; نزيف المال العام بين السرقة والهدر | مجلة المجتمع

العنوان نزيف المال العام بين السرقة والهدر

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-ديسمبر-1998

مشاهدات 70

نشر في العدد 1329

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 08-ديسمبر-1998

ينشغل الرأي العام في الكويت هذه الأيام بقضية استنزاف الأموال العامة وذلك بمناسبة تداول قضية شركة ناقلات النفط أمام بعض المحاكم في الخارج، وبعد صدور حكم من المحكمة العليا البريطانية يدين ثلاثة من كبار المسؤولين السابقين في الشركة بالاستيلاء على ۱۳۰ مليون دولار من أموال الشركة بطريق الاحتيال.

ويضاف إلى قضية الناقلات ما حدث بشأن الاستثمارات الكويتية في الخارج، حيث ضاع قرابة ٥٠٠ مليون دولار لم تسترد حتى الآن. 

وواكب ذلك انعقاد مهرجان القرين الثقافي وما رأينا فيه من مظاهر هدر للمال العام في استقدام أشخاص ذوي اتجاهات وأفكار لا يقبلها الشعب الكويتي. 

ثم تلاه ما نشر بشأن حفلات للرقص والغناء من المزمع إقامتها على هامش مهرجان هلا فبراير، التسويقي والتي تقارب ميزانيتها مليونًا ونصف المليون دولار، وهناك غير ما ذكرنا العديد من مظاهر الهدر في مجال التسليح والإنشاءات وغيرها.

ويأتي ذكر هذه الوقائع في ظل واقع اقتصادي صعب يتمثل في انهيار أسعار النفط الكويتي إلى ما دون 7 دولارات للبرميل، وما ترتب على ذلك من عجز حاد في واردات الدولة لجأت الحكومة لسده عبر فرض حزمة من الإجراءات الاقتصادية التقشفية.

وإذا كانت قضية اختلاسات شركة ناقلات النفط الكويتية والاستثمارات الخارجية، قد استحوذتا على الاهتمام الأكبر لدى المجتمع الكويتي، فقد كان ذلك بسبب ضخامة كل واحدة من القضيتين وفجاجتها، حيث تصرف بعض نفر في المال العام وكأنه لا صاحب له ولا رقيب عليهم، هاتان القضيتان وإن مثلتا نموذجًا فاضحًا للسطو على المال العام، إلا أن هناك أنماطًا مختلفة ومتعددة من جرائم الاعتداء على أموال الدولة وقعت في الماضي، وتتكرر دون تدخل حاسم لوقفها، حتى أصبحت هناك قناعة عامة لدى المجتمع الكويتي أن جرائم المال العام والسرقات لا تواجه بالحزم المطلوب. 

وقد أنشأ لك الانطباع جوًّا مشجعًا للبعض للتعدي على أموال الدولة من باب من أمن العقوبة أساء الأدب. 

ومع الوقت ظهرت أشكال مختلفة من التعديات على المال العام أو هدره، واكتسى بعضها طابعًا قانونيًّا ومن ذلك استصدار قوانين وقرارات تنفيعية لبعض الفئات أو استصدار قرارات تعيين وتكليف بمهمات يستتبعها صرف مكافآت و مخصصات وبدلات دون أن ينتج عن ذلك أي فائدة حقيقية.

ومن ذلك أيضًا المبالغة في إنشاء الكيانات الإدارية واللجان والبرامج الحكومية أو المهرجانات والمواسم والمناشط التي تكتسي أثوابًا جذابة وتسمى بأسماء براقة، ولكنها في داخلها خواء تصفر فيه الريح.

ويبدو أنه قد تولدت قناعة لدى بعض الفئات الاجتماعية والاقتصادية أنها أولى من غيرها من الفئات بأموال الدولة وحيازة ثمار الثروة النفطية، ومن المؤسف أن يميل بعض أجهزة الحكومة إلى إرضاء هذه الفئات وخصها بمميزات وفرص كسب أكثر من غيرها.

وعلى وجه الخصوص فإن قطاعي المشروعات الإنشائية وبرامج التسليح هما من أكثر أبواب الهدر في المال العام بسبب ما يكتنف العمل فيهما من تداول العمولات وصور التنفيع الأخرى.

إن الشعب يتوقع خطوات إيجابية لمحاسبة المخطئ ووقف نزيف الأموال سواء بالسرقات أو العمولات أو الهدر والتبذير، ولا يمكن أن يقتنع أبناء المجتمع الكويتي بضرورة شد الحزام وتطبيق الإجراءات التقشفية، وهم يرون أموال الدولة تنفق يمينًا وشمالًا دون حساب.

كيف يمكن أن يقتنع مواطن بضرورة زيادة رسوم الكهرباء وهو يرى أن الاختلاسات في قضية واحدة تقدر بمئات الملايين من الدولارات وكيف يتحمل المواطن نقص الخدمات وهو يرى عشرات الألوف من الدنانير تنفق على حفلات الرقص والغناء التي تجلب سخط الرب وتكون سببًا لضيق الرزق.

 كيف تعجز ميزانية وزارة التعليم عن توفير الأساسيات الضرورية للطلاب في المدارس مثل المختبرات العلمية وأجهزة الكمبيوتر، وتلجأ بعض المدارس إلى جمع التبرعات من أولياء الأمور فيما الهدر مستمر على النحو الذي نرى ونسمع.

وإذا كنا نبحث عن وسائل عملية للخروج من ذلك المناخ الآسن، وتوفير الحماية للأموال العامة، فإن ذلك يستدعي عددًا من الإجراءات منها:

١-الاهتمام بالتربية الإيمانية التي تمنع الناس من الاعتداء على أموال الغير وتجعل حرمة المال العام أشد من حرمة المال الخاص لاتساع دائرة الضرر فيه.

٢-محاسبة المخطئين والمتجاوزين مهما كانت أشخاصهم أو صفاتهم. 

3-تشديد الإجراءات الرقابية، فالمال السائب يغري ذوي النفوس الضعيفة والذمم الفاسدة على ارتكاب الاختلاسات والتجاوزات، ومن فضل الله أن الإسلاميين أول من أنشا لجنة حماية المال العام بمجلس الأمة الكويتي، كما طلبوا إخضاع ميزانية وزارة الدفاع لرقابة ديوان المحاسبة.

٤-تحريك الدعوى القضائية في عدد من القضايا التي يثار حولها اللغط وعرضها على القضاء لتتضح الحقيقة ويعلمها الناس. 

٥-حسن التخطيط للمشروعات وحسن استخدام الموارد المتاحة وتوجيهها التوجيه الصحيح والسليم وتقديم الأولويات النافعة المفيدة ذات المردود الإيجابي على ما عداها.

وحسنًا فعل أعضاء مجلس الأمة الذين تقدموا بطلب مناقشة سياسة الحكومة في قضية ناقلات النفط، ولكنا نأمل من المجلس والحكومة تحركًا أوسع وإجراءات أكبر تستأصل شأفة الفساد وتريح البلاد والعباد من المفسدين في الأرض. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (النساء: ۲۹)، ويقول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم» الحديث، وقال صلى الله عليه وسلم: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» (متفق عليهما).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل