; قصص لا تنسى.. في محكمة الشعب | مجلة المجتمع

العنوان قصص لا تنسى.. في محكمة الشعب

الكاتب محمد المجذوب

تاريخ النشر الثلاثاء 27-مايو-1975

مشاهدات 91

نشر في العدد 251

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 27-مايو-1975

قصص لا تنسى.. في محكمة الشعب وقفت سيارة السجن على مسافة غير قصيرة من البناء الأرضي، الذي اختير للمحكمة، التي اعتادت بدورها أن تستقبل ضحى كل يوم سجينًا أو أكثر من أعداء الشعب، فتتخذ منهم الهبة يومية لهذه الأعداد المنتشرة هناك بانتظار المتهمين، ثم المتدفقة وراءهم كالسيل باتجاه القاعة المخصصة لعرضهم ومحاكمتهم. وكان يحدق بالسيارة المغلقة، ذات الثقوب العليا، عدد آخر من السيارات العسكرية المكشوفة، وقد برزت من أوساطها القواذف الرشاشة، يحيط بها الجنود ذوو الخوذات النحاسية مستعدين لإطلاقها لدى أول بادرة. ووقفت السيارات المرافقة، واتجه بعض الجنود إلى الباب الخلفي من عربة السجن يعالجون أقفالها ثم يفتحونها، وتحرك الجنود الذين في داخلها يركلون السجين المكبل بالسلاسل ليكرهوه على مغادرتها. وأدار الرجل في جمهور منتظريه عينين زائغتين أضناهما وملأهما الرعب، وتردد قليلًا قبل أن يتجه نحو المخرج، ولكن ضربة عنيفة بعقب البندقية بين كتفيه اضطرته إلى قطع تردده، فمضى بكل ما تبقی له من جهد يجر قدميه، حتى إذا كان على حافة السيارة وافته ركلة أهوت به إلى الخارج، إلا أنه استطاع أن يقي وجهه الأرض باعتماده ركبتيه.. وشد ما كانت الضجة التي استقبل بها سقوطه عالية مكثفة، لم تقتصر على القهقهات والصراخ والتصفيق، بل مازجها الصفير أيضًا من هنا وهناك. وكان أحب شيء إلى هذا السجين أن يتخلص بأسرع وقت من ذلك المأزق الذي يساق إليه للمرة الرابعة. فاستجمع كل طاقته المنهارة حتى نهض واقفًا، ثم أخذ سبيله بين حراب الجنود شاخصًا بصره إلى الأمام، محاولًا ألا تقع عين على مظنة ضعف في تجلده.. ولكنها محاولة من غير اليسير تحقيقها على امرئ حرم النوم، وفرض عليه التجويع، ولقي أفانين التعذيب ليالي وأيامًا متتابعات، ولا سيما في مثل هذا الجو الذي رتب خصيصًا لإذلاله. وانطلقت الأصوات تصب على الرجل المتماسك سياط الشتائم من كل صوب، وامتدت الأيدي تلوح بوجهه، وانهالت عليه اللكمات من هنا وهناك، ولم يسلم من دفقات غير يسيرة من البصاق، لم تقف عند حدود وجهه، بل تجاوزته إلى الجنود أنفسهم، الذين لم يروا من حقهم أن يبذلوا ولو كلمة لحماية أسيرهم.. وما إن انتهى إلى مدخل الدار حتى كاد يفقد وعيه كله، ولم يعد صالحًا للسير دون مساعدة فتبرع حراسه من الجنود بجره إلى القفص، الذي كان ينتظره في القاعة المعدة للمحاكمة.. وهناك فقط سمح له بالراحة.. فألقى بجسده على المقعد الخشبي الخاص بالمتهمين. وكانت جموع الغوغاء الذين حشدوا لإيذائه قد أخذت تتزاحم من حوله، حتى لتملأ كل جزء من القاعة خارج منصة القضاء الذين لم يكونوا قد دخلوا القاعة بعد. واستأنف الهتافون صياحهم: خائن.. مجرم.. إقطاعي.. رجعي.. عدو الشعب.. قاتل. وظلت الابتسامة الباهتة تغمر وجهه، الذي لم يستطع جو الإرهاب أن يسلبه بقية الشمم الذي عاشه من قبل طوال ستة عقود وحاول تجاهل كل ما حوله بإغلاق عينيه وخيل إليه أنه يعاني حلمًا هائل الثقل وجعل يغالب وعيه على الاقتناع بذلك التخيل، ولكن ما يكاد يحقق بعض ما يبتغيه حتى يقفز به الوعي إلى أبعد من حدود هذه الحلبة، التي تذكره بملاعب الرومان القدامى، أيام كانوا يحتشدون للاستمتاع بمنظر أسراهم، وهم بين مخالب الوحوش المجوعة. إنه يستعرض في إغماضته صور الأبرياء المعذبين من أهل بيته، وقد سحقهم الذل وحطمتهم المأساة. هذه والدته العجوز، التي قطعت صلتها بالدنيا، فليس لها من متعها إلا لحظات العبادة التي لا تكاد تفارقها ثم رؤية ولدها سعيد هذا يعود من عمله في الوزارة وغيرها، ليجلس إلى جانبها بعض الوقت. ثم هذه زوجته الوفية الكريمة، تطل على خياله، وقد وقفت قرب الباب كدأبها، تنتظر قدومه في وقته المعلوم، لتخفف عنه بعض ما يتكاءده من نصب في معالجة أمور الناس. ثم هذه طفلته الوحيدة، التي لم تتجاوز الثامنة من عمرها، تقف مع أمها بانتظاره لتلثم يده وليطبع على جبهتها قبلاته الحبيبة. إنه يستعرض أخيلة هؤلاء الأعزة، فيقطع نياط قلبه، ما أعقبهم من بؤس لا يعرف كيف يصفه، ولا يجد في نفسه القدرة على احتمال تصوره ويحاول الهروب من هذا الكابوس، فإذا هو مخطوف الذهن إلى جو آخر جو الوزارة حيث كان يتولى إدارة الجهاز الداخلي في العراق كله وتمر به المشاهد سراعًا، فيها كل ما كان جديرًا بسروره لأنه لم يقع خلالها على سقطة من حقها أن تضعه في هذا القفص الذي يصونه من أكف الرعاع ويتذكر في شيء من الرضا النفسي اهتمامه بواجبه، وبزملائه في العمل، وبمرؤوسيه الذين لم يدخر وسعًا لإنصافهم ولتنسيق أعمالهم. ويتساءل: ترى هل أسأت إلى أحد من أولئك منذ بدأت عملي كاتبًا في الإدارة حتى انتهيت إلى وزارة الداخلية؟ بل هل أسأت إلى أحد من الناس فاستحق منهم ذلك الشمات الفاجع؟ على أنه ما يكاد يعود إلى تصوراته عن الشيوعية ونظرتها إلى الإنسان، وحقدها الطاغي على موازين القيم الخلقية، حتى ينسى أو يوشك أن ينسى كل حقه بالعدالة والحياة. إن عليه وأمثاله إذن أن يوطنوا أنفسهم على مواجهة كل المحن، حتى التي لم تكد تخطر على بال، إنه طوفان الغرائز الخسيسة، يحطم سدود الدين والأخلاق والمثل، التي تفانت الإنسانية الفاضلة لتوفيرها. طوال عشرات القرون.. وبحركة تائهة يطلق لعينيه سراحهما، لماذا هما مسمرتان في وجه لم يكد يلمحه حتى أخذته الرعشة.. وهم لسانه بأن يطلق اسم صاحبه.. ولكنه سرعان ما تذكر حاله، وأيقن أن أي شيء من ذلك لن يزيد محنته إلا تصاعدًا. إنه هو.. هو نفسه سليم الأعرج.. الشرطي الذي جاءه قبل شهر فقط يشكو إليه تسريحه، الذي تركه معرضًا لأشد ألوان الحرج، فلم يتمالك أن اتصل لفوره بالجهة المسؤولة عن تسريحه، يستحثها لإعادته الى عمله، رحمة بأسرته التي لا عائل لها سواه. ولم يدع الرجل للسجين متسعًا للتساؤل، لأنه لم يكد يلمح بصره مشدودًا إليه حتى انطلق نحوه، وأمسك بقضبان القفص يهزها بعنف، وهو يصيح: خائن.. إقطاعي... ويلوح بقبضته قائلًا: وددت لو أستطيع الوصول إليك لأحطم رأسك.. يا عدو الشعب. *** وكانت الساعة تدق العاشرة عندما فتح الباب الداخلي، وأطل منه وجه رئيس المحكمة العسكري، ومعه ثلاثة من الضباط.. ودوى صوت أحد الغوغاء: يعيش بطل العدالة الشعبية العقيد فاضل عباس الهداوی. وفي لحن موقع يتقاسم قائد الهتاف مع زمرته الصيغ المنظمة: يا... عيش... يا... عيش... يا .... عيش... ويستأنف قائد الهتاف في صوت أشد: يعيش منقذ الشعب.. الزعيم الأوحد.. عبد الكريم قاسم.. ويتتالى اللحن المشترك في نغم أکثر امتدادًا. ثم لا ينسون أن يرددوا مثل هذه التحية لكل من الاعضاء الضباط كلًا باسمه. ولم يتريث قائد الهتاف إلا ريثما احتل كل من العسكريين مكانه من المنصة، حتى تسلق المقعد الخشبي المستطيل بمواجهة القضاة، واستل من جيبه ورقة وراح يقرأ في نبرة خطابية شعبية: «أيها القضاة الكبار.. إن الشعب الهائج على هؤلاء الخونة يطلب إليكم الإسراع بإعدامهم.. وإلا فهو مستعد لسحلهم وتمزيقهم بأنيابه وأكل لحومهم كما أكلنا بالأمس لحم سيدهم عبد الإله... ». ويقاطعه العقيد الرئيس: إن الثورة لم تقم إلا لسحق أعداء الشعب.. وثقوا بأنهم لن يجدوا في صدورنا أي متسع للرحمة. وترجع الأصوات إلى نغمتها الموقعة : يعيش.. يا.. عيش.. عيش.. عيش.. ويدق العقيد الرئيس بلطف صدر المنصة بالمطرقة الخشبية ثم يعلن: باسم الزعيم المنقذ.. الزعيم الأوحد.. عبد الكريم قاسم.. وباسم الجنود والعمال والفلاحين وجميع الكادحين، أفتتح الجلسة الثانية والثلاثين لمحكمة الشعب. وتتعالى الأصوات بالتحية المكرورة للزعيم والمحكمة وبقية الأصناف المحبوبة. ويصوب العقيد الرئيس بصره إلى جهة السجين: لم تقف للمحكمة.. لماذا؟ وكان سعيدًا قد تذكر شيئًا كان ينبغي أن يغفله، فنهض بصعوبة وهو يقول: لعلي نسيت.. فعفوًا.. وفي نبرة عسكرية زاجرة يصرخ العقيد: وتلتمس العفو.. أيها الـ... مجرم. وما إن سمعت الغوغاء هذه الكلمة حتى شرعت تردد في دوى منغم: مجرم.. خائن.. مجرم.. خائن. وفي عفوية لم يفطن سعيد إلى مغبتها أجاب: عفوًا.. يا سيادة الرئيس أنا حتى الآن متهم.. ولم تثبت على جريمة. وصرخ العقيد مرة أخرى: بل مجرم.. مجرم. وتمتم السجين: إذن فهذا حكم مسبق. وعاد العقيد إلى صراخه: نعم.. إنه حكم الشعب.. ألا تسمعه؟ وكان إيعازًا كافيًا لاستئناف الأنشودة مصحوبة بالتصفيق: اسكت.. اخرس.. مجرم.. خائن خائن.. وبقرعة خفيفة من مطرقة الرئاسة يقف الدوي، ويوجه سيادته الخطاب إلى الحشد المعد: - أيها الرفاق.. شكرا لعواطفكم.. إنكم أصحاب الحق في الحكم على كل متهم.. ونحن لسنا سوى وكلاء نتكلم باسمكم وننفذ أوامركم.. إن لكم أن تقتلوا وتنتقموا وتصنعوا كل ما تريدون، حتى تطهروا البلد من آثار الخونة. ويقفز أحدهم إلى المقعد الخشبي ليجيب على هذا التكريم بمنظومة شعبية فصلت لهذا الموقف. وفي كل مقطع منها إشادة بالثائرين، وتمجيد للكادحين، وتحريض على استئصال جميع الرجعيين، الذين لا يؤمنون بالماركسية، ولا يحنون رؤوسهم للماركسيين التقدميين. ويتهلل وجه السيد الرئيس بشرًا بما يسمع، ولا يسعه إلا أن يعقب بقوله مرة أخرى أؤكد لكم أيها الرفاق أن الموت سيكتسح كل أعداء الشعب، حتى لا يبقى في العراق سوى الشعب، الشعب الذي هو أنتم أيها الكادحون. وينصرف إلى السجين الذي لم يزل واقفًا بانتظار المحاكمة: -اسمك -سعيد -أبوك؟ -الحاج القزاز -ألا يكفيه عارًا أن قذف بمجرم مثلك إلى الدنيا، حتى تضيف إليه اسم الحاج رمز الرجعية والتضليل؟ وفي تصميم لم يستطع عصيانه، ولا تقدیر عواقبه أجابه السجين، بلهجة حاول أن يسبغ عليها كل ما بقي له من قدرة الأناة: يؤسفني أني لم أدركه، لأنه فارقني صغيرًا دون الوعي، ولكني علمت أنه كان صوامًا قوامًا، وكان هذا كافيًا ليبعث في نفسي كل رغبة في الخير والحق، فرحمه الله وجمعني به في ظله، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. واستأذن سيادة الضابط المكلف مهمة النيابة العامة ليقول: أرأيتم أيها السادة إلى هذا الوقح كيف يتحدى المحكمة بهذه المصطلحات الرجعية. ويستأنف سيادة الرئيس استجواب الرجل: أيها المجرم إنك متهم بالرشوة والاستغلال، والمشاركة في إفساد الحياة السياسية وقد قامت ألوف الأدلة على جرائمك هذه. فأجبني باختصار: أتقر بأنك مذنب؟ أم تلجأ إلى الروغان؟ -لا أريد أن أزكي نفسي فأزعم براءتها من نزغات الشيطان ولكني والله لا أعرف لي صلة بأي من هذه الصفات ولله الحمد. ويستقبل سيادة العقيد الرئيس هذا الدفاع بقهقهة مصطنعة، ثم يقول: ألا تزال تتمسح بذكر الله وتتهم الشيطان؟ ومن الشيطان هذا؟ أيها الرجعيون الخرافيون؟ إنكم تتصورون الشيطان شيئًا منفصلًا عن النفس ذا كيان خاص لتهولوا على السذج وليس الشيطان سوى نزوات الجريمة التي تتفاعل في صدوركم. وبدا على سيادة الرئيس أنه يتذكر أمرًا منسيًا فسأل السجين: أين محاميك. ألم توكل محاميًا؟ -لم أجد محاميًا يجرؤ على الوقوف بجانبي ولم يعد في يدي ما أقدمه أجرة أتعاب. -طبعًا لم يعد في بغداد محامون يرتضون الوقوف بجانب المجرمين ولكننا مع ذلك لا نرضى أن نحرمك فرصة الدفاع عن نفسك. ويجيل بصره في حشود الغوغاء، ثم يسير إلى أحدهم: تقدم يا أستاذ من فضلك. ويتقدم الأستاذ إلى مقابل المنصة ليستمع إلى هذه التوجيهات الكريمة من سيادته: إن المحكمة تكلفك أن تقوم بمهمة الدفاع عن هذا المجرم، تحقيقًا للعدالة التي هي هدفها. ويتنحنح الأستاذ المحامي، ثم يعقب على كلمة الرئيس وهو يحرك يده في الهواء: يشرفني أن يقع عليّ اختيار المحكمة الموقرة، وفي الوقت نفسه أشعر بالمرارة الكبيرة حين أجدني مضطرًا للدفاع عن خائن رجعي مجرم كهذا. ويتردد صدى كلماته دويًا موقعًا من قبل الحشد الغوغائي: خائن، رجعي، مجرم. ويتريث سيادة المحامي حتى تهدأ العاصفة ثم يستأنف وقد أخذت منه الحماسة: أن المهمة العليا للمحامي هي مساعدة القضاء على تحقيق العدالة لذلك وخدمة للعدالة أطلب من المحكمة الموقرة إصدار الحكم بإعدام هذا الشقي حتى الموت. إن رأس المجرم أحقر ثمن يؤديه للشعب الذي أسهم في تعذيبه وإشقائه. ويموج فضاء القاعة بالتصفيق.. يرتفع صوت القائد الغوغاني بالهتاف: الموت للمجرم.. الموت لأعداء الشعب. الموت للمجرم.. الموت لأعداء الشعب. يعيش محامي الشعب.. يا.. عيش. ويميل سيادة العقيد الرئيس بوجهه ذي الملامح الصارمة نحو ممثل النيابة ليقول: لقد سمعنا مرافعة الظنين، وكلام محاميه الأمين، فتفضلوا بمطالعتكم. وينهض سيادة النائب معتمدًا راحتيه على جانب المنصة ثم مضى يقول: «سيادة الرئيس الموقر.. العضوين المحترمين.. الجمهور الكريم: إن القضية المعروضة أمامكم ليست من النوع الذي يعتمد على تقصي وسائل الإثبات، ذلك لأن مجرد قيام الشعب والجيش بالثورة ضد هؤلاء الجناة كافٍ لإدانتهم، ورفض كل مدعياتهم. هذا وقد لاحظت هيئة المحكمة الموقرة مدى تصلب هذا الوقح وتشبثه بالمزاعم الرجعية، التي تجعله لا يستحي من التبجح بنبالة بيته.. وذلك وحده جريمة لا تغتفر، لأنه تحدٍ لروح الثورة، التي في مقدمة أهدافها تطهير المجتمع العراقي من هؤلاء الذين نشأوا على الإيمان بالأخلاق المجردة عن عوامل الاقتصاد. لهذا كله.. ونزولًا على إرادة الجماهير، التي هي الدستور الأعلى لثورتنا التحريرية، أثني على طلب المحامي الجليل إنزال عقوبة الإعدام شنقًا حتى الموت بهذا المتآمر، الخائن، المصر بكل وقاحة على ما جنته يداه». وتتعالى الهتافات: الإعدام.. الإعدام.. تعيش إرادة الجماهير.. تا عیش.. تا.. عيش.. عیش.. عيش. ولم يبق ثمة ما يستدعي التردد أو التأجيل، فأعلن سيادة العقيد الرئيس الخلو للمذاكرة، وانتصب، ومعه العضوان الموقران، متجهين نحو الباب الداخلي يتبعهم الحشد الثوري بالتصفيق الحاد. *** وكانت الدقائق العشرون فرصة صالحة لمهرجان اشترك في صنعه كل يد وكل لسان في قاعة المحكمة غير يدي ولسان السجين، الذي لبث مطرقًا بانتظار عودة القضاء الأجلاء.. ولم تخل الحفلة الراقصة من إلقاء المنظومات الشعرية في تمجيد الثوربين الكبار، وعلى رأسهم الزعيم الأوحد عبد الكريم قاسم، والعقيد البطل فاضل عباس المهداوي. وفي هذا الجو الصاخب فتح الباب الداخلي ليطلع من خلاله سيادة العقيد الرئيس وصاحباه، في طريقهم إلى المنصة، وهم يحيون برؤوسهم وأكفهم جمهور السادة أنصار العهد الجديد السعيد. وتحركت مطرقة الرئاسة، فسكن كل شيء، وراح سيادته يقرأ بصوت يفيض بالشجاعة والرجولة: «باسم الزعيم الأوحد.. الزعيم المنقذ.. عبد الكريم قاسم، وباسم الشعب الثائر للقضاء على فساد الماضي، تقرر المحكمة بالإجماع إعدام المدعو سعيد القزاز على المشنقة حتى الموت.. حكمًا قاطعًا غير قابل للاستئناف ولا التمييز، ويصبح نافذ القضاء بمجرد تذييله بتوقيع الزعيم الأوحد». و تفجرت القاعة على الأثر بإعلانات الرضا عن الحكم العادل.. وبالهتاف الفخم للزعيم الأوحد، ورئيس محكمته الفاضل عباس وبقية الرفاق الأبطال.. في حين كان المحكوم مشغولًا من ذلك كله بقوله، الذي ضاع في أمواج الضوضاء: «الحمد لله.. ذلك هو الفرج الذي أنتظر».
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 9

189

الثلاثاء 12-مايو-1970

يوميات المجتمع - العدد 9

نشر في العدد 41

98

الثلاثاء 29-ديسمبر-1970

أهكذا تربى الأجيال!