; بعد نجاحها في إجراء انتخابات برلمانية نزيهة.. قرغيزستان... «طفرة» ديمقراطية في آسيا الوسطى | مجلة المجتمع

العنوان بعد نجاحها في إجراء انتخابات برلمانية نزيهة.. قرغيزستان... «طفرة» ديمقراطية في آسيا الوسطى

الكاتب فاطمة إبراهيم المنوفي

تاريخ النشر السبت 23-أكتوبر-2010

مشاهدات 63

نشر في العدد 1924

نشر في الصفحة 20

السبت 23-أكتوبر-2010

رئيسة البلاد المؤقتة «روزا أوتونباييفا» تخلت عن منصبها طواعية.. وهي سابقة في تاريخ دول المنطقة.

نسبة المشاركة تجاوزت ٥٧% .. وعمليات الاقتراع وفرز الأصوات - جرت بطريقة سلمية وخلت من أي انتهاكات.

Osce

رئيس بعثة المراقبة الأوروبية: لقد بهرتني التعددية السياسية وروح المسؤولية لدى الشعب القرغيزي.

أظهرت «قرغيزستان» أنها بالفعل جزيرة الديمقراطية في آسيا الوسطى وأثبتت للعالم أن الشعوب دائمًا مهيأة للديمقراطية، وليست بحاجة لوصاية الحكام عليها كما يدعي البعض.. فعلى الرغم من التشكيك في قدرتها على إقامة نظام ديمقراطي، إلا أن الانتخابات البرلمانية أجريت في نهاية المطاف، وبلغت نسبة المشاركة فيها أكثر من ٥٧% ، ولم تشبها أي انتهاكات…

وأصبحت قرغيزستان نموذجًا فريدًا لدول آسيا الوسطى «السوفييتية سابقا» التي تخضع لأنظمة حكم دكتاتورية أو شبه دكتاتورية، بل إن الحكومات المجاورة كانت مستاءة لرؤية الديمقراطية تنتشر في عقر دارها، واعتبرتها المسمار الأول الذي يدق في نعشها !

لقد برهنت «روزا أوتونباييفا» - رئيسة قرغيزستان المؤقتة، وأول امرأة تتولى رئاسة دولة في آسيا الوسطى – أنها قادرة على إقامة نظام ديمقراطي لأول مرة في تاريخ تلك المنطقة التي حكمت لقرون عديدة بقبضة حديدية، كما أثبتت أنها قادرة على التخلي عن السلطة طواعية، وهو شيء نادر الحدوث في دول الاتحاد السوفييتي السابق بل وحتى في دولنا العربية.

وبعد وقت وجيز من فرز الأصوات،تنفس المواطنون والمسؤولون القرغيز الصعداء، فبعد ستة أشهر فقط من الإطاحة بالرئيس الأسبق «كـرمـان بـك باكاييف»، استطاعت قرغيزستان أن تقهر الصعاب وتصنع المعجزة، وأجرت الانتخابات البرلمانية في يوم ۱۰ أكتوبر، واتسمت عملية التصويت بالتعددية السياسية، ووفرت للمواطنين خيارًا حقيقيًا، كما كانت الحملة الانتخابية محفزة ونابضة بالحياة.

إن إجراء انتخابات نزيهة في قرغيزستان يعتبر بداية حقيقية لتحول تلك الجمهورية السوفييتية السابقة إلى النظام الديمقراطي، وبدون أدنى شك، فإن ذلك جاء نتيجة نجاح الحكومة المؤقتة بقيادة «أوتونباييفا» في اعتماد النظام البرلماني في استفتاء شعبي تم إجراؤه في شهر يونيو الماضي، قلص سلطة رئيس الدولة لصالح البرلمان، كما زاد عدد المقاعد البرلمانية من ٩٠ إلى ١٢٠ مقعدًا.

إشادة دولية

قبل أيام قليلة من الانتخابات، سادت مخاوف كبيرة من أن يتم تزوير صناديق الاقتراع، أو يتم استبدالها كما هو معهود في دول آسيا الوسطى، أو أن تقع أعمال عنف لكن العملية الانتخابية جرت بطريقة سلمية وخلت من أي انتهاكات.

وأشاد المراقبون الدوليون بشفافية ونزاهة الانتخابات؛ فقال «مورتن هوجلند» رئيس بعثة «منظمة الأمن والتعاون في أوروبا» المشرفة على مراقبة الانتخابات في بيان أصدره: «انبهرت حقا بالتعددية السياسية وروح المسؤولية، وروح الشعب في هذا البلد .. لقد راقبت العديد من الانتخابات في دول آسيا الوسطى من قبل، ولكن هذه هي الانتخابات الأولى النزيهة التي لم أستطع أن أتنبأ بنتائجها»، واعتبرت المنظمة الأوروبية أن الانتخابات خطوة مهمة نحو الديمقراطية.

لقد كانت نتائج الانتخابات مبشرة وباعثة على الأمل، حيث لم تشهد منطقة آسيا الوسطى مثل هذه الانتخابات الحرة من قبل، وقالت الرئيسة المؤقتة «أوتونباييفا»: «يمكننا أن نشعر بالفخر لأن هذه الانتخابات كانت مختلفة تمامًا عن تلك التي شهدناها من قبل».

ومما لا شك فيه أن هذه الانتخابات النزيهة والتداول السلمي للسلطة عبر الوسائل الديمقراطية سيكون نموذجًا فريدا لدول المنطقة.

تعاون روسي أمريكي

استطاعت قرغيزستان أن تستفيد أيضًا من المتنافسين؛ روسيا والولايات المتحدة، فلكل منهما قاعدة عسكرية بها، فهي البلد الوحيد في العالم الذي يستضيف قواعد لهاتين الدولتين، لذلك فإنهما لا ترغبان في انهيار تلك الجمهورية ذات الأهمية الإسترتيجية في آسيا الوسطى، لذلك تعاون الروس والأمريكان لتجنب حدوث أي مشكلات.

 فموسكو ترى أن قرغيزستان تقع في نطاق اهتمامها، وتريد أن تحافظ على قوة العلاقات الثقافية والاقتصادية والسياسية معها، ومن ناحية أخرى تريد واشنطن أن تصبح هذه الدولة منارة للديمقراطية في آسيا الوسطي، ففي العاصمة بشكيك توجد قاعدة «ماناس» التي تمثل أهمية قصوى للقوات الأمريكية الموجودة في أفغانستان. 

لذلك عملت الولايات المتحدة ما في وسعها لإنجاح الانتخابات وتعاونت مع روسيا، وأمدت قرغيزستان بخبراء ومتخصصين وأموال للقيام بالعملية الانتخابية على أحسن وجه، كما قامت بتدريب القضاة والمحامين للنظر في الشكاوى المحتمل تلقيها بعد انتهاء الانتخابات، وقام خبراء أمريكيون بتدريب الشرطة في مختلف المدن القرغيزية، حتى تتمكن من الحفاظ على الأمن في مراكز الاقتراع، كما قدمت الولايات المتحدة مساعدات مالية بلغت (۱۰۰) مليون دولار منذ مطلع العام الجاري ٢٠١٠م.

 ربما كان للدورين الروسي والأمريكي صلة بنجاح الانتخابات، لكن مما لا شك فيه أن القرغيز أكدوا تصميمهم على طي صفحة من التاريخ والمضي قدمـا صـوب تحقيق ديمقراطية مستقرة.

ولا تزال النتيجة النهائية غير واضحة المعالم؛ فخمسة أحزاب فقط من بين الـ (۲۹) حزباً، استطاعت تجاوز حاجز الـ(%٥) اللازم لدخول البرلمان المؤلف من ۱۲۰ مقعدًا، يفز أي حزب بالغالبية المطلقة، مما يوحي ولم بأن قرغيزستان بحاجة إلى مزيد من الوقت لتشكيل حكومة ائتلافية متفاهمة لحل مشكلات البلاد.

وقد كانت المفاجأة الكبرى هي تصدر حزب «آتا جورت» «الوطن الأب» الذي يضم وزراء سابقين من أنصار الرئيس المخلوع «باكاييف»، المتهم بإثارة الأعمال الدموية التي وقعت بالجنوب في الأشهر الماضية، بنسبة ٨,٨٥% من أصوات الناخبين، وحصل بذلك على (۲۸) مقعدًا من مقاعد البرلمان، ويرتكز هذا الحزب على قاعدة شعبية واسعة في جنوب البلاد ؛ مسقط رأس الرئيس المخلوع«باكاييف».

 أما الحزب الاشتراكي الديمقراطي - بزعامة «ألمظ بك أتانباييف»، المعروف بقربه من تركيا، والذي شغل منصب رئيس الوزراء لفترة وجيزة في عهد حكومة «باكاييف» - فقد جاء في المرتبة الثانية بنسبة ٨,١%، وحصل على ٢٦ مقعدًا .. ثم حزب «آر ناموس» «الكرامة والعرض» الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق «فيليكس كولوف»المدعوم من روسيا، وحصل على نسبة ٧٦ من أصوات الناخبين و (٢٤) مقعدًا .. ثم حزب «ريسبوبليكا » «الجمهورية» الذي يتزعمه «عمر بك ببانوف»، وحصل على ۷۱ و (۲۳) مقعدًا، ثم حزب «آتا ميكان» «المكان الأب» الذي تدعمه الولايات المتحدة، وحصل على%٥,٨ و(١٩) مقعدًا.

وقد أظهرت الانتخابات أن حزب «باكاييف» لم يفز بالأغلبية الساحقة في الجنوب، وبالرغم من النظام القبلي الذي يميز قرغيزستان، إلا أن القبائل القرغيزية في الجنوب لم تصوت كلها لصالح حزب «آتا جورت»، وذهب الكثير من أصوات القرغيز الجنوبيين لصالح الأحزاب الشمالية: الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وحزب «آر ناموس»، وحزب «ريسبوبليكا».

كما أن غالبية اللاجئين الأوزبك عادوا إلى «أوش» في جنوب قرغيزستان، أو أجبرتهم الحكومة الأوزبكية على العودة، وتشير النتائج إلى أن غالبيتهم صوتوا لحزب «آتا جورت».

تحالفات ومفاوضات

من الصعب التكهن بأن الأحزاب الخمسة يمكنها تشكيل حكومة ائتلافية، خصوصًا أنها لا تمتلك الخبرة الكافية لإقامة تحالفات ناجحة، فحزب «آتا جورت» لا يزال الحزب الأكثر شعبية، لكنه ربما يُضطر إلى الخروج الأحزاب من المحادثات لتشكيل ائتلاف مع الأخرى بسبب الاختلافات الجوهرية معها. 

كما تحدث «فيليكس كولوف» رئيس حزب «آر ناموس» - الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات القرغيزي في العهد السوفييتي، ورئيس الوزراء الأسبق الذي تدعمه روسيا - عن العودة إلى السلطة المركزية لجمهورية رئاسية؛ حيث تعارض روسيا النموذج البرلماني، لخوفها من استيلاء من تصفهم بـ«الإسلاميين المتشددين» على الحكم.

وهناك شيء آخر لا يمكن تجاهله، وهو أن الأحزاب التي استطاعت دخول البرلمان تمثل فقط ثلث أصوات الناخبين، لذلك ربما تستمر المفاوضات أسابيع أو أكثر من ذلك. 

وبصفة عامة، فإن الجماهير في شوارع العاصمة «بشكيك» يأملون بأن تتشكل حكومة جديدة مختلفة عن الحكومات التي مرت عليهم، ويتساءلون : متى تتحسن الحياة؟ وكل ما يريدونه حكومة نظيفة تهتم بأمورهم، وتضع حدا لمشكلاتهم.

والتحدي الآن هو : كيف سيتم تشكيل حكومة ائتلافية؟ وقد فعل القرغيز ما عليهم، فهل سيستطيع الساسة اجتياز هذا التحدي؟!.

الرابط المختصر :