العنوان في ظلال زكاة الفطر
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-1978
مشاهدات 80
نشر في العدد 410
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 29-أغسطس-1978
حرص الإسلام كل الحرص على تحرير الفرد من عبوديته للمادة، للمال، للمرأة، للزخارف... لأن الفرد عندما يصبح عبدًا للمادة ويؤثرها على غيرها من المبادئ والقيم فعندئذ توقع منه الخيانة والغدر والغش والكذب وما شئت من خسيس الصفات يقرص عليه الذهب بريقه، والمرأة جسدها، والدنيا زخارفها.
ولذلك أتى الإسلام ليحرر الإنسان من هذه العبودية، واتبع في ذلك أساليب تعتبر -إذا ما درست دراسة جدية منصفة- قيمة في قوانين التربية، ونحن لسنا الآن في مجال عرض هذه القوانين، ولكنا نريد أن نعيش لحظات في ظلال صدقة الفطر.
إن حب التملك فطرة في الإنسان يولد معه، ولكن هذا الحب للتملك قد ينمو نموًا عشوائيًا، فينقلب إلى شح ذميم، كما تنمو بعض الخلايا في جسم الإنسان نموًا عشوائيًا فتنقلب إلى سرطان قاتل.
ولقد كان من الأساليب التربوية التي اتبعها الإسلام ليحرر الفرد من هذا الشح الذي هو وجه من وجوه العبودية للمال، فرض الزكاة وصدقة الفطر عليه، وتشويقه إلى دفع الصدقات الأخرى ابتغاء مرضاة الله تعالى.
فالمسلم يدفع الزكاة.. ويدفع صدقة الفطر، وإن كان بخيلًا شحيحًا مكبلًا بأغلال الدرهم والدينار، ثم يدفع ويدفع.. ثم يدفع ويدفع.. ويتكرر منه الدفع مرات مرات، حتى تجتث صفة الشح من بين حناياه بما عوده الإسلام عليه من الدفع، حتى يصبح الدفع عادة له، حتى إذا ما احتاجت الأمة إلى ما في يده من مال بذله رخيصًا لها، لأنه تعود البذل من قبل بما رباه عليه الإسلام من البذل والعطاء، ولما كان للزكاة ولصدقة الفطر خاصة هذا الهدف التربوي -وهو تعويد الفرد على الدفع- لذلك كان لا بد أن يشملا أكبر عدد من الأفراد، لأن الشح يوجد عند كثير من الأغنياء على حد سواء، وهذا هو السر الذي جعل من أجله نصاب وجوب الزكاة وزكاة الفطر بسيطًا وهو 200 درهم من الفضة وهي لا تزيد قيمتها على ثمانية دنانير كويتية فمن ملكها وجبت عليه الزكاة، وزكاة الفطر -وأكثر الناس يملكها- فأكثر الناس إذن يتناولهم هذا العلاج.
ولكن هذا العلاج -وهو إيجاب الزكاة، وصدقة الفطر- لكي ينجح في اجتثاث الداء -داء الشح والعبودية للمال- لا بد وأن يواكبه علاج نفسي أيضًا، وفعلًا لم يفت الإسلام دعم العلاج المادي -الدفع والبذل- بالعلاج النفسي الذي يتمثل في ثلاثة أمور:
الأمر الأول: غرس الإيمان بأن الله سبحانه سيخلف على المنفق ما أنفقه ذلك وعد من الله تبارك وتعالى حيث قال: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (سورة سبأ:39)، وفي الحديث القدسي قال الله تعالى: يا عبدي أنفق أنفق عليك (متفق عليه)
الأمر الثاني: الإخبار بأن الله ينمي للمتصدق ثواب صدقته ويدخره له ليوم الحساب ليضعه خيرًا كثيرًا في ميزان حسناته يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون، وفي ذلك يقول عليه الصلاة والسلام: من تصدق بعدل ثمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل. (متفق عليه)
الأمر الثالث: أن الصدقة ترد البلاء ما نزل منه وما لم ينزل.
ويلاحظ أن هذه الأمور الثلاثة، كلها منافع جمة للمتصدق ذاته، وإذا أضفنا إلى هذا كله أن الصائم مهما اجتهد لكي يكون صيامه خاليًا من كل شائبة فلن يستطيع ذلك، لأن الصيام لا يعني الصيام عن الطعام والشراب فحسب، ولكنه يعني أيضًا صيام العين عن النظرة الحرام.. وصيام السمع عن الكلمة الحرام.. وصيام الرجل عن المشي إلى الحرام وصيام اللسان عن النطق الحرام وصيام اليد عن أن تمتد عن الحرام، وهذا أمر قدر الله سبحانه أنه لن يقدر عليه إلا أولو العزم من الناس، ولذلك فإنه سبحانه رحمة بالأمة شرع صدقة الفطر طهرة للصائم لتغسل صيامه وتخلصه مما علق به من شوائب ليصعد إلى الله كامل الوضاءة ناصع البياض، وحرى بصيام هذا شأنه أن يكون مقبولًا عند الله عز وجل.
ولا يقتصر أثر صدقة الفطر على المتصدق فحسب، بل يتعداه إلى المتصدق عليه وإلى المجتمع.
ومن جملة آثارها على المتصدق عليه الفقير: تأمين حاجاته المادية، وإشاعة الفرحة في قلبه.
إن المتتبع لتاريخ الشعوب يجد أن الأعياد لا يخلو منها شعب من الشعوب، وهذا ما يؤكد ضرورتها، لأنها تشكل محطات في حياة الشعوب ينغمر فيها الناس على اختلاف طبقاتهم بالأفراح، ولذلك فإن الحزن لا يجوز أن يجد طريقًا إلى قلب واحد منهم، وإن الفرصة يجب أن تعم كل قلب في هذه الأيام.
ولكن كيف تدخل الفرحة قلبا المعدة فيه خاوية لا يجد صاحبها لقمة العيش في يوم الفرحة، والجسد عار لا يجد الثوب الذي يدفع عنه الحر أو القر في يوم السرور، بل كيف تجد الفرحة طريقها إلى قلب وصاحبه يعاني الحرمان وهو يرى بأم عينيه ترف المترفين، وخاصة في العيد الذي يتزيد الناس فيه في كل شيء، وتكون فيه الاجتماعات الكثيرة المتتابعة، وتبدأ هذه الاجتماعات بالاجتماع الكبير في ساحة المصلى لأداء صلاة العيد ثم تتلوها اجتماعات واجتماعات لصلة الأرحام، ونشر الود بين الأصدقاء والإخوان والفقير تتسع رؤياه في هذه الآونة لما عليه الناس من البزخ والترف.
لذلك كان تأمين الكفاية لهؤلاء المحرومين، وتأمين ما يوفر لهم المستوى اللائق من الطعام الجيد واللباس الجيد في أيام العيد ضروريًا لإشاعة الفرحة في قلوبهم، ولوضعهم على درجة في سلم المساواة الإنسانية بغيرهم من ذوي اليسار في العيد.
ومن هنا فرضت صدقة الفطر لتؤمن ما يحتاجه الفقير من التوسع في النفقة في العيد بما يقارب نفقة ذوي اليسار، لئلا يشعر بذلك الفارق الكبير بينه وبينهم.
وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فرض صدقة الفطر من الأقوات بالحنطة والشعير ونحوهما -فلأن الناس في عصره كانوا يعانون فاقة شديدة وفقرًا وكانت حاجتهم إلى لقمة العيش شديدة، أما اليوم فمن الناس من هو كذلك، وهو قلة، ومن الناس من توفرت له لقمة العيش، وبقيت حاجته إلى نوع آخر من النفقات يتطلبها العيد، وحالته المادية تضيق بها، ولذلك جاز دفع بدل الأقوات في صدقة الفطر من ثياب أو نقود أو بعض أثاث المنزل، أو أي شيء ضروري يحتاجه الفقير.
ويكون لهذا العطاء أثره البالغ في نفس الفقير إذ يشعر بأن الله قاسم الأرزاق إن كان قد قدر عليه رزقه لأن الحياة لا تستقيم إلا بوجود الفقير والغني في المجتمع الواحد، فإن الأغنياء بما غرسه الله في قلوبهم من الإيمان لن يتركوه وحيدًا في صحراء الحياة، تائهًا بين كثبان رمالها، تتقاذفه ريحاها دون أن يجد من يأخذ بيده ليدخله واحة الأمان فيجلسه في ربيعها وريحانها.
إنه يرى في الغني الناصر والمعين فيحبه، ولا يحقد عليه، ولا تتميز نفسه غيظًا لأن الله أعطى الغني المال ولم يعطه مثله.
والغني عندما يدفع صدقة الفطر للفقير، فإنما يدفع له ما أوجبه الله عليه، فهو لا يعطيه تفضلًا ولا تكرمًا ولذلك لا يرى لنفسه فضلًا لهذا العطاء.
ونخلص من هذا إلى نتيجة على غاية من الخطورة في فلسفة البنية الاجتماعية وهي أن المجتمع الإسلامي يقوم على أساس التضامن المتمخض عن الأخوة التي فرضها الله تعالى، وهذا يخالف تمام المخالفة ما ذهبت إليه بعض الفلسفات المعاصرة في إقامة البنية الاجتماعية على أساس من الصراع الطبقي، فالفقير والغني، والعامل ورب العمل في المجتمع الإسلامي يتعاونون فيما بينهم دون أن يظلم أحد منهم الآخر لإقامة المجتمع المثالي، أو لنقل يتعاونون للوصول إلى الوضع الأفضل.
ومن هنا نرى أن الله تعالى فرض في أموال الأغنياء ما يستل الحقد من صدور الفقراء، وما يرفع الفقر عنهم، الله فرض في أموال الأغنياء ما يسع فقراءهم فإذا جاع الفقراء أو عروا، فبظلم الأغنياء، قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء ورددتها على فقرائهم. (أخرجه ابن أبي شيبة 1/137) وقال عليه الصلاة والسلام: الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.