; الأقلية التركية المسلمة في بلغاريا بين مفاوضات الكويت ورياح التغيير | مجلة المجتمع

العنوان الأقلية التركية المسلمة في بلغاريا بين مفاوضات الكويت ورياح التغيير

الكاتب محمد عبد الهادي

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-1990

مشاهدات 108

نشر في العدد 952

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 30-يناير-1990

 

«نعم.. انتهت مشكلة المسلمين البلغار بقرار "سيادة" صادر عن الحكومة البلغارية الجديدة، ومن مجلس الدولة في مستهل الحقبة الديمقراطية التي بدأت في العاشر من نوفمبر الماضي».

هذه الكلمات التي تشكل انقلابًا جذريًّا في سياسة الحكومة البلغارية تجاه الأقلية التركية المسلمة نطقها بوبكو ديميتروف وزير خارجية بلغاريا في ختام زيارته للكويت يوم 10/1/1990. ويبقى السؤال: ما هي الحقوق التي استردها المسلمون الأتراك بعد إقالة الطاغية تيودور جيفكوف الذي حرم الأقلية التركية المسلمة في بلغاريا من كافة الحقوق التي يتمتع بها الإنسان؟

ولا نريد في هذا المقام أن نعدد جرائم الرئيس السابق بحق الأقلية المسلمة؛ لأننا أتينا عليها في معظم أعدادنا السابقة، وإنما نريد هنا أن نقرر حقيقتين:

أولًا: كان لاكتساح موجة الديمقراطية في أوروبا الشرقية أثر كبير على النظام الشيوعي في بلغاريا، فقد أطاحت رياح التغيير بقمة الهرم السياسي، وأدخلت رئيس الجمهورية الشيوعي الأسبق تيودور جيفكوف السجن لتُوجّه إليه العدالة عددًا كبيرًا من التهم منها:

1.     البطش والتنكيل بالشعب البلغاري وحكمه حكمًا منفردًا بكل وسائل الحديد والنار.

2.     استغلال السلطة وتوظيف أموال الدولة وأملاك الشعب العامة لمصلحته ومصالح محسوبين من أقرباء ومقربين.

ثانيًا: شمول المد الديمقراطي في أوروبا الشرقية، والذي وصل إلى بلغاريا في العاشر من نوفمبر الماضي 1989، الأقلية المسلمة التركية. والتي لخص لنا -هنا في الكويت- وزير الخارجية البلغاري وضعها الجديد بقوله: «لقد ألغينا القوانين التي فرضها النظام السابق، وهذا القرار يخص كل السلطات البلغارية، ودستورنا حدد حقوق المواطنين وواجباتهم، وكفل حقوق الإنسان».

لقد أدلى الوزير البلغاري بوبكو ديميتروف بمعالم السياسة الجديدة أثناء زيارته للكويت قبل ثلاثة أسابيع، ولعل ما أدلى به يتضمن:

1.     عدم مسؤولية النظام الجديد عن جرائم نظام جيفكوف المُقال.

2.     الاعتراف الكامل والواضح بأن للأقلية المسلمة في بلغاريا كافة الحقوق التي يتمتع بها المجتمع البلغاري كله.

3.     الإقرار بعدم التمييز بين مسلم وغيره في بلغاريا، وذلك بحسب قول الوزير أثناء مفاوضات الكويت: «العملية الديمقراطية في بلغاريا تشمل جميع الفئات».

مظاهرات ضد المسلمين

بعد إعلان الحكومة البلغارية عن مساواة المسلمين مع غيرهم في الحقوق والواجبات داخل بلغاريا سار بضعة مئات من البلغار الشيوعيين من بقايا نظام جيفكوف المخلوع في شوارع صوفيا وغيرها من المدن منددين بقرار العهد الديمقراطي بإعادة الحقوق المسلوبة للمسلمين في بلغاريا، ويبدو أن النظام غض النظر عن تلك المظاهرات الهزيلة -باسم الديمقراطية- ليفسح المجال أمام الإعلام العالمي لنقل رغبة المسلمين بالنسبة لأوضاع الأقلية التركية المسلمة وحقوقها. على أن استغلال الديمقراطية لرفع المطالب المضادة للمسلمين أمر يخدش في مصداقية الديمقراطية التي رُفع شعارها في صوفيا في نوفمبر الماضي، فالمتظاهرون لم يكونوا ليمثلوا الشعب البلغاري بأسره وهم بضعة مئات، ومن المعروف أن بقايا النظام السابق ما زالت تصطاد في الماء العكر ضد الأقلية التركية المسلمة، فلماذا يُفسح المجال لأتباع جيفكوف.. وللإعلام العالمي لخدش سلامة الموقف الحكومي المطلوب بالنسبة لقضية المسلمين في بلغاريا؟ أم ترى أنه ما زال كُره المسلمين العقائدي يعشش في صدور دعاة الديمقراطية أيضًا؟!

المصداقية المطلوبة

إن قرار العهد الديمقراطي الجديد فيما يتعلق بمشكلة الأقلية التركية المسلمة يتطلب تنفيذًا.. فلا بد من إنصاف 350 ألفًا من المهاجرين الأتراك الذين عبروا في الصيف الماضي إلى تركيا خوفًا من بطش جيفكوف المقال.. ويتطلب إنصاف هؤلاء ومن سبقهم إلى الهجرة في السنوات السابقة ما يلي:

1.     السماح لكافة المهاجرين الفارين بدينهم وهويتهم بالعودة إلى بلغاريا في أي وقت يشاءون.

2.     إعادة الأملاك المصادرة والأموال المنهوبة للمهاجرين، ولكل من بقي من المسلمين الأتراك في بلغاريا.

3.     إطلاق سراح كافة المعتقلين من المسلمين بتهم نظام جيفكوف المخلوع.

4.     السماح للمسلمين بإقامة كافة الصلوات المفروضة في المساجد، مع الإقرار بحقهم في بناء المساجد وإقامة الشعائر الإسلامية المطلوبة.

5.     ترك حرية اختيار الأسماء للمواليد الجدد للوالدين، ومنع سلطات السجلات المدنية من التدخل لمنع الأسماء التركية والأسماء الإسلامية والعربية، مع إعادة الاعتبار لكل من فقد اسمه وغيره إلى اسم بلغاري بحسب أوامر السلطات الشيوعية السابقة.

وإذا كانت السلطات البلغارية الجديدة تعتبر أن المهاجرين إنما هم مواطنون بلغار لهم حرية الهجرة والعودة في أي وقت يريدون.. فإننا نعتقد أن هذه المقولة هي نفسها التي كان يرددها النظام السابق وعلى رأسه تيودور جيفكوف؛ وذلك لمنع تركيا من بسط حمايتها ورعايتها لأولئك المهاجرين، وهنا يحق لنا أن نتخوف من المستقبل؛ فالوزير البلغاري علق على سؤال هنا في الكويت بقوله: «هؤلاء مواطنون لهم حق المغادرة ولهم حق العودة، وهم أحرار أينما أرادوا الذهاب، وهذا وضع موضوعي -على حد تعبيره- ويخص جميع المواطنين». لكن الوزير الذي استطرد في حديثه حول هذه النقطة كشف عن عدم قدرة الديمقراطيين الجدد على تفهم مشكلة الأتراك المهاجرين حيث قال: «ليس هناك أسباب منطقية لأن نعطي الذين غادروا إلى تركيا امتيازات خاصة».

ترى.. هل ستبرز مسببات جديدة مفتعلة هذه المرة تعيد المأساة للأتراك المسلمين ولكن بشكل آخر؟

إن هناك ثلاثة عوامل تجعل بعض القوى داخل بلغاريا تتنكر للمسلمين وتهضم حقوقهم:

•       فهناك أولًا ذلك الميراث الشيوعي الذي يزيد عمره عن 50 سنة، مليئة بالحقد على الأديان، وعلى الإسلام بشكل خاص، الأمر الذي -كما يتصور بعض المراقبين الإسلاميين- لن يتيح للأقلية التركية أن تكون حرة كما يقتضي النظام الديمقراطي.

•       أما العامل الثاني فهو النعرة القومية التي ستزداد في صفوف البلغار بعد انحسار الشيوعية عن كاهل أوروبا الشرقية برمتها.. وإذا كانت العوامل القومية قد تدخلت في عهد الرئيس المخلوع جيفكوف في اضطهاد المسلمين، فإن تلك العوامل ما زالت هي هي.. ولن يستطيع النظام الديمقراطي القضاء عليها.

•       والعامل الأخير هو عامل ديني؛ حيث إن الشيوعية التي اصطدمت مع الكنيسة المسيحية ستترك المجال الآن ليتنفس رجال الدين في بلغاريا، مما سينعكس على شعب بلغاريا تدريجيًّا، ولا نستطيع الزعم بأن عودة الكنيسة إلى ممارسة بعض أدوارها السابقة سيؤثر على أوضاع المسلمين سلبًا.. إلا أن ما حصل في أذربيجان الإسلامية أمر يجعلنا نحتاط من الديمقراطية المقبلة على أوروبا الشرقية، فقد وقف غورباتشوف ومعظم رجال إدارته إلى جانب الأرمن ضد أهل أذربيجان، كما أن تصريحات غورباتشوف بشأن قضية أذربيجان فاحت منها رائحة الحقد على الدين الإسلامي، وهذا ما لا نتمنى أن يحصل في بلغاريا التي ما زالت تُلملم جراح الأمس التي كانت تنزف طيلة عهد جيفكوف المخلوع.

وبعد: فإن قضية المسلمين في بلغاريا دخلت في بوابة الحلول على يد الكويت، وإذا كانت الكويت قد نجحت في تقريب وجهات النظر بين الأتراك والبلغار في عهدهم الجديد، فإن ذلك لا يعني أننا وصلنا إلى نهاية المطاف.. والذي ننتظره من الكويت بالذات أن تُكمل إنجازها بالعمل على رد الحقوق إلى أصحابها، سواء كانت أموالًا أم عقارات، كما أنه لا بد من العمل لرد الاعتبار لكل من أُهين في زمن جيفكوف.. أما وضع المهاجرين الذين يعيشون في الخيام وفي البيوت الصناعية على أرض تركيا المسلمة، فهو وضع يحتاج إلى مد يد العون ماليًّا ومعنويًّا.. فهل تشهد المفاوضات القادمة والتي ستحدث في أوتاوا بكندا مرحلة جديدة تنتهي فيها مأساة أولئك المهاجرين.. إننا بالانتظار.

 

 

 

الرابط المختصر :