العنوان المجتمع التربوي (1352)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يونيو-1999
مشاهدات 70
نشر في العدد 1352
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 01-يونيو-1999
وقفة تربوية
لذة المؤمن
لذة المؤمن ليست في الطعام والمنصب والمنكح والدواب والمال، فتلك لذات يستطيع الإنسان منحها، ولكن اللذة الروحية لا يمنحها سوى الله تعالى.
إنها لذة الاتباع، ولا يملكها بشر، بل يمنحها الله لمن شاء من عباده.
لذة الإيمان لها علاقة بالروح، ويبدو أثرها على الجوارح.. لذة المؤمنين باتصالهم بربهم والتقرب إليه بالنوافل بعد أداء الفرائض، حتى تشف أرواحهم، وتتهلل وجوههم، وتطمئن نفوسهم، فيعبرون عن فرحهم بما قاله الإمام إبراهيم بن أدهم لصاحبه أبي يوسف: «يا أبا يوسف لو علم الملوك، وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم والسرور، لجالدونا عليه بالسيوف أيام الحياة» (صفة الصفوة: ٤/ ١٥٤).
ومن أبرز هذه القربات لله تعالى -والتي يجد فيها المؤمن سلوته، ولذته الإيمانية- قيام الليل، ويصف الزاهد أبو سليمان الداراني أهل الليل بقوله: «أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء» (عيون الأخبار: 2/٢٩٩).
وقيل للحسن: ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوهًا؟ فقال: «إنهم خَلوا بالرحمن فألبسهم نورًا من نوره» (عيون الأخبار: 2/٢٠٠)
أبو خلاد
عبد اللطيف آل محمود -رئيس الجمعية الإسلامية بالبحرين:
نخشى من ظهور جيل يتحدث بغير مفاهيمنا
الخطوة الأولى في خطة التربية الإسلامية ربط المسلم بالقرآن وإلمامه بمبادئه
حوار: د. حسن علي دبا
تعتبر الجمعية الإسلامية بدولة البحرين واجهة إسلامية واعية تسد ثغرات مهمة في الجوانب الثقافية والاجتماعية والتربوية، ويمثل رئيس الجمعية د. عبد اللطيف آل محمود وجهًا إسلاميًّا معروفًا يمتلك رؤى عدة في مجالات مختلفة، خاصة الجانب التربوي.
وحول الجمعية وإمكان تحديد استراتيجية للتربية الإسلامية، وكيفية الفعل التربوي في العصر الحاضر، وانفتاحه المعلوماتي والفضائي كان معه هذا الحوار:
ماذا تعني الجمعية الإسلامية: نشأة، وهدفًا، وتكوينًا؟
أنشئت الجمعية الإسلامية عام ١٩٧٩م من مجموعة من طلبة العلم، غالبهم من خريجي الأزهر بمصر، في محاولة لسد الثغرات الموجودة بالمجتمع في الجوانب الإسلامية، ثقافيًّا، واجتماعيًّا، وتربويًّا، وقد انقسمت أعمالها الاجتماعية بين الاهتمام برعاية المحتاجين ورعاية اليتامى والفقراء، ومعاونة المسلمين في توصيل زكواتهم، إضافة إلى مشروعات إفطار الصائم وكسوة العيد للأيتام والفقراء، والقيام بالرحلات للعمرة، والأنشطة الثقافية من المحاضرات والندوات، وكذلك السعي لإقامة المساجد وتجديدها.
وتهتم الجمعية أيضًا بالدعوة الإسلامية بين غير المسلمين، إضافة إلى العمل على إيجاد ترابط بين المسلمين على اختلاف توجهاتهم وإن كانت هذه الدعوة في هذه المرحلة قد قل نشاطها بسبب وجود لجنة مختصة بذلك على مستوى البحرين هي لجنة «اكتشف الإسلام»؛ إذ إن التخصص يعطي إنتاجًا أفضل، لذا فإن أغلب عمل الجمعية الاجتماعي ينصب الآن على الرعاية الاجتماعية، وإنشاء المساجد، والأنشطة الثقافية والشبابية، إضافة إلى بعض الكتيبات التي تناقش القضايا المطروحة على الساحة.
في ضوء خبراتكم التربوية: كيف ترون مشكلة التربية في العصر الحاضر؟
التربية في هذا العصر أصبحت من أصعب الأمور، وكلما تقدم الزمن، وتقدمت وسائل الارتباط بين العالم ازدادت مشكلة التربية تعقيدًا بسبب كثرة مصادر التربية من حضارات مختلفة واتجاهات متكاثرة؛ فالبرامج التلفازية التي يراها أطفالنا تنتمي إلى مجموعات حضارية لا تمت إلى حضارتنا بصلة، منها الحضارة الأوروبية، وحتى الحضارة اليابانية دخلت إلى الساحة، وهناك مؤسسات نشطة في توجيه الناشئة عن طريق أفلام الكارتون، وبرامج الأطفال.. وأطفالنا وأبناؤنا يتعرضون لهذا الكم الهائل بطريقة مشوقة، وعرض بديع في الوقت الذي ضعف فيه الإنتاج العربي والإسلامي لتغطية جوانب كثيرة بالحياة الفكرية.. لذلك فلن نستغرب إذا رأينا جيلًا قادمًا يتحدث بغير مفاهيمنا، ويفكر بغير مشاعرنا، وقيمنا.
أما الكبار من الأمة فإنهم يتعرضون لضغوط ثقافية من الإعلام الغربي خاصة، بالإضافة إلى الأفلام التي ترد إلينا عن طريق المنح أو الأسعار المخفضة، وتحمل في طياتها كثيرًا من الأحكام والحقائق المغلوطة أو المكذوبة التي يراد بها تغيير القيم والأحكام التي تحياها أمتنا العربية والإسلامية.
واجب التربويين
ما واجب التربويين إذن في ظل هذه الملامح لمشكلة التربية؟
واجبهم البحث عن برامج تربوية جديدة تركز على المبادئ العامة لجميع قضايانا تاركين أمر التفاصيل إلى اطلاعات الفرد وحياته العملية.. ذلك لأننا لا نستطيع بالمناهج التربوية وغيرها أن نتعرض لكل قضية، والزمن قصير والحياة متشعبة، فأيسر الطرق هو التركيز على المبادئ العامة في أذهان الناس: كبارًا وصغارًا.
ولذلك عُني فقهاء الإسلام بالقواعد سواء كانت الأصولية أو الفقهية، حتى يتشرب المسلم بهذه الاتجاهات، وتعمل كضابط لتصرفاته الفرعية، وفي حكمه على ما يستجد من قضايا، وفي أقل الأحوال سيجد نفسه في موضع التساؤل أو حاجته للتساؤل عن تفصيل القضايا.
هل هناك أصول محددة لخطة استراتيجية للتربية الإسلامية في ضوء كلامكم؟
أرى ألا يتخرج الطالب في المدرسة الثانوية إلا وقد قرأ القرآن الكريم كاملًا مجودًا أو مرتلًا. فهذا أصل عام ورئيس في حياة المسلم، فإذا أتقن المسلم قراءة القرآن صار على مقربة منه، وأصبحت قضايا القرآن موجودة في ذاكرته، وهذا أصل من أصول الحياة الإسلامية.. وأعتبر هذه الخطوة الأولى والرئيسة في خطة التربية الإسلامية الاستراتيجية، لأنها تحفظ المسلم من الشبهات، والأفكار الهدامة. وقد لاحظنا أن الجيل الذي لم يقرأ القرآن هو الجيل الذي أخذته الحياة بعيدًا عن أمته الإسلامية والعربية، وتاه فيها. وإن كان كثير منهم قد رجع إلى أمته وإلى قيمها وأحكامها، إلا أن فترة النشاط عنده والعطاء كانت قد استنفدت في عطاءات لم تقدم خيرًا لأمته.
لكن هناك من قرأوا القرآن بل وحفظوه وابتعدوا أيضًا عن قضايا الأمة الإسلامية وفكرها العام؟
نلاحظ هنا أن الذين يرتبطون بالقرآن الكريم، وإن ابتعد بعضهم عن الطريق، إلا أنهم كانوا أقل شططًا، وأسرع رجوعًا إلى جادة الصواب، والعمل البنّاء في المجتمع.
إن هناك قضايا تربوية كثيرة مثل: السلوك، والأخلاق، والمعرفة، والثقافة العامة، وكلها أمور تحتاج إلى جهود جبارة لحفظ مقوماتنا.
وفي رأيك: كيف تهتم التربية بالجانب التاريخي للأمة الإسلامية؟
يجب أن تهتم التربية بالجوانب التاريخية لمسيرة الأمة، لا على نطاقها المؤسسي كأنظمة يدور التاريخ فيها حول الأمراء والملوك، بل ينبغي أن يكون التاريخ معتمدًا على الحركة الاجتماعية في المجتمع المسلم، ليكون بذلك حافزًا للفرد للعمل في وسط المجتمع على أسس تنطلق من الإسلام وقيمه وأحكامه.
في عصر الفضائيات
التربية في عصر الفضائيات قضية تشغل اهتمام المربين والمثقفين.. كيف ترونها منهجًا ومستقبلًا في هذا العصر؟
التربية تحتاج منا إلى تأهيل لأبنائنا لاستخدام هذه الفضائيات، إضافة إلى وضع مصادر للبحث ومراجع معتمدة، فإن شبكة المعلومات الدولية اليوم تحوي الغث والسمين، وربما يكون غثها أكثر من سمينها، فلا بد من وضع ثبت بالمصادر التي يعتمد عليها المسلم لاستقاء الحقيقة التي لاشطط فيها، ولا تغيير.
وفي الوقت ذاته نرجو من المسلم المستخدم لهذه الفضائيات وشبكة المعلومات أن يعمل بعد ذلك لإثبات مقومات حضارته في العالم، فلا يكون مستهلكًا فحسب، بل نرجو أن يكون منتجًا أيضًا، ويمكن أن تكون هذه الفضائيات والشبكات وسيلة لتعريف العالم بالإسلام، ونشره، والدفاع عنه، ورد الشبهات التي تثار حوله، بل تدافع عن قضايا العرب والمسلمين في وقتها.. كما أن هذه الفضائيات والشبكات يمكن أن تستخدم في تخطيط منهجي لعرض الإسلام بصورته الأصيلة المشرقة، حين ذاك يتيسر على غير المسلمين المعرفة بالإسلام، ويكون ذلك جزءًا من الدعوة الإسلامية.
قيمة «الإنصات» في حياة المسلم
ما امتدح القرآن شيئًا إلا كان إيجابيًّا أينما حل ونزل، فيقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف: 204)، ولما كان الإنصات يؤدي إلى الفهم، والفهم يؤدي إلى الإيمان، والإيمان يؤدي إلى العمل، والعمل يوجب الثواب من الله تعالى، كانت الرحمة تتنزل من الله عز وجل على من استمع، وأنصت، وفهم، وآمن، وعمل، وأخلص.
ومن هنا تبرز قيمة الإنصات كما بينته الآية الكريمة؛ فالطالب الذي ينصت لمعلمه يزداد تركيزه في درسه، ويفهم تسلسل أفكاره، ويستوعبها بثبات يجعل من الصعوبة بمكان نسيان ما يقال.
في خطبة الجمعة الإنصات لكلمات الإمام تجعل استفادتك منها في أعلى مستوى لها، وبقدر إنصاتك بقدر ما يبقى معك صدى الكلمات وأثرها طوال أيام الأسبوع، ولا يخفى على مسلم فضل ذلك وثمرته؛ إذ يقول الرسول الكريم ﷺ: «من اغتسل يوم الجمعة ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له، ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته، ثم يصلي معه غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام».
في اجتماعات العمل احرص على أن تنصت للآخرين، فهذا الإنصات يجعلك تفهم ما يريده من حولك بسرعة، ويعطي لك الفرصة الجيدة للرد على الآخرين بموضوعية وبدقة أيضًا، ودون الخروج عن الموضوع مما يوفر الوقت والجهد معًا.
الإنصات لطفلك عندما يتحدث أيًّا كانت سنه أو مستوى تفكيره ستجني منه الكثير، طفلك سيشعر بالراحة والثقة، فأبوه يصمت ليستمع إليه، حتى لو كان الطفل يهذي بكلمات لا معنى لها ولا موضوع، فهي بالنسبة إلى الطفل تقع على قمة اهتماماته، وأنت كأب ستستفيد بأن تلمس طريقة تفكير طفلك. وكيف تتطور لديه المدارك والمفاهيم، مما يساعدك على التخاطب معه باللغة التي يفهمها ويسعد بها.
الإنصات إلى الزوجة يتحقق به التكامل داخل الأسرة حين تشارك الزوجة زوجها برأيها، ومفاهيمها في الحياة، وإنصات الزوج لها باهتمام يحد من انتشار الفكرة التي تشيع أن الزوج دائمًا متسلط، أو يهمل رأيها، كما يتيح فرصة تحقيق الشورى في البيت، وكذلك الاستفادة من أفكار زوجه التي ربما تكون أشد صوابًا من أفكاره في بعض الأحيان، وقد تغيب عن باله أمور ما في زحام الأعمال.
إذن: الإنصات ضرورة من الطالب لمعلمه.. من المصلي للإمام.. من الموظف لرؤسائه ومرؤوسيه. من الأب لأبنائه.. من الزوج لزوجه.
كما أنه من الواجب على المسلم الإنصات لآيات القرآن الكريم عندما تتلى، فهي إما أن تأمره بخير، أو تنهاه عن شر، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ (القمر: 17).
عصام عباس
فطنة البناة في تربية الدعاة (٢)
كيف تكون موعظة الآخرين وتربيتهم بالأحداث.. وعلى العمل والإخلاص؟
ماذا تجدي التماثيل التي تصور المقاتلين في كامل أسلحتهم لكنها جامدة بدون قتال؟
بقلم: عبد الحميد البلالي
تحدثنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة عن أهمية انتباه البناة إلى تأمل سلوك الدعاة، وملاحظة دقائق تصرفاتهم التي تُنبئ عن شخصياتهم بهدف حُسن التعامل معها، وتقويم ما فيها من خلل، لفائدة عطائهم الدعوي في المستقبل.
واليوم: نواصل الحديث حول نقاط جديدة، يأتي في مقدمتها ضرورة الفطنة في موعظة الآخرين.
يتساءل البعض عن سر تأثيره على فئة من الناس في ساعة دون أخرى على الرغم من أن الموعظة هي هي لم تتغير، أو عن سبب تأثيره في الناس، بينما ينقص عن الآخرين في علمه، أو فنه بالخطابة؟
قد تتعدد أسباب التأثير في الآخرين، إلا أن من أبرز هذه الأسباب: اختيار الوقت المناسب للموعظة، والكلمة المناسبة؛ فالناس ليسوا سواء في قربهم أو ابتعادهم عن الله، ولا هم سواء في خوفهم أو أمنهم من الله تعالى، وبالتالي فليس من الفطنة استخدام قوالب من المواعظ جاهزة للجميع، بل لا بد من أن ينتبه البناة إلى أن لكل مقام مقالًا، ولكل شخص أو فئة مقالًا أيضًا.
وعندما يصل البناة إلى هذه الفطنة في الموعظة تكون حينئذ مواعظهم مؤثرة، لها القدرة على بناء دعاة المستقبل.. هذا هو الاعتدال الذي يذكره الإمام ابن الجوزي في صيده، إذ يقول: «اعلم أن أصلح الأمور الاعتدال في كل شيء وإذا رأينا أرباب الدنيا قد غلبت آمالهم، وفسدت في الخير أعمالهم، أمرناهم بذكر الموت والقبور والآخرة. فأما إذا كان العالم لا يغيب عن ذكره الموت، وأحاديث الآخرة تُقرأ عليه، وتجري على لسانه، فتذكاره الموت زيادة على ذلك لا يفيد إلا انقطاعه، بل ينبغي لهذا العالم الشديد الخوف من الله تعالى، الكثير الذكر للآخرة، أن يُشاغل نفسه عن ذكر الموت ليمتد نفس أمله قليلًا، فيصنف ويعمل أعمال الخير ويقدر على طلب ولد، فأما إذا لهج بذكر الموت كانت مفسدته عليه أكثر من مصلحته، ألم تسمع أن النبي ﷺ سابق عائشة -رضي الله عنها- فسبقته، وسابقها فسبقها، وكان يمزح ويشاغل نفسه» (١).
وكان العرب يقولون: «لا تكن يابسًا فتُكسر، ولا ليناً فتُعصر»، وهم يريدون بذلك الاعتدال في الأمور.. فلنرخ أحيانًا ولنشد أخرى حتى يستقيم البناء ويشمخ، ولا تؤثر فيه بعد ذلك زوابع الفتن!
فطنة التربية بالأحداث
ما الحياة الدنيا إلا سلسلة متواصلة من الأحداث والمواقف، والبناء الفطن هو من يستغل الحدث في تربية الدعاة.
ولا شك في أن التربية بالحدث أشد أثرًا من التربية الاعتيادية عن طريق الإلقاء والاستماع من غير حدث، ذلك لأن الكلمة حينئذ تقترن بالصورة، فتكون أكثر تغلغلًا في النفس البشرية.
يقول الأستاذ محمد قطب: «الحياة الدنيا كد وكدح ونصب.. وتفاعل دائم مع الأحداث، وما دام الناس أحياء فهم عرضة على الدوام للأحداث، تقع بسبب تصرفاتهم الخاصة أو لأسباب خارجة عن تقديرهم، وخارجة عن إرادتهم، والمربي البارع لا يترك الأحداث تذهب سدى بغير عبرة، وبغير توجيه، وإنما يستغلها لتربية النفوس وصقلها وتهذيبها، فلا يكون أثرها موقوتًا لا يلبث أن يضيع، والمثل يقول: اضرب والحديد ساخن، لأن الضرب حينئذ يسهل الطرق والتشكيل، أما إذا تركته يبرد فهيهات أن تشكل منه شيئًا ولو بذلت أكبر الجهود» (٢).
فبتعليق وجيز من هنا، ومثل من هنا، وقصة مؤيدة للحدث هنا، وتدليل بآية أو حديث مع شرح موجز من هناك يثبت المعنى، ويغرس القيمة التي تريد بصمغ تربوي من الصعب إزالته.
والقرآن الكريم يعلمنا هذا الفن من الفطنة في تربية النفوس بالحدث في الكثير المواضع.
فبعد معركة أحد وما حدث فيها من هزيمة للمسلمين بسبب مخالفتهم لأمر رسول الله ﷺ وبعد تساؤل الصحابة «أنّى هذا؟» يتنزل القرآن وجراحهم لم تندمل بعد فيقول: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: 165). وكذلك نزل القرآن مربيًا للصحابة بما حدث يوم حنين بعد الهزيمة في بداية المعركة بسبب عجبهم بكثرتهم، ونسيانهم أن النصر يأتي من الله تعالى بعد بذل الأسباب، ولا علاقة له بكثرة أو قلة، فيقول تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ (التوبة: 25).
وهكذا في الكثير من الأحداث التي وقعت للنبي ﷺ أو وقعت للصحابة منفردين أو وقعت لهم جميعًا، نجد القرآن حاضرًا في تربيتهم بتلك الأحداث.
ليس هذا فحسب، بل إن المربي الفطن يستغل حتى الأحداث الكونية فيربي الدعاة من خلالها ولا يتركها تمضي من غير استفادة تربية يزيد فيها لبنة في بناء الرجال. لقد تعلم عبد الله بن الزبير منهجية التربية من خلال الأحداث الكونية من الرسول ﷺ، فلقد رآه وهو غلام صغير يستغل ذلك في الكثير من هذه الأحداث.
لقد كان الرسول ﷺ يستغل طلوع البدر باستدلالاته الجميلة، فيقول للصحابة وهم ملتفون حوله: «هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحاب..»(٣).
وتتلبد السماء بالغيوم السوداء، فيرى أثر ذلك على وجهه لخوفه من إنزال العقاب فتربي تعابير وجهه الصحابة الكرام.. وهكذا كان في باقي الأحداث.. لقد تأثر الغلام الفطن عبد الله بن الزبير بهذا المنهج، حتى أصبح هذا المنهج التربوي له سجية.
يروي عنه ابنه عامر أن أباه كان إذا سمع الرعد لهى عن حديثه، ثم قال: «سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، ثم يقول: إن هذا وعيد لأهل الأرض شديد» (٤).
فطنة التربية على العمل
إنهم يركزون على اقتران العلم بالعمل، لأنهم يؤمنون بأن العلم بلا عمل، كالجسد من غير روح، فماذا تجدي التماثيل التي تشبه المقاتلين مع كامل أسلحتها، ولكن من غير قتال؟! يتعلمون ذلك من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ فلم تأت آية في كتاب الله يذكر الله فيها الإيمان من غير عمل، ولا عملاً من غير إيمان، ولهذا جاءت عقيدة السلف الصالح في تعريفهم للإيمان بأنه: «اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالأركان».
يروي الإمام أحمد في كتاب الزهد أن «رجلًا شابًا كان سأل أم الدرداء -رضي الله عنها- قال فأكثر، فقالت له: أتعمل بكل ما تسأل عنه؟ فقال: لا، فقالت: فما ازديادك من حجة الله عليك» (٥).
لا يعني هذا أننا ندعو إلى عدم السؤال عما لا يُعلم من الأمور، ولكن هناك فرق بين سائل يبحث عن إجابة ليعمل بها، بعد أن تكتمل الصورة الناقصة لديه، وبين آخر لا يدفعه إلا الترف الفكري، ليباهي به العلماء، ويقارع به الأقران، أو يُشار إليه بالبنان، ولقد أحست أم الدرداء بفطنتها الدافع من وراء هذه الأسئلة المتوالية، ومن خبرتها التربوية لذا قالت ما قالت.
فطنة التربية على الإخلاص
الإخلاص أحد ركني قبول العمل؛ فالعبرة ليست بكثرة العمل، ولكن بنوعية العمل، الذي لا يقبل إلا أن يكون صحيحًا على السنة، وخالصًا لوجهه وحده سبحانه وتعالى، وقد ذكر الله تعالى هذين الشرطين في أية واحدة في ختام سورة الكهف إذ قال: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: 110).
وجاء الكثير من الأحاديث النبوية يحذر المؤمنين من الرياء بالعمل، ويحثهم على الإخلاص فيه، منها ذلك الرجل الذي يأتي بأعمال كجبال تهامة ثم ينسفها الله تعالى ويجعلها كالهباء المنثور، بسبب ريائه بتلك الأعمال.
لقد كانت تلك الآيات والأحاديث تخيف الصحابة الكرام ومن بعدهم، ويرتجفون عند سماعهم على سبيل المثال قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ (الفرقان: 23)، وكانوا ذوي حساسية عالية في هذا الأمر، ويفطنون لكل عمل قد يشويه الرياء، أو قد يؤدي بصاحبه إلى الرياء.
لقد رأى الفاروق رجلًا مطأطئ الرأس في الصلاة، فلما سأل عنه قالوا له: إنه يتخشع، فقال: «ليس الخشوع بطأطأة الرؤوس، إنما الخشوع بالقلب»، «ومر أبو أسامة برجل ساجد قد أطال السجود وهو يبكي، فضربه برجله وقال: يا لها من سجدة لو كانت في بيتك» (٦).
ولهذا السبب كانوا ينكرون أشد الإنكار على البكائين في المساجد، وإذا فاجأهم أحد وهم يبكون في بيوتهم خشية من الله، تصانعوا بأنهم يعانون من الزكام؛ إخفاء لأعمالهم، وخوفًا من عدم القبول، ومن أبرز معاني الإخلاص توحيد التوجه والعبادة لله وحده دون إشراك أحد معه، وتعظيمه وحده دون تعظيم أحد سواه.
والمربي الذي يبني الدعاة يفطن لهذه المعاني التي قد تخفى على بعض الدعاة أثناء حماستهم، وحبهم لشيخهم.
لقد انتبه الإمام البنا -رحمة الله عليه- لهذا الأمر في أثناء مؤتمر الطلاب للإخوان المسلمين الذي انعقد بدار جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة عام ١٩٣٨م، حين وقف البنا يخطب، إذ تحمس أحد الإخوة من الطلاب فهتف بحياة حسن البنا -ومع أنه لم يردد الحاضرون هذا الهتاف- إلا أن الإمام البنا وقف صامتًا لا يتحرك برهة، فاتجهت إليه الأنظار في تطلع، ثم بدأ حديثه في غضب فقال: «أيها الإخوان، إن اليوم الذي يهتف في دعوتنا بأشخاص لن يكون ولن يأتي أبدًا، إن دعوتنا الإسلامية قامت على عقيدة التوحيد فلن تحيد عنها» (٧).
ومن دقائق الانتباه والفطنة في تربية الدعاة ما لاحظه على بعض المصلين إمام الشام وفقيهها التابعي القدوة رجاء بن حيوة، الذي اختار عمر بن عبد العزيز للخلافة عندما استشاره بذلك سليمان بن عبد الملك.. فقد «نظر إلى رجل ينعس بعد الصبح فقال: انتبه لا يظنون أن ذا عن سهر» (٨).
إنه يعلمه الإخلاص في العمل؛ إذ إن من أبرز صفات الإخلاص إخفاء النوافل والقربات، وأي تصرف فيه نوع من الإعلان عن هذه النوافل، قد يخرجها من دائرة الإخلاص.. إنها لفتة دقيقة، ولكنها تنم عن متابعة وفطنة لذلك التابعي الجليل في تربية الدعاة على هذا الأمر.
الهوامش
(١) صيد الخاطر: ١٥١.
(٢) منهج التربية الإسلامية: 255، ٢٥٦.
(٣) رواه مسلم (٢٩٦٨) في أول الزهد.
(٤) الزهد لأحمد: ٢٠١.
(٦.٥) المرجع السابق: ١٧٦.
(٧) حسن البنا: مواقف في الدعوة والتربية: ٨١، 82.
(٨) سير أعلام النبلاء: 4/560.
محاسبة النفس
كتب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى بعض عماله: «حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة، فإن من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة، عاد أمره إلى الرضا والغبطة، ومن ألهَتْهُ حياته، وشغلته أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والخسارة».
وقال الحسن: إن العبد ما زال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة همته.
وذكر الإمام أحمد عن وهب قال: مكتوب في حكمة آل داود: «حق على العاقل ألا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقُونه عن نفسه، وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن في هذه الساعة عونًا على تلك الساعات، وإجماعًا للقلوب».
علي محمد معتق
مشكلات وحلول في حقل الدعوة
ضعف الشخصية
التعريف:
الشخصية الضعيفة هي تلك التي تجمع صفات سلبية عدة تحول بينها وبين الشخصية القوية، ومن أبرزها: عدم الاعتزاز والثقة بالنفس، وسهولة الانقياد والتأثر بالآخرين.
المظاهر:
١ - ضعف اتخاذ القرار.
٢ - التقلب السريع للقناعات.
٣ - سهولة الانقياد للآخرين.
٤ - سرعة التأثر بالآخرين.
٥ - عدم الثبات على رأي واحد.
أسبابها:
١- النشأة التربوية الخاطئة من الوالدين.
٢- عدم إعطائه فرصة للتعبير عن آرائه في الصغر.
٣- مصادرة آرائه وقناعاته الخاصة في الصغر.
٤- الاعتماد الكامل على والديه أو أحدهما.
٥- قد يكون غياب التوجيه التربوي، لوفاة أحد الوالدين.
٦- قلة العلم.
٧- الخجل، والخوف من الاستهزاء بآرائه.
الحل:
١- إعطاؤه الفرصة للتعبير عن آرائه في اللقاءات الفردية والجماعية، وتشجيعه على ذلك.
٢- الثناء على آرائه وتبني أهمها.
٣- تأكيد أهمية كل فرد في المؤسسة وأنه بمثابة الحجر الصغير في السد الكبير.
٤- تكليفه بإلقاء بعض الخواطر، ولكن ضمن عدد محدود.
٥- إبعاده عن المربين غير الديمقراطيين، والدفع به إلى المربين الذين يؤمنون بالتشاور.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل