العنوان هل يخسر الرئيس الأمريكي وظيفته بسبب العراق؟
الكاتب محمد صادق أمين
تاريخ النشر السبت 01-مايو-2004
مشاهدات 59
نشر في العدد 1599
نشر في الصفحة 22
السبت 01-مايو-2004
muhammadsadk@hotmail.com
لم تكن الأيام الماضية أيامًا عادية على قوات الاحتلال الأمريكي في العراق، فقد تصاعدت المقاومة العراقية وبلغت درجة الانتفاضة الشعبية، والشيء الجديد الذي يميز عمل المقاومة هذه المرة هو عدم اقتصارها على ما اصطلح على تسميته بالمثلث السني، بل تعداه إلى المثلث الشيعي إن صح التعبير، أمر آخر يميز مشهد المقاومة الجديد هو دخول الخط السياسي على جبهة المواجهة؛ فقد هدد الحزب الإسلامي العراقي -الواجهة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في العراق- بالانسحاب من مجلس الحكم إذا استمرت العمليات العسكرية في الفلوجة.
ويذكر أن الحزب الإسلامي هو الممثل الوحيد للسنة العرب في مجلس الحكم، وقد شارك في مجلس الحكم الذي شكله الاحتلال بناء على اجتهاد يرى أن المشاركة ستؤدي إلى جلب مصلحة أو درء مفسدة حتمًا، وأن الجهاد السياسي لا يقل أهمية في هذه المرحلة عن الجهاد العسكري الذي لم تتهيأ له كافة الظروف الموضوعية بعد، ولا يلزم الحزب الأطراف الأخرى بوجهة النظر هذه، حيث يرى بعض العاملين على الساحة أنه ما من سبيل إلى تحرير العراق إلا الجهاد العسكري بغض النظر عن الظروف الموضوعية للمسألة.
المشهد العراقي في الفلوجة والنجف والكوفة وأبو غريب يعطي نفس الدلالة السياسية، فإدارة الرئيس بوش تريد التعامل مع ما تعتبره (بؤرًا للتوتر) في العراق بواسطة الحل العسكري قبل حلول الثلاثين من يونيو موعد تسليم السلطة للعراقيين، إذ تخشى إدارة بوش من تصعيد العمليات العسكرية ضد القوات الأمريكية مع اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية وهو ما سيكلف بوش وظيفته في البيت الأبيض، وهو الذي ربط في تصريح له بين مصير رئاسته والوضع في العراق قائلاً: ولا أريد أن أخسر وظيفتي... وهو ما يفسر سبب اختيار التصعيد مع جماعة مقتدى الصدر في هذا التوقيت، وقد أثار إغلاق جريدة الحوزة التابعة للصدر واعتقال نائبه في هذا التوقيت دهشة المراقبين، فلو صح أن قاضيًا عراقيًّا هو من أصدر أمر إلقاء القبض على نائب الصدر في تهمة اغتيال الخوئي قبل عام كما زعمت مصادر الاحتلال فلماذا إذن تأجل الاعتقال إلى الآن؟ وهل يأتي تذكير بوش لمواطنيه بما صرح به الصدر من أنه يعتبر نفسه الذراع الضاربة لحماس وحزب الله في العراق من باب تهيئة الرأي العام الداخلي لما سيترتب على التصعيد العسكري من تبعات؟
التصعيد في الفلوجة
وفي السياق نفسه يأتي التصعيد العسكري في الفلوجة التي أوجعت الاحتلال منذ سقوط بغداد إلى اليوم. إذ إن الخسائر الأمريكية في الفلوجة ومحيطها كبيرة جدًّا وما ينقله الإعلام لا يعدو أن يكون غيضًا من فيض؛ لذا جاء حشد القوة العسكرية الهائلة في محيط الفلوجة واستخدام تكتيك مشابه لما استخدمه الجيش الصهيوني في مخيم جنين -يوم حاصر المجاهدين فيه ودمر المخيم على ساكنيه وعلى المجاهدين- من باب وضع حد للمقاومة في الفلوجة بذريعة التمثيل بجثث الأمريكيين الأربعة، حيث يؤكد المراقبون أن بإمكان القوات الأمريكية اعتقال الأشخاص الذين مثلوا بالجثث ومحاكمتهم من خلال عملائها المنتشرين في كل مكان، وهي تقوم بهذا الأمر يوميًّا وعلى مدار الساعة في كافة أنحاء العراق.
إذن هي محاولة للحسم العسكري قبل موعد تسليم السلطة للعراقيين وقبل موعد الانتخابات الأمريكية.
من جهة أخرى فإن انتفاضة الفلوجة والنجف أسقطت ورقة الطائفية التي راهنت عليها قوات الاحتلال طوال الفترة الماضية؛ فمواجهة الاحتلال أعطت زخمًا وعمقًا للتلاحم الشعبي الذي انعكس في الخطاب السياسي والشعبي، ففي أكبر تظاهرة للحزب الإسلامي العراقي في الموصل معقل أهل السنة في العراق احتجاجًا على أحداث الفلوجة رفعت صور مقتدى الصدر إلى جانب صور الرموز العراقية السنية، وهتف المتظاهرون بحياة النجف كما هتفوا بحياة الفلوجة، وهو ما يجعل الرهان على الطائفية ينحسر ويتراجع على الرغم من وقوف المراجع الشيعية في النجف بقيادة آية الله علي السيستاني على الحياد أمام المواجهات بين أنصار الصدر والأمريكان وهي -أي المراجع- التي أصرت منذ بدء الاحتلال على عدم مؤازرة وتشجيع المواجهة مع الاحتلال بهدف الحصول على مكاسب سياسية؛ إلا أنها اضطرت تحت الضغط الشعبي لاتخاذ مواقف صارمة تجاه ما يجري من أحداث.
من سيربح الجولة؟
السؤال الذي يُطرح في هذه المرحلة الحرجة بين العراقيين والمحتلين هو من سيربح الجولة؟ ربح الجولة مهم للغاية بالنسبة للطرفين؛ فمن جهة إدارة بوش وجناح المحافظين الجدد الذي خطط للحرب وقدم لها المبررات يعـد الأمـر مسألة حياة أو موت، فبعد أن كشف النقاب عن زيف الحجج التي دخلت بسببها الولايات المتحدة الحرب ضد العراق وأهمها عدم وجود مصداقية في مسألة أسلحة الدمار الشامل بات مصير المحافظين الجدد في الولايات المتحدة معلقًا بما يجري في العراق، وفي الوقت الذي تستنزف فيه الحرب الميزانية الأمريكية ويقتل فيه الأمريكان في المواجهات، لا يجد المواطن الأمريكي أي عائد من هذه الحرب على الصـعـيـد الاقـتـصـادي أو الأمني أو السياسي للولايات المتحدة بعد أن ثبت عدم وجود أي صلة بين النظام البائد والقاعدة وعدم وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق.
أما كسب الجولة بالنسبة للعراقيين فمهم جدًّا أيضًا لأن هذه مرحلة استحقاقات، وأهم هذه الاستحقاقات نقل السلطة للعراقيين وللولايات المتحدة أجندتها الخاصة في هذه القضية؛ إذ تحاول أن تسلم السلطة للنخب الموالية لها والتي دخلت العراق مع قوات الاحتلال، غير أنها فشلت في تسويق هذه النخب، ولم تتمكن تلك النخب من تسويق نفسها أمام العراقيين بسبب وجود التيارات الإسلامية الوطنية السنية والشيعية والتي تكتسح الساحة دون منافس، وهذه التيارات استثمرت الثقل الشعبي في الحصول على مكاسب سياسية على حساب التيار الوافد الذي بات يدرك صعوبة التعامل مع الجمهور العراقي.
الأحداث وأثرها على الحزب الإسلامي
كسب هذه الجولة يزيد حظ التيار الوطني الإسلامي العراقي في تحديد مصير العراق بعد نقل السلطة وأثناء صياغة الدستور الدائم وهذا الأمر -في تقديري- من أهم الأسباب التي دفعت الحزب الإسلامي العراقي المشارك في مجلس الحكم للتدخل في أزمة الفلوجة ومحاولة إيجاد مخرج سياسي للأزمة، فبعد أن هدد الحزب بتعليق عضويته في المجلس ما لم يتم فك الحصار عن الفلوجة جاء الاستدراك الأمريكي بقبول وساطة الحزب مع أهالي الفلوجة والتي تمخضت عن هدنة بين الطرفين ما زالت هشة ومعرضة للانهيار في أي لحظة بسبب تطرف القيادة العسكرية التي تقود الحملة العسكرية والمحسوبة على الجناح المسيحي الصهيوني.
النجاح الذي حققه الحزب الإسلامي في الوساطة مع أهالي الفلوجة دفع بحزب الدعوة للتوسط بين الاحتلال ومقتدى الصدر، وما زالت الجهود جارية إلا أنها تواجه بالتعنت الأمريكي الذي يصر على إخضاع الصدر وهو ما يعتبر أمرًا مستحيلاً بسبب المكانة الدينية والتاريخية لآل الصدر في العراق، وحصار النجف واحتمال اقتحام القوات الأمريكية لها يضع الوضع في العراق والمنطقة على حافة الهاوية، فلا الشعب العراقي سيرضى بمصير جنين للفلوجة ولا باقتحام النجف، وهو إن حصل سيعني انحسار الخيارات أمام التيارات السياسية بخيار واحد هو المواجهة العسكرية؛ فهل سيعي الصقور الجمهوريون في الولايات المتحدة هذه الحقيقة أم أنهم ماضون وراء تطرفهم غير عابئين بالانفجار الذي قد يحل بالمنطقة؟
الأيام القادمة حبلى بأحداث ساخنة .