العنوان نحو وعي سياسي ... السلوك هو الفيصل
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-ديسمبر-1980
مشاهدات 73
نشر في العدد508
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 23-ديسمبر-1980
• السياسة في ديار المسلمين تعنى فن النفاق على الشعوب، وليس حراسة الدين وسياسة الدنيا!
• العمل هو المعيار في صدق السياسيين وليس القول ولا الشعارات.
• العمل السياسي المقبول ما وافق الشرع أو فيه حكمة بصرف النظر عن نية العامل أو مبدئه.
• الاختلاف في فهم الحكمة والمصلحة لا يفسد الود بين الجماعات الإسلامية.
لا يخفى أن العالم الإسلامي يعيش هذه الأيام في تيهٍ وضلال، فهولا يكاد يفلت من فتنة حتى يدخل في فتنة أخرى أشد منها، كقطع الليل المظلم، تدع الحليم فيها حيران.
وفي المصطلح السياسي الحديث يعيش العالم الإسلامي اليوم حالة «انعدام الوزن» بالرغم من أنه يملك كل مقومات «الوزن» والتأثير الدولي والحضاري بما يملك من قدرات بشرية وثروات مادية وحضارة ربانية..، وهذا بالذات ما يجعل صورة العالم الإسلامي أشد ظلمة وأكثر مأساوية.
ونحن هنا لسنا في صدد توضيح معالم هذه الصورة القاتمة، لأننا نعتقد أنها على قتامتها واضحة كالشمس، ثم إن هناك فريقًا في الأمة ممن لا يحسنون إلا ضرب الكف بالكف، والولولة والنواح، قد تخصَّصوا في هذا الجانب، ليسهموا من حيث لا يشعرون في بناء أمة نواحة ندابة!! فكفونا مؤونة توضيح الصورة ولو حتى برتوش بسيطة!
ونأمل في هذه السلسلة من المقالات أن يُوفِّقنا الله – سبحانه – لتخطي جانب الندب والنواح إلى بيان العلة وكشف العلاج في الجانب السياسي لحياة الأمة الإسلامية.
سؤال يطرح نفسه
والناظر في حال العالم الإسلامي اليوم يواجه بسؤال يكاد يردده كل فرد وهو: يشهد المسرح السياسي في دول العالم الإسلامي، وخاصةً في العالم العربي أحداثًا كثيرة وتحالفات سياسية متنافسة أو متصارعة، وكل طرف من الأطراف يدَعي أنه على الحق، وأن على الأمة أن تناصره، ولو رجع الفرد المسلم إلى ذوي الرأي لوقع أيضًا في حيرة وقلق وعجب، وتظل حالة الحيرة ظاهرة قاتلة، فكيف السبيل إلى الخروج من هذا المأزق؟ وهل منهج ينمي الوعي لدى المسلمين بحيث لا يعيشون مثل هذه الحيرة القاتلة؟!
هذا هو السؤال الذي لا يزال يطرح نفسه في عرض العالم الإسلامي، منذ ما سمي بعهد الاستقلال عن الاستعمار، وحتى الوقت الحاضر.
وهذا المقال لا يدعي شرف الإجابة الشافية الوافية على السؤال، ولكن حسبه أن يشعل «شمعة» واحدة، ولو في ركن صغير مظلم.
وإذا كان فقدان الوعي السياسي له أسباب كثيرة تتعلق بأصوله الثلاثة،
وهي الفهم الشامل الدقيق والعميق للإسلام كمنهج حياة، والفهم العميق للواقع ورصيد التجربة السياسية، فإن ما نود أن نتناوله اليوم بالتحديد هو معيار العمل في الوعي السياسي.
العمل لا القول
والإسلام كمنهج رباني للحياة كان واضحًا أنه يقوم على مبدأ الصدق والإخلاص في القول والعمل، وحتى لقد سمَّى الله المفارقة بين القول والفعل مقتًا، وكرَّهه للمؤمنين بقوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾(الصف:3).
وهذا ينطبق على كل مفارقة بين القول والفعل، سواء أكانت في أمور الدين أم سياسة الدنيا أم قيادة الأمة، وطالما أن هناك من يقولون مالا يفعلون فلابد من معيار لصدقهم، وهذا المعيار لا يكون إلا العمل، والقول يتعلق بالنية ومحلها القلب، ولا يطلع على القلوب الا الله – سبحانه – وهو الذي يحاسب على النية، أما نحن البشر فمعيار الصدق فينا أفرادًا وجماعات، محكومين وحاكمين هو العمل والعمل فحسب، هذه بديهية من بديهيات الإسلام، وحقيقة حياتية تنبَّه لها البشر من غير المسلمين أيضًا، وخاصةً في دول العالم الرأسمالي، ولكنها مع ذلك لم تتخذ معيارًا لدى المسلمين إلا في أمور الدين الشخصية:
والعمل ليس عائمًا ولا محددًا، فالعمل المقبول عند الله كما يفهم كل مسلم لابد له من شرطين: النية الخالصة، والموافقة للشرع، وبما أن حقيقة النية لا يعلمها الا الله، فالعمل المقبول عندنا نحن البشر هوما وافق الشرع. فالحاكم لا يكون صادقًا وناصحًا للأمة الا إذا عمل عملًا له سند من كتاب الله أو سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وعندما كان هذا المعيار واضحًا لدى المسلمين كان الفرد على مستوى أعرابي غير مثقف أو امرأة غير متعلمة يقوم على أمير المؤمنين، ليرد عليه عمله ويقومه من غير التفات إلى حسن أو سوء نية الإمام، ولو أردنا أن نُطبِّق ذلك في الوقت الحاضر وهذا هو الواجب، لوجدنا من يتساءل بأن تطور العصر قد أوجد «أعمالًا» ليست مذكورة في الكتاب ولا في السنة، والإجابة على هذا التساؤل بسيطة فصل فيها الفقهاء القول منذ القدم، فيما أسموه بالمصالح المرسلة، وخلاصة الأمر أن كل عمل في مصلحة عامة للمسلمين ولا يصطدم بقاعدة شرعية فهو مطلوب ومحمود، وبعبارة أخرى نقول: إن الأعمال التي يقوم بها القادة السياسيون في العالم الإسلامي حتى تُقبل منهم لدى الأمة، لابد أن تكون موافقة للشرع أو قائمة على المصلحة والحكمة. ولو استعرضنا تاريخ الأنظمة السياسية منذ عهد الاستقلال، لتبين لنا كم هي كثيرة الأعمال التي قاموا بها، ولم تستند إلى رأي شرعي ولا إلى حكمة ومصلحة، ومع ذلك فإنه نادرًا ما قام أحد من المسلمين ليرد عليهم أعمالهم، وليُقوِّم اعوجاجهم، بل إن الجموع الكثيرة كانت تُصفِّق لهم وتهتف بحياتهم!
خلاف الرأي لا يفسد المودة
وقد يقال إن الأفهام قد تختلف في التوصل الى الأعمال الحكيمة، لأنها من طبيعة العقول التباين وهذا حق، ولكن على أية حال فالأمة الإسلامية لا تجتمع على باطل، وفي ظل الظروف السياسية الحاضرة لا أظن أن هنالك مجالًا للتباين الكبير في فهم مصلحة المسلمين، كما لا أعلم خلافًا كبيرًا حول ذلك بين جميع الجماعات الإسلامية.
وعلى أية حال فالقاعدة التي أحياها حسن البنا بقوله نتعاون فيما اتفقنا فيه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، يجب أن تُعمَّم على العمل السياسي خاصة بين الجماعات الإسلامية، فهي إن لم تستطع حاليًا أن تتوحد فلا أقل من أن تتعاون على البر والتقوى، وإذا تباينت رؤيتها للمصلحة والحكمة لم يؤثر ذلك على ما بينها من مودة وأخوة إسلامية.
و.. نعم العمل هو المعيار والفيصل، وما لم يصبح كذلك فستظل سوق الشعارات والدعاوى الكاذبة، رائجة رابحة على حساب الإسلام والمسلمين، والعمل هو الفيصل في صدق الصادقين من السياسيين في ديار المسلمين، خاصةً وأن السياسة عندهم لا دخل للأخلاق بها، وهي كما علمتنا الأيام «فن النفاق» على الشعوب، وليست حراسة الدين وسياسة الدنيا كما فهمها الأوائل، ولا حتى «فن الممكن» كما يفهمها السياسيون في الغرب!
ما أشبه اليوم بالبارحة
هل تعلم ما قاله الباباوات أثناء الحروب الصليبية؟
لقد قال هؤلاء:
«الغدر إثم٠ ولكن الوفاء مع المسلمين أكثر إثمًا».
وهل تعلم أنه في يومين قتل الصليبيون في ساحة المسجد الأقصى وحوله سبعين ألف مسلم؟
لذا فلا غرابة في موقف أمريكا وإنكلترا ومعظم الدول الأوروبية وتأييدهم لليهود في مناقشات الأمم المتحدة، ومعارضتهم بأن يكون للفلسطينيين وطنٌ في بلدهم فلسطين، فهم الذين زرعوا اليهود شوكة في قلب العالم الإسلامي، وهم الذين يرعون مصالحهم، فلا عهد ولا ذمة ولا وفاء لهم، فما أشبه اليوم بالبارحة!!.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل