; نحو بناء مجتمع قوي | مجلة المجتمع

العنوان نحو بناء مجتمع قوي

الكاتب أحد القراء

تاريخ النشر الثلاثاء 18-مايو-1971

مشاهدات 254

نشر في العدد 60

نشر في الصفحة 25

الثلاثاء 18-مايو-1971

إن الحق واجب مقدس وعلينا أن نرعاه، والقوة وسيلة مشروعة لحماية هذا الحق، ولم ولن يسلم أي حق ما لم تدعمه قوة النفوس أولًا، والسلاح ثانيًا، ولن يُقدّر له أن يبقى ما لم يتوفر عليه أُناس آمنوا به، وما لم تقم الهيئات الحاكمة بصيانته وحمايته في ظل القانون، ولن تتمكن الحكومة -أيّة حكومة- من ذلك إلا إذا كانت قوية، وإلا إذا كانت منبثقة من مجتمع متماسك وقوي، فما هي الطريق إذن لبناء ذلك المجتمع؟!

 مما لا شك فيه أن أولى الخطوات على هذا الدرب هي إیجاد الإنسان الصالح، ذلك الفرد الذي يُؤمن بالقوة الخلاقة القادرة على كل شيء أعني الله -جل شأنه-، ثم يؤمن بنفسه ويثق بقدرته ثقة كبيرة، ويسعى دائمًا نحو الأفضل في كل شأن من شؤون الحياة، هو الفرد الذي يستشعر مخافة الله دائمًا فيدرك معنى المسؤولية، ولا يواجه الحياة بالتهرّب من وقائعها، ولا بالتستّر والانكماش على نقائصه وعيوبه، إن بناء المجتمع -في الخطوة الأولى أيضًا- يقتضي من قادة الفكر وموجّهي الرأي أن يحرصوا في كتاباتهم وأحاديثهم على تكوين الفرد المسلم الثائر على كل شيء ذميم: على الظلم، والجهل، والجبن، والتعصّب فعليهم جميعًا تقع أمانة كبيرة وعبء ثقيل، وما عليهم إلا أن يستلهموا -لتحقيق غايتهم المرجوّة- ما صنعه محمد بن عبدالله -عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام- في بناء أمّة القرآن: بالكلمة الطيّبة، والصبر، والالتجاء دائمًا إلى الله، فلا يحيدون عن الصراط المستقيم قيد أنملة فلا شرق ولا غرب؛ لأن في الشرق الملحد ما زالت الآلام تعتصر الإنسان، في الغرب الجشع مشكلات خطيرة تتهدد مجتمعاته بالاندثار ودوله بالزوال، فلا يَستبعد أحد منا أن تصبح أمریکا وغيرها من كبريات الدول الآن في المستقبل غير البعيد دويلات هزيلة، تأخذ طريقها إلى الأفول لتصبح من حديث الأمس، وليس ما حصل لدولة المسلمين في الأندلس بخافٍ على كل ذي لبّ سليم، وذلك حينما لم يعتصموا بحبل الله ولم يوحّدوا كلمتهم وصفوفهم، أقول ليس هنالك نظام أسمى ولا أرحم ولا أشمل يخطط لبناء الفرد والمجتمع معًا مثل الإسلام، فهو الذي يوفر مقومات الوجود ويعطيها معنى ساميًا، وهو الذي يرفد الإنسان بدفقات ثورية متجددة على مدى الأيام: يثور الفرد المسلم على نفسه إن رآها تلغو في الشهوات، ويثور على أقرب الناس إلى فؤاده إن رأى فيهم عوجًا عن المبدأ الإلهي، وهذا ما صنعته السيّدة أسماء بنت أبي بكر- رضي الله عنها- بعد إسلامها مع أمها التي بقيت على الكفر، كادت أن تقاطعها لولا توجيه الرسول- عليه السلام- لها، مبينًا ضرورة بر الأم حتى لو بقيت كافرة، ويثور المسلم على نفسه إن رآها تقصر به عن إدراك المعالي، ويتمرد على شهواته وميله للسلامة، وهذا ما فعله طارق بن زياد حينما ظن ذلك في جنده، فأمر بحرق السفن، وقال لهم: «البحر من ورائكم، والعدو أمامكم وليس لكم والله إلّا الصدق والصبر»، إن المسلم يثور في أصالة وحماسة على كل ظاهرة شخصيّة أو اجتماعيّة سيئة وعلى التعصّب؛ لأنّه إهانة للعقل، وضيق في الأفق، وقصر نظر، هذه هي إذن الخطوة الأولى والكبيرة في بناء صرح المجتمع القويّ، إيجاد الإنسان والإنسانة الصالحين، وبالتالي إیجاد المجموع المسلمة في أقواله وأعماله، في حركاته وسكونه، المجموع القويّ في عقله وعلمه وإمكاناته الماديّة، وإذا ما تم التوصّل فعلًا إلى هذه المرحلة فإننا -في يسر وسهولة- نتمكن من بناء المجتمع القويّ السعيد وتلك خطوة ثانية، وليس هذا ضربًا من الخيال أو الأحلام بل أمرًا يمكن تحقيقه إذا ما أرادت الأمّة ذلك، ولنا في تاريخ أسلافنا المسلمين الأوائل أصدق مثال على ذلك، فبالإسلام وحده جمع محمد -عليه السلام- القبائل المتحاربة في دولة قويّة ورثت عروش الأكاسرة والقياصرة، وبعدالة الإسلام لم يجد أولو الأمر في عهد عمر بن عبد العزيز فقيرًا تُصرف له الزكاة، ذلك هو مجتمع القوّة والرفاه.

 أمّا الخطوة الثالثة والأخيرة وهي حصيلة أكيدة لما سبق، فتكمن في قيام الحكومة الإسلامية، يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (آل عمران:110).

 إن قيام المجتمع المسلم والحكومة المسلمة وهي جزء من الشعب مشروطان بتأسيس الفرد المسلم، وإن اختفاء الحكومات الإسلاميّة وغيابها عن المسرح يُعتبر دليلًا على فسادٍ محقّق وهلاكٍ محتوم.

عبد الكريم عوض البرغوثي
 مدرسة الصديق المتوسطة

الرابط المختصر :