العنوان الوضع المأساوي للمهاجرين الشيشان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1995
مشاهدات 57
نشر في العدد 1145
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 11-أبريل-1995
«المجتمع» تتجول في مخيمات الشيشان:
أنجوشيا: يوسف سراج الدين (*)
لقد فجع العالم بأسره في شهر ديسمبر من عام ١٩٩٤ م عندما أصاب قلب العالم جرح جديد أصيب به الإنسان وكرامة الإنسان، ففي شمال القوقاز وبالتحديد في جمهورية الشيشان ملات المشاهد المؤلمة والصور المحزنة شاشات التلفاز، وغطت الصفحات الأولى في الصحف والمجلات العالمية فالشوارع قد امتلأت بالجثث الَّتي غطتها الثلوج والبيوت والمباني مدمرة محترقة، والشعب بات بلا مأوى ولا غذاء ولا ماء ولا دواء ولا كهرباء، فلا حياة هناك، وكان مدينة جروزني والَّتي كانت تعد عروس القوقاز أصبحت اليوم «مدينة أشباح».
ففي غضون أسابيع قليلة شردت الحرب أكثر من ٥٠٠ ألف إنسان شيشاني من [1]منازلهم ووطنهم ليصبحوا لاجئين يعطف عليهم الناس ويقدمون لهم المساعدة ، وقد عرف شعب الشيشان بأنه شعب كريم عزيز النفس اعتاد على الحياة الكريمة ، ولكن الحروب تجعل السيد عبدًا وتجعل الكريم ذليلًا، وهذا ما حدث في الشيشان.
وكالعادة تناقلت وكالات الأنباء أخبار الحرب والقتال بشكل سريع ومكثف في البدايةباعتبارها مادة جديدة ومثيرة، وعرضت حجم معاناة الشيشان وبالذات اللاجئين الذين لم تصلهم أيَّة مساعدات إنسانية وذلك لصعوبة إيصالها لمناطق اللاجئين الذين ما زالوا يعانون من شدة البرد وقلة الغذاء والدواء والكساء وفقدان المأوى، فمن لهم؟
ونحاول في هذا التقرير إلقاء الضوء على بعض صور المعاناة عند المسلمين الشيشان، كما رأيناها مع الإشارة إلى احتياجاتهم الأساسية.
الأحوال المعيشية للاجئين:
يبلغ عدد اللاجئين حتى الآن ٥٠٠ ألف لاجئ وهم موزعون كالاتي:
۱۸۰ ألف لاجئ داخل جمهورية الشيشان.
١٦٥ ألفًا في جمهورية أنغوشيا.
۱۳۰ ألفًا في جمهورية داغستان، ٢٥ ألفًا في مناطق أخرى.
يتجمع في جمهورية أنغوشيا وحدها ١٦٥ ألف لاجئ من الشيشان، يتمركز معظمهم في إقليم سونجنسكي على الحدود بين الشيشان وأنغوشيا، وفي إقليم نازران عاصمة أنغوشيا؛ حيث يعيش عدد كبير منهم في محطة للسكك الحديدية، ينامون داخل العربات ولا يجدون من الأغطية والملابس ما يقيهم ثلوج الشتاء وبرده القارس، أما الطعام فقليل جدّا لا يفي بحاجة هذا العدد الكبير.
ودخلنا محطة القطارات؛ حيث كانت عيون الأطفال والأمهات تتجه إلينا بالسؤال من أنتم؟ ماذا تريدون؟ هل أحضرتم لنا الطعام والغذاء؟ هل أحضرتم لأطفالنا الحليب؟ عيون الأمهات فاضت بالدموع، وعيون الأطفال ضاعت بين اليأس والأمل، بين الحاضر والمستقبل، ومن نافذة إحدى العربات سألنا طفل بريء أين عبد الكريم؟ فسألنا من عبد الكريم؟ فأخبرونا أنه أخ حضر إلى المنطقة قبل أسبوعين وشارك في توزيع المساعدات، فذاكرة هذا الطفل مازالت مرتبطة باليد الحنونة الَّتي امتدت له بالمساعدة في وقت المحنة.
وعن بُعد سمعنا مجموعة من الشيشان يقرأون القرآن الكريم ويدعون، وبجانبهم مجموعة من النساء يبكين بصوت مسموع وقفنا هناك وأردنا التقاط بعض الصور فاقترب منا رجل ومنعنا من التصوير، فسألنا عن السبب فقال: «أنتم الإعلاميون تأتون هنا وتصورون وتتكلمون معنا وتذهبون إلى بلادكم لتعكسوا الحقائق، فلا نريدكم»، فأخبره المترجم «إن هذا الوفد جاءوا ليساعدوكم»، فسمحوا لنا بالتجول في العربات ومرافق المحطة وسمحوا لنا كذلك بالتقاط بعض الصور.
ودخلنا إحدى العربات الَّتي يعيش فيها عدد كبير من اللاجئين فرأينا بعضهم ينام على أسرة صغيرة وبعضهم ينام على مقاعد العربة والبعض الآخر يتناوبون النوم لعدم توفر أماكن وأما الأغطية المتوفرة فلا تكاد تكفي نصف اللاجئين، وينام الباقون بدون أغطية، وبالنسبة للتدفئة في العربات، فبعضها يحتوي على مدافئ تعمل بالفحم الحجري، والبعض الآخر لا يجد المقيمون فيها شيئًا يقيهم برد الشتاء، وأما دورات المياه فهي خارج العربات، مما يضطر اللاجئين للخروج إليها في البرد الشديد، وقالت إحدى الأمهات في تلك العربة أنا عندي خمسة أطفال، هرب معي ثلاثة منهم واثنان قتلوا أثناء القصف الجوي، وقالت أيضًا كان بيتنا في جروزني كبيرًا وجميلًا ، بنيناه قبل أربع سنوات فقط ولكنه قصف أمام أعيننا ونحن هناك، ثم فاضت عيناها بالبكاء.
وأثناء تجوالنا في المحطة رأينا الأطفال الأبرياء يتنقلون بين العربات بحثًا عن الدفء أو الطعام، وقد خصصت هذه المحطة عربتين لتقديم الطعام، يتناول فيها اللاجئون الطعام حسب جدول محدد، ويأكلون وجبتين يوميًا غالبًا ما تكون مكونة من شوربة خضار وبعض الخبز، ولا شيئًا آخر.
وننتقل إلى إقليم آخر وهو مدينة سونجنسكي الواقعة على الحدود الأنغوشية- الشيشانية، وهي أول مدينة في أنغوشيا يدخلها اللاجئون الهاربون من الحرب، ويعيش في هذه المدينة عدد كبير من اللاجئين، يقيمون في مباني رياض الأطفال والمدارس والمصحات، ففي إحدى روضات الأطفال يقيم أكثر من ۱۰۷ أشخاص ما بين شيخ وامرأة وطفل معظمهم من الأطفال، جميعهم ينامون ويأكلون في هذا المبنى الَّذي يضم غرفة صغيرة وصالة كبيرة نسبيا (۱۸ × ۱۳) مترًا، وكثيرًا ما ينام الكبار جوعي ليوفروا بعض الطعام لأطفالهم، وفي الصباح الباكر ترى اللاجئات ينتشرن بين بيوت الأنغوش ليجمعن قليلًا من الطعام للأطفال، ومن أكثر المواد الَّتي يحتاجها الأطفال هناك هي حليب الأطفال؛ حيث إنه مادة شبه مفقودة، كما أن اللاجئين يتناوبون فترات النوم كي يتسع المكان للجميع، وقد فرح الأطفال كثيرًا حين زرناهم.
وكان من بين النساء امرأة في الستين من عمرها اسمها مليكة، وقفت معها وهي تبكي وتقول: «إننا لم نستلم أيَّة مساعدات منذ أن وزعتم علينا المعونات في الشهر الماضي، أين المنظمات الدولية؟ لماذا لم يقدموا لنا شيئًا حتى الآن؟»، وتابعت وهي تجهش بالبكاء "الطعام يكاد ينفد وحليب الأطفال يكاد ينفد، وبالمناسبة فقد نسينا طعم اللحم"، ماذا سنفعل؟ هل ستقدمون لنا مساعدات أخرى؟
ومشهد آخر في مدينة نالتشك في جمهورية قبردين بلقاريا، وفيها ما يزيد عن 8 آلاف لاجئ؛ حيث زرنا إحدى المصحات والَّتي يسكنها أكثر من ۱۷۰ عائلة من اللاجئين الشيشان معظمهم من الأطفال، تقدم لهم إدارة المصحة الطعام والرعاية، وأثناء تجوالنا بين غرف اللاجئين شاهدنا كيف تسكن عائلتان في غرفة واحدة، وكيف ينام أكثر من ۲۰ شخصًا في غرفة مساحتها ٤×٤ مترًا مربعًا، وشاهدنا بعض الأطفال الذين فقدوا ذويهم أثناء القصف وهربوا من الحرب مع جيران لهم، وجلسنا مع عائلة مكونة من أم وخمسة أطفال خرجوا من جروزني بدون أحذية في رحلة استغرقت يومين كاملين مشوا فيها تحت الثلوج والمطر، وبين الجبال الوعرة حتى وصلوا نالتشك.
أما أمينة فهي دائمة البكاء على أمها وأبيها وزوجها واثنين من أبنائها قتلوا أثناء القصف وتقارن في حديثها كيف كانت تعيش في بيت كبير كالقصر دمر أثناء القصف، وكيف تعيش الآن مع طفليها في هذه المصحة كلاجئين.
هذه مشاهد وصور تكاد تكون قطرات بسيطة من بحر المعاناة الشديدة والمستمرة الَّتي يعيشها اللاجئون الشيشان في مناطق تواجدهم بعيدًا عن بيوتهم ومدنهم ووطنهم.
الوضع الصحي للاجئين
نتيجة لتواجد اللاجئين في تجمعات كبيرة ونتيجة لقلة توفر المياه والدواء والعلاج المناسب بدأت حالات مرض الجرب «الحكة» تنتشر بين اللاجئين بسرعة فائقة، بالإضافة إلى عدد من الأمراض المعدية الأخرى الَّتي بدأت بالتفشي وذكر نائب رئيس وزراء أنغوشيا في لقاء معه بأن عددًا من الأوبئة والأمراض بدأت تتفشى بين اللاجئين، ويكمن الخوف في أن فصل الصيف أصبح على الأبواب، وإذا استمر الحال على ما هو عليه الآن فستكون سرعة انتشار الأوبئة والأمراض كبيرة جدًّا، وهذا قد يهدد حياة اللاجئين إضافة إلى سكان أنغوشيا.
أما بالنسبة للمستشفيات والمستوصفات والعيادات فعددها قليل جدًا، ولا تفي إلا بالقليل من الحاجة، وهناك أيضًا نقص شديد في الأدوية وخاصة في الأمصال والمضادات الحيوية، وقد زرنا عدة مستشفيات في المنطقة للاطلاع على سير العمل وعلى أوضاع المرضى والمصابين.
ففي مدينة نازران قمنا بزيارة مستشفى نازران الحكومي وهو أكبر مستشفى في أنغوشيا؛ حيث رافقنا في هذه الزيارة الدكتور يحيى -نائب وزير الصحة-، وقد رأينا هناك حالات صعبة جدًا لبعض المصابين والمرضى فهذه امرأة أنغوشية أصيبت برصاصة في رأسها وشظايا في أنحاء مختلفة من جسمها وكانت النتيجة فقدانها للذاكرة، وأما الشاب أمين فقد أصيب في الحوض في جروزني واستخدم خلال رحلته من جروزني إلى المستشفى وسائل المواصلات التالية: المشي على الأقدام الحصان التراكتور السيارة الباص، وشاب آخر اخترقت رصاصة أسفل قدمه واستقرت في ساقه ولم يستطع الأطباء استخراجها حتى الآن، وهذه فتاة في السادسة عشرة من عمرها أصيبت بشلل كامل نتيجة إصابتها، والحالات كثيرة والقصص مؤلمة.
وينام في الغرفة الواحدة في مستشفى نازران ثمانية مرضى وفي بعض الحالات عشرة، والأدوية المتوفرة لا تفي بالحاجة، وليس هناك أجهزة طبية متطورة تساعد الأطباء في أداء عملهم، فعلى سبيل المثال لا الحصر يملك المستشفى جهاز أشعة متنقلًا وحيدًا يستخدم في تصوير جميع الحالات المتواجدة الَّتي تصل إلى المستشفى، ويشير رئيس الأطباء في المستشفى إذا تعطل الجهاز -لا سمح الله- فلن نستطيع تصوير أيَّة حالة أو معالجتها.
أما في محطات القطارات فالوضع الصحي للاجئين صعب للغاية، وذلك بسبب تدني مستوى النظافة؛ حيث إن موقع المحطة سيء وغير صحي، فهناك البرد الشديد وانعدام النظافة، واستخدام دورات المياه الخارجية الَّتي تخلو من نظام الصرف الصحي، إضافة إلى ندرة الأحذية والبطانيات وبرودة الطقس الَّتي تجعل اللاجئين فريسة سهلة للأمراض والأوبئة جميع هذه العوامل أدت إلى تدهور الوضع الصحي هناك.
الوضع النفسي للاجئين
يعيش اللاجئون الشيشان وضعًا نفسيًا في غاية الصعوبة، فهناك عدة عوامل تجعلهم يعيشون هذا الوضع، فبعدهم عن بيوتهم وأهليهم ووطنهم، وما يجري في بلدهم من قصف وتدمير وطبيعة حياتهم الجديدة والانتقال من الحياة العزيزة الكريمة إلى حياة التشرد والمذلة والاعتماد على المساعدات والصدقات والانتقال من أصحاب أرض إلى لاجئين، بالإضافة إلى الاستفزازات الروسية من جهة، والخوف على النفس والعرض من جهة أخرى، وهذه الأخيرة على وجه الخصوص بدأت تدخل في قلوب اللاجئين الخوف، فقد وقعت عدة حوادث بشعة جعلت اللاجئين يعيشون في رعب شديد ولا يعرفون معنى للأمان.
ومن هذه الحوادث عندما دخلنا محطة القطارات في نازران رأينا مجموعة من الرجال يقرأون القرآن ويتلون الأدعية وبجانبهم مجموعة من النساء اللاجئات يبكين، فسألنا عن السبب فتقدم رجل وقال: «إننا نؤبن طفلة عمرها ٨ سنوات يتيمة ليس لها أحد هناء»، فسألنا كيف توفيت فبكى الرجل وقال: «خرجت ليلة أمس لقضاء حاجتها فاختطفها مجهولون وبعد منتصف الليل شاهد بعض الناس الطفلة تخرج من سيارة روسية فيلقيها ركاب السيارة أرضًا ثم يركبون السيارة ويدهسونها ويلوذون بالفرار وتبقى الطفلة تتخبط في دمها في البرد الشديد حتى توفاها الله، وبعد الكشف عليها تبين أن الطفلة كانت قد اغتصبت قبل قتلها، وها نحن نؤينها»، واستمر في البكاء ثم قال: «ما ذنب هذه الطفلة اليتيمة»، ثم يسترسل قائلا: «إننا لن نعرف طعم النوم بعد الآن ففي أيَّة لحظة قد تتعرض بناتنا ونساؤنا للاغتصاب والقتل، لم نسلم منهم في جروزني حتى لحقوا بنا إلى هنا، كل يوم تحلق طائرات روسية مروحية على ارتفاعات منخفضة فوق المحطة، ونحن نظن أن السبب هو استفزاز بعض اللاجئين للقيام بأعمال انتقامية فيتخذها الروس سببًا لقصفنا، كنا في بلدنا أمنين»، ولكننا هنا مشردون لاجئون مهددون وغير آمنين، وكان من يسمعه حولنا قد فاضت أعينهم بالبكاء.
هذه صورة حية لجانب من جوانب حياة اللاجئين الشيشان، والحوادث المماثلة كثيرة جدًا، فهم لا يحسدون على ما هم فيه من حال.
ضرورة التحرك لتقديم المساعدات
وفي نهاية المطاف فإن التحرك الفوري من أجل مساعدة اللاجئين الشيشان أمر في غاية الأهمية وخاصة أن الحرب لا تزال مستمرة، ولا تلوح في الأفق بوادر نهاية متوقعة، وفي الوقت نفسه يتزايد عدد المحتاجين للمساعدات الإنسانية، فالغذاء والدواء والغطاء وعلى وجه الخصوص حليب الأطفال هي من أهم الاحتياجات الأساسية هناك.
إن جميع هذه المساعدات بالرغم من ضخامتها لا تغطي إلا جزءًا بسيطًا من حاجة اللاجئين، والحقيقة المؤلمة أن الأطفال يشكلون الغالبية العظمى من المتضررين فنسبة الأطفال تصل إلى ۷۰% من مجموع اللاجئين، كما أن المستشفيات قد امتلأت بالمرضى والمصابين، أما الدواء المتوفر فقليل جدًا والأوبئة تهدد حياة اللاجئين خاصة وأن المنطقة كانت حتى وقت قريب تعاني من مرض الكوليرا، وتتوالى النداءات في المنطقة تطالبنا بالتحرك السريع لزيادة الدعم وزيادة حجم المساعدات الإنسانية.
[1] (*) المسئول الإعلامي بهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية في أمريكا الشمالية.