها في ذلك الحين من كتب الغرب،جودة في الطبع، وحسنًا في التعبير، وبراعة في الإيضاح»، ولكن هذين المعهدين تنكرًا للعربية فيما بعد، وسادت لغة المستعمر. 

تمكن من لغة أجنبية + دراسة مراجع وحقائق علمية= فهم التطور وارتفاع مستواه.

إن المعادلة السابقة تمثل ظلمًا فادحًا للعاملين، ليس في مجال الدراسات والأعمال الهندسية فقط، بل في كل المجالات، إن اللغة هي الوعاء للثقافة والتاريخ والتراث الفكري والعلوم والمعارف، لذلك كان حرص أعداء الأمة قديمًا وحديثًا، على إضعاف الأساس الفكري الاجتماعي، بإقصاء اللغة العربية عن واقع الحياة تدريجيًا ومن ثم قتلها نهائيًا .

الحرف العربي ومواكبته العصر الإلكتروني:

إن الهجوم والحرب على الحرف العربي واستبداله بالحرف اللاتيني، صورة من هذه الهجمة الشرسة تحت دعاوى الجمود وعدم القدرة على التطور.

إن حرف اللغة العربية، يحتاج على لوحة مفاتيح الآلة الكاتبة إلى (٧٥) خمسة وسبعين شكلًا، بينما الحرف اللاتيني لا يحتاج سوى (٥٢) اثنين وخمسين حرفًا فقط«A.a» حروف الكبيرة والصغيرة، وكانت معركة خاسرة للغة العربية وحرفها، وكان الأمر سجالًا لمزايا الحرف العربي وجماله، وجاء عصر الحاسب الإلكتروني ليحسم القضية، ويخرجها من مجال الجدال إلى الفوز الكاسح للغة العربية وحرفها؛ فقد تولى الحاسب «بل والهاتف المحمول» هذه المهمة وانخفضت الحروف العربية على لوحة المفاتيح إلى أربعة وثلاثين شكلًا، وبذلك هزم الحرف اللاتيني بالضربة القاضية، وخنس الدعاة إلى التقدم باستخدام الحرف اللاتيني حتى حين!

سوف نمر مرورًا عابرًا على عوار الحرف اللاتيني في لغاته الأم، وعجزه عن الوفاء بالصوت اللازم لتحديد الكلمة المكتوبة. 

وتعرض البحث للمحة من قواميس اللغات الثلاث الفرنسية، والإنجليزية، والألمانية، لنتبين مخالفة الأسماء المكتوبة عن نطقها مخالفة شديدة فجة، لا يوجد لها مثيل في العربية. 

والأسماء كذلك مفردة وجمع لا أثر للتثنية فيها، ولا توجد أي فوارق بين المذكر والمؤنث.

ولقد أوردنا بعض الأمثلة، لنضع بين يدي القارئ الكريم، بعض عورات تلك اللغات التي نرطن بها ظنًا منا أنها لغات الفصاحة والعلم. 

الآلة الصوتي: إن اللغة العربية هي اللغة الوحيدة التي تستخدم الآلة الصوتية في الإنسان استخدامًا كاملًا وقد ثبت ذلك بعد استحداث علم الصوتيات Phonetics فلم يعد الأمر تفاخرًا وتطاولًا بدون دليل علمي، ولغة هذا شأنها جديرة بأن تتولى الصدارة، ولا تندثر تحت سطوة القوة والعلو في الأرض بغير الحق. 

يقول الأستاذ العقاد في كتابه «أشتات مجتمعات في اللغة والأدب» في دراسته عن أن الحرف العربي هو أصلح الحروف لكتابة اللغات بما فيها اللغة اللاتينية: ولكن الأمر في صلاح الحروف للكتابة، لا يعود إلى كثرة الأفراد الذين يكتبونها، بل إلى أنواع اللغات التي تؤدي ألفاظها وأصواتها، وعلى هذا الاعتبار تكون الحروف العربية أصلح من الحروف اللاتينية أضعافًا مضاعفة لكتابة الألفاظ والأصوات، لأنها تؤدي من أنواع الكتابة ما لم يعهد من قبل في لغة من لغات الحضارة، فالحروف اللاتينية تستخدم للكتابة في عائلة واحدة من العائلات اللغوية الكبرى، وهي العائلة «الهندية الجرمانية». 

وعلى كثرة اللغات، والعائلات اللغوية، التي تؤديها حروف العربية، لم يزل ضبطها للألفاظ أدق وأسهل من ضبط الحروف اللاتينية، التي تستخدم لكتابة عائلة لغوية واحدة، وهي العائلة الهندية الجرمانية.

هذه حقيقة لا جدال فيها، ينبغي أن نحضرها أمامنا لنعرف مدى التهويل المفرط في شكوى الشاكين من صعوبات الكتابة العربية المزعومة، فإن حروفنا إذا قيست بغيرها لم نجد لها نظيرًا بين حروف الأبجديات على تعددها وكثرة التحسينات التي أدخلت عليها. 

وهناك باب تنفرد فيه اللغة العربية، وتزداد ثراء عن أي لغة قد تكون فيها لمحة من هذا الباب العجيب من أسرار اللغة العربية وذوقها وطرائف تركيباتها، ألا وهو أن الحروف لها علاقة بدلالات الكلمات.. يقول الأستاذ العقاد: فحرف الفاء هو نقيض حرف العين بدلالته على الإبانة والوضوح، «فتح فضح، فرح، فلق، فجر، فسر»، وحرف الضاد خص بالشؤم يسم جبين كل لفظة بمكرهة، لا يكاد يسلم منها اسم أو فعل، «ضجر، ضر، ضير، ضجيج، ضوضاء، ضياع، ضلال، ضنك، ضنى، ضوى، ضراوة، ضئزى». 

ولا نعرف بين اللغات الكبرى لغة أصلح من لغتنا العربية لهذا الباب من أبواب الدراسات اللغوية، لأن مخارج حروفها مستوفاة متميزة، خلافًا لأكثر اللغات التي تعوزها الحروف الحلقية أو تلتبس فيها مخارج حروف الهجاء. 

إن الإلمام بالقواعد والتدرب عليها ليس بالأمر العسير، ولو أن الأساتذة والعلماء والمذيعين والصحفيين وأصحاب الأقلام عكفوا عليها في دورات تدريبية قصيرة، لاستقامت ألسنتهم، وارتفعت فصاحتهم، ولأسلمت لهم العربية قيادها .

القرار السياسي

قد قامت المجامع اللغوية بجهد عظيم في هذا الشأن، ولكن مجلاتها للأسف الشديد غير متوافرة في الأسواق، واليقين لدينا أن الأمر متعلق بقرار سياسي، فإن علماء الأمة وأدباءها لم يألوا جهدًا لخدمة لغتنا الحبيبة.

ولقد أصدرت فرنسا تشريعًا عام ١٤١٤هـ الموافق ١٩٩٤م، يعاقب عقوبة محددة لمن يستخدم لغة غير الفرنسية في تحرير الوثائق والمستندات والإعلانات، وكافة مكاتبات الشركات العامة والمحلات التجارية، وقد صدرت قرارات في بعض الدول العربية بنفس التوجه الفرنسي بالنسبة للغة العربية والتاريخ الهجري، ولكن للأسف بدون تحديد للعقوبة، ومن أمن العقوبة أساء الأدب، فأجهضت تلك القرارات فولدت ميتة.

والتصور العام للخطوات التي يجب اتخاذها في الواقع العملي هو القرار السياسي فهو مدار الأمر كله، وبدونه لن نصل إلى أي نتيجة، وذلك مفهوم من المحاولات الكثيرة التي لم تثمر حتى الآن.

الرابط المختصر :