; الحركة الانتخابية والصراع الحزبي في باكستان.. مأزق حزب بوتو | مجلة المجتمع

العنوان الحركة الانتخابية والصراع الحزبي في باكستان.. مأزق حزب بوتو

الكاتب عبدالرحمن محمد سعيد

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أكتوبر-1988

مشاهدات 82

نشر في العدد 887

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 18-أكتوبر-1988

    نقدم لكم تقريرًا مستفيضًا عن «محاور الصراع الحزبي» قبيل الانتخابات التي ستجري قريبًا في باكستان، وسيتناول بحثنا في هذه الحلقة حزب الشعب الذي تتزعمه «بنازير بوتو» ابنة رئيس الوزراء السابق «ذو الفقار عليَّ بوتو» الذي حكم عليه بالإعدام بتهمة جريمة قتل، وسنتناول في العدد القادم بقية المحاور السياسية.
    كان ضياء الحق في آخر أيامه -وخاصة بعد إعفاء حكومة جونيجو- قد بدأ في إحياء حزب الرابطة الإسلامية، وبث رجاله في مواقع رئيسية فيه، فقد نجح في جعل ميان نواز شريف رئيس وزراء البنجاب والفريق (م) فضل حق رئيس وزراء الإقليم الحدودي الشمالي الغربي، والسيد ظفر الله خان جمالي رئيس وزراء بلوشستان، والسيد أخطر علي قاضي، رئيس وزراء السند يختارون كرؤساء الحزب الرابطة الإسلامية في إقاليمهم، وقد أدى هذا التغيير في القيادات إلى تقوية الحزب بعد الضعف الذي أصابه أثناء رئاسة محمد خان جونيجو للحكومة؛ إذ إن جونيجو قد أظهر ضعفًا كبيرًا وعجزًا واضحًا عن تحمل مسؤوليات الدولة، إلى جانب ضياء الحق، بل يقال إنه كان قد بدأ يتآمر على ضياء الحق، يريد عزله عن رئاسة الجمهورية، ولكن عاجله بالتنحية قبل أن تكتمل له خيوط المؤامرة.
أيتام السياسة:
    بعد الاستيلاء على قيادة الأقاليم الأربعة اتجه ضياء الحق للرئاسة، فاجتمع بزعيم الحزب الروحي السيد بير بقارا، ورئيسه محمد خان جونیجو، يفاوضهما في التنازل عنها لصالح شخص مقبول لدى الطرفين: طرف رجال ضياء الحق الجدد، وطرف رجال الحزب القدامى، وكاد الاتفاق أن يتم، بل أعلن الاثنان أنهما يمكن أن يتنازلا لصالح السيد فدا محمد خان الذي كان حاكمًا على الإقليم الحدودي الشمالي الغربي قبل فضل حق، وكان مستقلًا نوعًا ما، بينما كان رجال ضياء الحق يفكرون في أسلم ختاك الوزير الأول في حكومة ضياء الحق، وبدأت دوائر الحكومة تفكر في قبول ترشيح فدا محمد خان حتى تضمن تبعية جهاز الحزب كله لرجالها، ولكن المنية عاجلت ضياء الحق، ولذلك مضى وترك وراءه حزبًا مفككًا متنازع القيادة مما جعل «بينازير بوتو» تسميهم (أيتام السياسية).
    بعد ذلك بقليل انعقد مؤتمر الحزب الرابطة الرسمي بدعوة من نواز شريف في لاهور، وانتخب فدا محمد خان رئيسًا ونواز شریف أمينًا عامًا، بينما انعقد مؤتمر آخر لحزب الرابطة الإسلامية جناح جونيجو في إسلام آباد، واختار جونیجو رئيسًا، وإقبال أحمد خان أمينًا عامًا، وبالتالي صار هناك حزبان باسم الرابطة الإسلامية يفرق بينهما الحرف الأول من اسمي فدا وجونيجو المضاف إليهما (PML (F و (J) PML
الأحزاب لانتخابات:
    دخلت الأحزاب الباكستانية معركة الانتخابات التي ستعقد في ١٦ نوفمبر، وأهم هذه الأحزاب هي: حزب الرابطة الإسلامية (فدا)، حزب الرابطة الإسلامية (جونيجو)، الجماعة الإسلامية (قاضي حسين)، حزب الشعب الباكستاني (بوتو)، حزب الشعب الوطني (جانوى)، جمعية علماء باكستان (مولانا شاه أحمد نوراني)، جمعية علماء إسلام (مولانا فضل الرحمن)، حزب العامة الوطني (خان عبد الولي خان)، حزب حركة الاستقلال (مارشال الجو «م» أصغر خان)، وجماعة أهل الحديث (بروفيسور سجاد)، وأحزاب أخرى صغيرة متعددة.
ونتعرض فيما يلي لمواقف هذه الأحزاب واحتمالات أدائها في انتخابات ١٦ نوفمبر.
•    حزب الشعب الباكستاني:
أ - تقود هذا الحزب بينازير بوتو ابنة رئيس الوزراء السابق ذو الفقار علي بوتو، الذي حكمت عليه محكمة باكستانية بالإعدام، بعد أن ثبتت عليه تهمة قتل أحد خصومه السياسيين، وقد أيد الرئيس الراحل ضياء الحق حكم الإعدام، وتم في ۱۹۷۸، وبعد مقتل بوتو قادت الحزب لفترة زوجته نصرت بوتو، ثم مرضت وتركت العمل، وغادرت باكستان لتعيش في فرنسا، وظل الحزب بدون قيادة لفترة، ثم جاءت ابنة بوتو بينازير من إنجلترا حيث كانت تدرس، وقادت الحزب بصفة أنها الرئيسة المشاركة، ولكن ضياء الحق صبر عليها حتى تكشفت بعض جوانب ضعفها، وبدأت تفقد الشعبية رويدًا رويدًا، ثم أقام انتخابات عامة على أساس المنافسة الفردية فاز في أغلبها أعضاء من حزب الرابطة الإسلامية، بينما قاطعتها بينازير بوتو، وقد تضررت شعبيتها كثيرًا من جراء ذلك، ولمقاومة حكم ضياء الحق كونت بينازير تجمعًا اسمته حركة استعادة الديمقراطية (M R D) واعتقلت أكثر من مرة، ويقال إن السلطات اكتشفت أنها مدمنة مخدرات.
ب – مبادئ بینازیر بوتو:
    بيتازير بوتو من عائلة شيعية باكستانية، وهي تهاجم التشريعات والحدود الإسلامية علنًا، ولا يعلم مدى تعاونها وتنسيقها مع الأقلية الشيعية في باكستان التي تبلغ (١٠%) من مجموع السكان، وهنالك في ظننا احتمالان:
الأول: أنها قد تكون سياسية وطالبة حكم، ولا يهمها أمر الدين، وإنما تسعى لكسب الشعب برفع الشعارات البراقة، مثل: الديمقراطية، والحريات، والعدالة...إلخ، ويدعم هذا الرأي أن أغلب الآراء التي أعلنتها حتى الآن هي آراء علمانية ليبرالية، وأنها حاولت تجميع أحزاب المعارضة في حركة استعادة الديمقراطية، وأنها لم تكن حريصة على الظهور في المناسبات الدينية الخاصة بطائفتها.
الثاني: أنها ذات صلة وثيقة مع الحركة الباطنية العالمية، وأن كل مظاهرها العلمانية الليبرالية الوطنية إنما هي نوع من الغطاء والتقية، ويخشى أنها إذا كانت كذلك فقد تكون لها صلة بحركة سرية، للاستيلاء على باكستان.
    وقد نقل إلينا مصدر موثوق من الجماعة الإسلامية في باكستان أنهم قد تأكد لهم (على حد قوله) بأن ضياء الحق ومن معه قد قتلوا بواسطة الطيار الانتحاري الذي كان يقود طائرتهم عندما هوى بها إلى الأرض.
    والدليل على ذلك هو أنهم وجدوا تسجيلًا على الصندوق الأسود يقول فيه مساعد الطيار للطيار بالنص: ماذا تفعل يا (فلان)؟ هل أنت مجنون؟ والطيار قد علم الآن أنه من الفئة الباطنية، وليست هناك أية دلائل على أية إصابة بقنبلة أو صاروخ، مما يرجح الاحتمال بأن تفجير الطائرة قد كان بتخطيط ومؤامرة باطنية انتحارية.
    ومعنى ذلك في رأي عضو الجماعة الإسلامية أن قتل ضياء الحق قد يكون جزءًا من مسلسل دموي للاستيلاء على الحكم في البلاد مثلما حدث في بلاد إسلامية أخرى.
الخطر المرسوم:
    وإذا صح هذا الاحتمال فإن خطر بينازير على باكستان والعالم الإسلامي وخاصة السني سيكون عظيمًا، وقد تكون مشاركة في المؤامرة أو عالمة بها، لا سيما وأنها لم تظهر دهشة على الحادث الذي هز العالم، بل صرحت للصحف الصادرة يوم ١٨/ ٨ ثاني يوم للحادث بأنها لا تتأسف على موت ضياء الحق، وأنه هو الذي بدأ مسلسل العنف وراح ضحيته الآن (جريدة مسلم).
    ولا يقدم أغلب الناس سببًا لإقدام الباطنيين على مثل هذا العمل سوى الانتقام لمقتل عارف الحسيني، الذي كان قد قتل قبل شهر من مقتل ضياء الحق، ولم يعلم شيء عن قاتله ونسبه بعض الناس لأهل السنة.
ج- حزب الشعب الباكستاني:
    يستمد قوته من أيام ذي الفقار عليَّ بوتو عندما اكتسح الانتخابات في باكستان الغربية قبيل انفصال بنغلاديش في سنة ۱۹۷۰، ولا زال الرجال الذين كانوا يعملون مع رئيس الوزراء السابق يحيطون ببينازير بوتو بهالة من الاحترام والتقديس، والحزب موحد وقيادته ثابتة ونفوذه على الصحافة كبير، وخاصة على جريدة المسلم الواسعة الانتشار التي تمولها إيران.
تسخير الإعلام لبنازير:
    لقد ظلت بينازير تظهر كل يوم في الصحف تقريبًا في هجوم كاسح على وزراء الأقاليم والحكومة المركزية، وتطالب بحل مجلس الوزراء، وطرد حكام الأقاليم الأربعة، وتشكك في أمانتهم، وتنادي بتكوين حكومة محايدة، وقد كان من نتيجة هذه الإستراتيجية الهجومية أن الأطراف الأخرى انشغلت بالدفاع والانقسامات الداخلية، بينما تتفنن بينازير كل يوم في اختراع الاتهامات نحو خلفاء ضياء الحق.
    إن دعاية بينازير الإعلامية قوية جدًا، وهي تكسب باستمرار أعضاء جدد من الوزراء والنواب السابقين، ولكن رغم ذلك فإن بينازير قد فقدت كثيرًا من بريقها السابق وهي فوق ذلك مشغولة بنفسها، فهي حامل في شهرها السابع، مما جعلها لا تظهر في الليالي السياسية إلا نادرًا، وقد استنجدت أخيرًا بوالدتها نصرت بوتو للحضور إلى باكستان لقيادة المعركة الانتخابية فحضرت هذه يوم ١٧/ ٩، وبدأت في العمل السياسي والظهور على صفحات الصحف، على أن الانطباع الذي تكون حتى الآن عن نصرت بوتو أنها غير متابعة للأحداث، وغير مثقفة ثقافة سياسية، وقد اتضح الآن لبعض أهل الرأي وجموع المسلمين بأن هذا الحزب تقوده مجموعة من النساء الفارغات، وبدأ الاستغراب يطفح إلى السطح حول الرجال الكبار من أهل السياسة والثقافة الذين يتبعون امرأتين جاهلتين.
    ويظن كثير من الناس أن بينازير وأمها يمتلكان أموالًا ضخمة هي التي تجذب إليهما الناس مثل الذباب، وفي تقدير الفريق فضل الحق أن بينازير تسلمت بليون روبية من دول أجنبية لإدارة الدعاية الانتخابية، ولكن رغم هذا يتلفت الناس لزعيم أكثر بريقًا وقوة في مثل صلابة ضياء الحق.
هـ - بينازير والأفغان:
    معروف أن بينازير لا تتعاطف مع الجهاد الأفغاني، وتقف ضد المجاهدين، وتؤمن باستخراج باكستان من القضية الأفغانية كالشعرة من العجين، ومعنى ذلك المصالحة مع السوفيات، وإيقاف الدعم الباكستاني أو القادم من الدول الإسلامية من الوصول إلى أيدي المجاهدين، وإذا حدث ذلك فستثبت أقدام الشيوعيين في أفغانستان، وتفرض حكومة كابول سيطرتها على عموم البلاد، ويعود الجيش وسلاح الجو السوفياتي إلى البلاد، ويكون على بعد أقل من (٢٠) دقيقة طيران من الخليج العربي، وبما أن الروس مدوا شبكة تجسسهم وأعمالهم التخريبية إلى باكستان، وخاصة بلوشستان فإن احتمال تغلغل السوفيات عبر الأرض الباكستانية في بلوشستان حتى مياه الخليج قد صار أمرًا واردًا، خاصة إذا ضعفت قبضة الحكومة المركزية في إسلام آباد علی أطراف البلاد المختلفة.
توقعات:
    بعد هذا الاستعراض لواقع حزب الشعب الذي تقوده (بنازير بوتو) وأمها بالوكالة عنها، يسأل بعض المراقبين: ماذا يمكن أن تحقق بنازير في الانتخابات المنتظرة بعد شهر؟ المراقبون المطلعون على طبيعة تفكير الناخب الباكستاني يضعون الملاحظات التالية:
١- أن الشعار الذي ترفعه بنازير ووالدتها شعار هجين بين الاشتراكية التي بدأت تعلن إفلاسها في كل أنحاء العالم بعد أن تم الإعلان عن سقوطها في مسقط رأسها، وبين التحديث الغربي في الفكر السياسي والاجتماعي الذي عانى منه الشعب الباكستاني زمن أبيها (بوتو).
٢ – أن عدائية بوتو (لتطبيق الشريعة الإسلامية) والتي تآلفت عليها حاليًا تسعة أحزاب سياسية بما فيها الحزب الحاكم إلى جانب الجماعة الإسلامية، إن هذه العدائية لبنازير فيما يختص بتطبيق الشريعة الإسلامية سوف تصد عنها الناخب الباكستاني المسلم المتطلع إلى تطبيق الإسلام جملة وتفصيلًا في بلاده، وإذا كان الإعلام الغربي والاستعماري يصور غير هذه الحقيقة؛ فذلك لأنه لا يريد أن تقوم للإسلام قائمة، كما أنه يريد أن يدفع بباكستان إلى الهاوية عن طريق الأحزاب العلمانية المعادية لشريعة الله وعلى رأسها حزب (بنازير).
٣- هناك قضية جوهرية تتعلق بالناخب الباكستاني، وهي أن حزب الشعب تقوده امرأة تنتظر أن تنجح في الانتخابات البرلمانية كتمهيد لترشيح نفسها لرئاسة باکستان أو رئاسة الحكومة فيها، ومعروف أن المرأة في الإسلام لا يمكن أن تتسلم الولاية العظمى، وإذا كان كل الشعب الباكستاني يدرك هذه الحقيقة فإنه بالتأكيد سيصدف عن انتخاب بنازير بوتو وحزبها، وفيما لو نجحت بنازير في دائرتها الانتخابية، واحتلت مقعدًا في البرلمان الباكستاني -كما يتمنى التغريبيون وأسيادهم- فإن معظم المعطيات تشير إلى أن حزب الشعب لن يتمكن من الحصول على أية أغلبية برلمانية تؤهله لحكم باكستان حتى لو تحالف مع الشيطان.
    على أن ما يؤكد هذه الحقيقة في أذهان أبناء الشعب الباكستاني، ويرجح سقوط حزب الشعب وعدم وصول زعيمته إلى حكم باكستان عدة أمور، منها:
١- توجه الناس وتطلع الأنظار في باكستان المسلمة نحو التحالف الإسلامي الديمقراطي الذي يتألف من تسعة أحزاب سياسية بينها الجماعة الإسلامية في باکستان.
٢- أن حزب الرابطة الإسلامية (الحاكم) والمختلف مع الفرع الذي يرأسه جونيجو يستثمر الآن تجربة الشعب الباكستاني المريرة مع قضية اغتيال ضياء الحق التي تشير أصابع الاتهام فيها إلى فئات باطنية، ولما كانت بنازير من تلك الفئة الباطنية فإن جموع أهل السنة في باكستان لن يتوجهوا يوم الاقتراع نحو بنازير البنة.
٣- أن تعاطف الشعب الباكستاني مع الشعب الأفغاني المجاهد له اعتباره في تقييم الموقف من بنازير وطرحها المعادي للشعب الأفغاني المسلم.
    ولكن تبقى قضية الولاية العظمي الماثلة أمام الشعب الباكستاني هي القضية الأكثر حساسية في ذهن الناخب الذي يرفض أن تحكمه امرأة قطعًا.
    هذه بعض الملاحظات الأساسية على موقع حزب الشعب وبنازير بوتو قبل أسابيع قليلة من الانتخابات البرلمانية الحاسمة، ونعد القارئ بتقديم عرض لواقع الأحزاب الأخرى في الأسبوع القادم إن شاء الله، فإلى اللقاء.

الرابط المختصر :