العنوان الحوار هو الحل للعنف.. ولكن!!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1993
مشاهدات 64
نشر في العدد 1076
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 23-نوفمبر-1993
أزمة الشرعية ومسار الحوار في الجزائر
أخيراً اتجهت الجزائر إلى الحوار بعد كثير من الجراح التي لا تلتئم
بسهولة، وبعد أنهار من الدماء التي لا تجف بيسر، وإزهاق آلاف من الأرواح التي لن
تنسى بسرعة، وهذا الحوار خطوة في الطريق الصحيح بلا شك، ولكن كان من الأجدى السماع
لصوت العقل، والإنصاف لحديث المنطق وعدم تحميل الأمة هذا الكم من الدماء والخراب
والأحقاد التي ربما تظل عالقة في ذاكرة التاريخ ومخيلة الأجيال ورؤوس العائلات،
وأفكار الأحفاد.
تعمل تلك الأحقاد عملها السيئ في الظلام، وتفور بين الحين والآخر
فورانها الثائر في الخفاء لتقطع العلاقات والروابط بين الأسر، وتفرق بين الأفراد
والجماعات في الأمم، وتزرع الفتن بين الأشخاص في الشعوب والدول؛ فكان من الأجدى
توفير المال والجهد وحفظ الطاقات والاتجاه نحو التنمية والتقدم، والسعي نحو الشورى
واحترام الرأي الآخر، والاعتبار بالزمان، والتعلم والاستفادة من السنين العجاف
والحصاد المر الذي تعرضت له البلاد والعباد زمن الحكم الشمولي والتسلط القهري
والتدمير الدكتاتوري السابق.
إن سياسة القطيع ما كانت ولن تكون هي سبيل التقدم والريادة، وما أصبحت
الأمم اليوم قطعاناً تساق بالعصا كما تساق الحيوانات، أو خرافاً تجر إلى سالخها
بالسلاسل، فالعقليات العسكرية أو السلطوية الآن تصارع أمواج الإصلاح العاتية في
عالم متغير، ومصيبتها أنها تعيش بعقليات ضحلة، وخبرات منعدمة، وشهوات متنامية،
وانتماءات غير متجذرة في أرضية الواقع الفعلي للأمة، وتقوم بتنفيذ سيناريوهات
مشبوهة ومفضوحة.
ولهذا فهي اليوم تعيش أزمة الانفصام عن الواقع الحضاري، وتعاني أزمة
الافتقار إلى الشرعية، وذلك يحصل في العادة حينما تكون قمة السلطة غير متمتعة
بشرعية التمثيل التي يكون التداول والاحتكام إلى إرادة الشعب معبراً عنها في صيغة
الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، ولهذا تلجأ السلطة في هذه الحالة إلى تغيير مفهوم
الحكم باختراع مفهوم آخر، يبنى على الادعاءات الكاذبة، مثل الخوف على مكاسب الشعب،
أو قطع الطريق على الإرهاب، أو محاربة أعداء الأمة، إلى غير ذلك من النعوت
والأسماء والكنى التي تلجئ إلى المقامرة والمغامرة بأمن الوطن وتقدمه وازدهاره،
والمقامرة بكل شيء حتى بوجودها هي.
حيث لا تستمر سلطة حاكمة من خلال تسخير أجهزة الدولة القهرية «الجيش
والشرطة والمخابرات» فقط فضلاً عن علاقة الإكراه القسري التي تفرضها على الناس
بالأحكام العرفية والاستثنائية وقوانين الإرهاب وغير ذلك، وتقدم الجزائر في هذا
الوقت الراهن مثالاً على المدى الذي يمكن لأزمة شرعية السلطة أن تبلغه، والنتائج
السياسية والاجتماعية والنفسية التي يمكن أن تنجم عن فقدان السلطة القدرة على
تجديد الشرعية أو اكتساب ثقة الشعب، أو حتى الاستقرار السياسي لمدة ما، فضلاً عن
ازدهار الأمة أو تقدمها الاقتصادي أو الاجتماعي أو الحضاري.
وبعد... فلقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن أسلوب القفز على الحكم
وقهر الناس بالأنظمة الشمولية بحجة منع الإسلاميين من الحكم أصبح اليوم دعوى
مفضوحة لأمرين:
1- لأنها تصادم توجه الأمة العقائدي والشرعي
والانتمائي والنفسي وتهمش المشروع الحضاري للأمة.
2- بروز التجارب الإسلامية في الحكم وإثبات فعاليتها
في الريادة والإخلاص وخدمة الجماهير وتجاوبها مع أنظمة الشورى وقطع الألسن وأبطلت
السحر والساحر.
وقد قامت تجارب متعددة في معظم البلاد الإسلامية والعربية وأثبتت
نجاحها واستقرارها، ومنها تجربة الكويت واليمن والأردن ولبنان وماليزيا وغيرها،
وكذلك تجربة مجلس الأمة والنقابات في مصر، وكل ذلك كان بمساندات شعبية عن طريق
صناديق الاقتراع رغم كثير من التجاوزات ضد الإسلاميين في بعض البلاد المتأثرة
بالعداء للعمل الإسلامي.
هذا وكل مسلم غيور على بلده وإسلامه يهفو إلى استقرار البلاد والعباد
ويدعو الله بالتوفيق ويرجو أن يكون هذا بادرة خير ومثالاً يحتذى لكل نظام سلطوي،
ولكن!! نرجو ألا يكون هذا التوجه للحوار مناورة سياسية ومسرحية هزلية تهدف إلى
طمأنة جهات أجنبية أو محاولة لالتقاط الأنفاس أو الالتفاف حول التذمر الشعبي أو
الاختناق الاقتصادي.
ولكننا لا نملك إلا أن نستمع إلى قول الله تعالى: ﴿وانتظروا إنا منتظرون﴾ (هود: 122).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل