العنوان هل يستثمر التأييد الشعبي لتحقيق الاستقرار الشامل؟
الكاتب فاروق أبو سراج الذهب
تاريخ النشر السبت 08-مايو-2004
مشاهدات 98
نشر في العدد 1600
نشر في الصفحة 28
السبت 08-مايو-2004
أولويات العهدة الرئاسية الثانية لبوتفليقة..
مؤشر مهم في صناعة التنمية والاستقرار.. 33 مليار دولار فائض الميزانية ونسبة النمو زادت 6%
لماذا غابت الحريات العامة وملفات المفقودين والمفصولين من أول خطاب لبوتفليقة بعد فوزه في الانتخابات؟
أزمة «العروش» ستشهد حوارًا شاقا سرعان ما يعود بها إلى الصفر.. والسبب سماسرة التيار العلماني
منذ الاستقلال عام ١٩٦٢م مارس الشعب الجزائري الانتخاب الحقيقي خمس مرات، بدأت باستفتاء ٨ أبريل ١٩٦٢ من طرف المستعمر الفرنسي حول الاستقلال، ووقتها هب عن بكرة أبيه وصوت لصالح الاستقلال بأغلبية ساحقة، وبعد أربعين سنة عاشها في ظل الحزب الواحد والاستبداد فتحت أمامه التعددية، فصوت بالأغلبية كذلك سنتي ۱۹۹۰ و ۱۹۹۲ على تحكيم الشريعة الإسلامية ممثلة في مطالب الجبهة الإسلامية للإنقاذ.
ثم دخلت الجزائر في أزمة دموية حمراء كادت أن تصل إلى التدويل، ولكن بتنظيم الانتخابات الرئاسية سنة ١٩٩٥ بعد فشل حوار الظل بين السلطة وقيادات الإنقاذ هب الشعب الجزائري وصوت لصالح الشيخ محفوظ نحناح - رحمه الله -؛ لأنه حمل شعار السلم والمصالحة الوطنية، وزورت الانتخابات وصودر اختيار الشعب للمرة الثانية، الأمر الذي أنتج حالة امتناع عن التصويت ومقاطعة لكل الاستحقاقات و«استقال» الشعب الجزائري من واجب التصويت، فضعفت نسب المشاركة حتى بلغت %٢٥ في انتخابات ۱۹۹۹؛ ليأتي موعد الاستفتاء على قانون الوئام المدني سنة ٢٠٠٠، وشعر الجزائريون أن الأمر جد، وأن مشروع المصالحة والاستقرار وإطفاء نار الفتنة سيحقق نتائج معتبرة، فعاد الجزائريون للتصويت بالأغلبية على هذا القانون الذي استفاد بموجبه ما يزيد على ٥٠٠٠ مسلح واستتب الأمن، وأحسن الشعب بمصداقية الانتخابات، فأعطى التأييد للرئيس عبد العزيز بوتفليقة والتحالف الرئاسي في انتخابات 8 أبريل الماضي.
هي إذن مواعيد تاريخية في الذاكرة أراد من خلالها الشعب الجزائري أن يعبر عن هويته وثوابته وخياراته الأساسية رغم إرادات العلمنة والتغريب بدلًا من العقلنة والترتيب.
إن مؤشرات الانتقال الديمقراطي في الجزائر تعتبر نموذجية بالنظر إلى الواقع العربي الراهن.
كما أننا يمكن أن نستشرف مستقبل الجزائر في ظل العهدة الرئاسية الثانية للرئيس بوتفليقة من خلال أربع مؤشرات مهمة وقابلة للقياس وهي:
المؤشر الشعبي
فلأول مرة يحس الشعب الجزائري أن اختياره احترم من طرف المؤسسات، وأنه تمكن من تحقيق الوثبة الوطنية المنتظرة؛ ذلك أن الشرعية السياسية التي يمنحها الشعب كانت دائمًا معطوبة إن لم نقل مزورة، ولذلك كثرت السلطات الفاعلة، وأصبح أي مسؤول يأتي عبر الانتخابات المزورة ضعيفًا أمام من نصبوه، وبالتالي لا يستطيع أن يفعل شيئًا يذكر، بل صارت المسؤوليات المهمة وعلى رأسها رئاسة الجمهورية مجالًا للمزايدة والضغط على الرئيس، فمنهم من استقال، ومنهم من أقيل، ومنهم من اغتيل، ومن ثم فإن عودة السند الشعبي للرئيس ومؤسسة الرئاسة ولأي مسؤول تنفيذي يعتبر مؤشرًا مهما في مسار استشراف مستقبل مستقر للجزائر.
المؤشر الاقتصادي
إن وجود ما يقارب ۲۳ مليار دولار كاحتياطي صرف في الخزينة العمومية بعدما كانت خاوية على عروشها قبل ۱۹۹۹، هو مؤشر اقتصادي مهم في صناعة التنمية والاستقرار، ويذكر أن نسبة النمو زادت بنسبة 4% ووصلت إلى %٦ وانخفضت نسبتا التضخم والبطالة.
الراحة المالية التي تحققت في غضون الخمس سنوات الماضية يمكن أن تؤشر على أن العهدة الثانية ستعالج العديد من المشكلات الاجتماعية التي يعاني منها المجتمع الجزائري، يتعلق الأمر بالسكن والبطالة وضعف القدرة الشرائية، كما أنها ستفتح على الجزائر السوق العالمية في ظل فتح فرص الاستثمار الأجنبي أو الشراكة، وهي كلها مؤشرات من شأنها أن تعطي راحة اقتصادية للجزائر.
المؤشر السياسي
أتاح تنظيم انتخابات رئاسية شفافة وإنجاز تحالف رئاسي كان وراء تحقيق أغلبية رئاسية مريحة، أتاح الفرصة للعمل والتنفيذ بدون ضغط سياسي من شأنه أن يعيق مشروع التنمية الذي صوت عليه الجزائريون.
في أول خطاب له عقب أدائه اليمين الدستورية يوم ١٩ أبريل الماضي أمام أعضاء الحكومة وجنرالات المؤسسة العسكرية ونواب الغرفتين ورؤساء الأحزاب السياسية أوضح الرئيس بوتفليقة «أنه يريد تكريس سياسة الوئام المدني وترقيته إلى مصالحة وطنية شاملة»، وأكد «أن العهدة الثانية يجب أن تفضي إلى مصالحة وطنية تامة غير منقوصة توسع رقعة آثار الوئام المحمودة»، ولتحقيق ذلك دعا بوتفليقة كافة الجزائريين إلى «الانضمام حقا وصدقًا إلى مسعى النهوض بالبلاد وتحقيق تجددها».
والملاحظ من قراءة هذا الخطاب أنه استمرار للمنطق الذي سار به بوتفليقة في العهدة الأولى، لكن غاب عنه الحديث عن الحريات، ومعالجة ملف المفقودين والمفصولين، وحقوق الإنسان بالرغم من أن هذه الملفات كانت حاضرة في برنامج الرئيس وفي مساعيه الرامية إلى إحلال المصالحة، ولم يفوت الرئيس الفرصة للحديث عن التحولات الدولية، وتسجيل مواقف من الاتحاد المغاربي والجامعة العربية منددًا بما تنفذه «إسرائيل» في فلسطين وما تفعله القوات المتعددة الجنسيات في العراق، معتبرًا أن الجزائر تقف في زيادة المجموعة العربية انتصارًا لقضايا الأمة العربية.
وحدد بوتفليقة من خلال خطابه أولويات العهدة الثانية فيما يلي:
-الأولويات السياسية: تحقيق المصالحة الوطنية وترقية الوئام المدني واستكمال الإصلاحات التي تمس قطاعات الدولة والعدالة والأسرة والمنظومة التربوية ومعالجة الملفات العالقة وعلى رأسها ملف أزمة القبائل.
-الأولويات الاقتصادية: باستكمال مخطط الإنعاش الاقتصادي، وتنشيط الجهاز المصرفي، والنظام الجبائي.
-الأولويات الاجتماعية:الاهتمام بالفئات المحرومة، وفتح فرص العمل أمام الشباب، ومعالجة ملفات السكن، وضعف القدرة الشرائية.
-الأولويات الدولية: ترقية الدبلوماسية الجزائرية بما يحقق إعادة الجزائر إلى سالف عهدها في مصاف الدول الفاعلة، ورفع قضايا الأمة العربية والإسلامية، والدفاع عنها، والتكيف مع التحولات الإقليمية والدولية.
وتبقى دائمًا هذه الأولويات في حاجة إلى مشاريع إستراتيجية من جهة، وأخرى استعجالية للتكفل بانشغالات المواطنين الملحة.
هذا الخطاب يمكن تصنيفه في خانة الخطاب/ البرنامج، ويمكن أن تتجسد مضامين هذا الخطاب في السياسة العامة للحكومة التي ستعرضها على البرلمان بغرفتيه بعد أن كلف بوتفليقة رئيس الحكومة السابق أحمد أويحيى بتشكيل حكومة ائتلافية.
أفرزت الانتخابات الرئاسية خريطة سياسية جديدة متجددة يقودها التحالف الرئاسي المشكل من حركة مجتمع السلم والتجمع الوطني الديمقراطي والجناح التصحيحي لجبهة التحرير الوطني، هذا التحالف الذي تحصل على أغلبية رئاسية مريحة جدا تتيح له أن يشكل حكومة تعرض برنامجها على البرلمان كما أن وثيقة عقد التحالف تحدثت عن أن التحالف سيشكل لجنة وطنية مشتركة بين قيادات الأحزاب الثلاثة تقوم بوضع آليات المتابعة والتنفيذ لمضمون العقد على مستوى هيئات وهياكل الأحزاب الثلاثة أفقيًا وعموديًا وتسطر برنامجًا عمليًا على المدى القريب والمتوسط والبعيد، وتقيم أعمالها وكل البرامج فصلياً، كما يعتزم التحالف حسب الوثيقة تنشيط محاور الوحدة الوطنية وثوابت الأمة والتضامن بين الأحزاب الثلاثة داخل الدوائر السياسية للحكم والتنسيق في مجال التشريع والحركة وكذا التنسيق على مستوى المجالس المنتخبة محليًا.
وسيكون تشكيل الحكومة ثاني إختبار للتحالف الرئاسي من حيث توزيع الحقائب الوزارية وحجم كل طرف في تولي الوزارات ذات السيادة.
أما بخصوص الأحزاب السياسية الأخرى:
فقد انقسمت جبهة التحرير الوطني إلى فريقين الأمر الذي أدى إلى تجميد أرصدتها ومقراتها لحين إعادة تنظيم المؤتمر الثامن الذي طعن فيه المناضلون القياديون والذين عرفوا باسم الحركة التصحيحية التي يقودها وزير الخارجية عبد العزيز بلخادم وهي منشغلة الآن بتنسيق جهود إعادة تأهيل الحزب وجمع صفوفه وتنظيم المؤتمر الثامن الملغى قضائيًا سيما بعد إستقالة الأمين العام للحزب علي بن فليس عقب النتائج الهزيلة التي حققها في إنتخابات الرئاسة الأخيرة، كما استقال معه كل أعضاء المكتب السياسي للحزب، وينتظر أن ينظم الحزب وتعاد هيكلته حسب منطق الحركة التصحيحية التي دعمت بوتفليقة، وبهذه الصورة يكون الرئيس قد نجح أولًا في كسب تأييد جبهة التحرير الوطني رغم رفض قيادتها ممثلة في الأمين العام وأغلب قيادات المكتب السياسي، ويكون ثانيًا -بعد نجاحه في الإنتخابات- قد كسب الفريق الذي سيقود الجبهة، ويرى بعض المراقبين أن السلطة لن تتخلى عن حزب ظل طيلة أربعة عقود هو الحزب الحاكم للبلاد بل ستؤهله للإستحقاقات القادمة.
أما الجبهة الإسلامية للإنقاذ فإن الإنتخابات الرئاسية قد وفرت لها فرصة كبيرة للتموقع السياسي ولكنها أهدرت الفرصة برهانها على وجود دور ثان. وبالتالي أخطأت في التعاطي مع تطورات الساحة السياسية بالرغم من وجود بعض القيادات الميدانية التي تفاعلت مع المعطى الرئاسي الأخير بحكمة وأعلنت دعمها لبوتفليقة. ويرى الخبراء أنه سيسمح لهذه القيادات بالدخول إلى الجزائر دون تمكينها من تأسيس حزب أو جمعية: ذلك أن التردد الذي طبع موقف قيادة الجبهة ممثلة في الشيخ عباسي مدني وبقية القيادات في الداخل والخارج، يؤشر على أن العهدة الرئاسية الثانية لبوتفليقة لن تعرف فيها الجبهة اعتمادًا رسميًا وفي المقابل سيستفيد بقية أعضاء الجماعات المسلحة من إجراءات العفو والوئام المدني. ويذكر في هذا السياق أن هناك مجموعة من الجماعات المسلحة وضعت السلاح عشية الإنتخابات الرئاسية وتتحدث مصادر عليمة أن الجيش يجري إتصالات حثيثة بمحافظتي المدية وجيجل بغرض أن تسلم هذه الجماعات نفسها وتستفيد من إجراءات قانون الوئام المدني.
وفي الأيام الأخيرة من الحملة الإنتخابية أعلن بوتفليقة أنه لا يوجد هناك إتفاق مكتوب بين الجيش الوطني وما يسمى الجيش الإسلامي للإنقاذ الذي وضع السلاح سنة ۱۹۹۷، في إشارة إلى رفض ما صرح به قادة الجيش الإسلامي للإنقاذ من أنهم اتفقوا مع الجيش الوطني على إعادة الإعتماد للجبهة وتمكينها من التمثيل السياسي.
ويرى بعض الملاحظين أن الرئيس سيكتفي في عهدته الثانية بإصدار أحكام العفو مرحليًا عن قادة الجبهة وقد يسمح للبقية التي تعيش في الخارج بسبب أحكام قضائية قاسية بالدخول إلى الجزائر، وقد تفصل السلطة في ملف المفقودين والمفصولين عن عملهم بشكل نهائي، ونقدر أن تصدر السلطة الجزائرية قانونًا لتعويض أسر المفقودين والكشف عن أماكن وجود البعض الآخر وتنهي هذا الملف.
أما حركة الإصلاح الوطني التي يقودها الشيخ عبد الله جاب الله التي تحصلت على نسية ٥% في الإنتخابات الرئاسية فإنها ستدخل في سياق إعادة التأهيل والإنتشار وقد تعاني من الإنشقاقات على مستوى البلديات والمحافظات وحتى في البرلمان، حيث بدأت بوادر هذا الإنشطار تظهر عبر التصريحات والبيانات والإستقالات الجماعية، وهي مقدمة على تنظيم مؤتمرها الأول.
أما بالنسبة لتيار الإستئصاليين والعلمانيين فإنه سيتعرض لانكماش كبير بعد صدمة الإنتخابات الرئاسية، وسيكتفي باستعمال نفوذه في الإعلام والإدارة. ويرى الملاحظون أنه سيعتمد على القد بوتفليقة والتحالف الرئاسي، وسيعمد إلى تسويق الملفات ذات الطابع الفضائحي لبعض المسؤولين كما أنه سيقف أمام الإستثمارات الجزائرية العربية. فيما سيثير عبر الجمعيات والصحافة المكتوبة ملفات إلغاء قانون الأسرة وتعديل المنظومة التربوية «والفرنسة» وكذا ترسيم اللغة الأمازيغية، كما أنه سيجند كل أنصاره في الداخل والخارج من أجل الضغط على الرئيس ولا سيما في البلدان الفرانكفونية وكذا مناطق القبائل.
ونتوقع أن تشهد أزمة العروش في المستقبل القريب حوارًا شاقًا سرعان ما يعود أدراجه إلى الصفر لأن الذين يقفون وراء ممثلي حركة المواطنة «العروش» هم سماسرة التيار العلماني، الذين لم يبق لهم في السياسة الجزائرية سوى هذه الأفعال، أما ما يعرف بأزمة القبائل فستكون طيلة العهدة الثانية بؤرة من بؤر التوتر وسيحرك التيار اللائكي لاحقًا، حركة عروش الجنوب الجزائري ولكن تقدر أن هذا الفعل ورد الفعل سيكون محدودًا وقد تتضاءل نسبة التفاعل الشعبي في منطقة القبائل والجنوب معه بالنظر إلى طول عمر الأزمة والحالة الإجتماعية المزرية التي يعيشها المواطن في هذه المناطق من جراء حركات الإضطراب والمظاهرات والتخريب. كما أن المرحلة القادمة ستعرف دخول حزب جبهة القوى الإشتراكية على الخط الذي يقوده آيت أحمد إلى الإنتخابات التشريعية، هذا الحزب الذي قاطع الإنتخابات الرئاسية ووقعت ملاسنات ودعاوى قضائية بينه وبين وزارة الدفاع الوطني.
إن أسباب النجاح في العهدة الثانية لبوتفليقة أكبر من مؤشرات الفشل على المستوى السياسي والاقتصاديوالاجتماعي، ولكن التفاعلات السياسية السريعة يمكنها أن تعطي نتائج عكسية ويمكن تحقيق النجاح إذا :
-استمر التحالف الرئاسي ولم يفشل.
-التزم رئيس الجمهورية بوعوده، واستطاع أن يحقق بعض طموحات الشباب خاصة.
-استطاع أن يطور تعاطي الجزائر مع القضايا الدولية ولا سيما التطبيع المفروض مع الكيان الصهيوني.
-حقق جزءًا من المصالحة الوطنية، وأطلق الحريات، وأهل الجزائر لتبوؤ مركز النموذج الديمقراطي في العالم العربي.
-استطاع أن يتعامل مع ملف تعديل المنظومة التربوية وقانون الأسرة وقانون المحروقات وملف الخصخصة.
- استطاع أن يجلب المستثمرين العرب والأجانب إلى الجزائر .