العنوان أيام في «قازان» «2».. تاريخ دولة تترسان
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 06-ديسمبر-2008
مشاهدات 60
نشر في العدد 1830
نشر في الصفحة 38
السبت 06-ديسمبر-2008
- الشعب التتري 7 ملايين نسمة.. مليونان في تترستان والباقي في الجمهوريات الروسية
- بلغار الفولجا اعتنقوا الإسلام في القرن الرابع الهجري بعد احتكاكهم بالتجار المسلمين
- بعد رحلة ابن فضلان أصبح الإسلام الدين الرسمي للدولة ولغتها تكتب بأحرف عربية
- في أواخر القرن الثامن الهجري انقض الروس على منطقة بلغار الفولجا فانفصلت قازان
ذكرت في المقال الماضي معالم عامة عن جغرافية تترستان وأحوال سكانها وأوضاعها، وعرجت على قازان فذكرت تاريخ إنشائها وشيئًا من أحوالها، وفي هذا المقال سأذكر تاريخ تترستان وعاصمتها قازان، فأقول والله تعالى الموفق:
إن الشعب التتري الذي في روسيا إنما يعيش في جمهورية تترستان وفي خارجها، ويقدر في تترستان بمليونين ومائتي ألف وخارجها بخمسة ملايين، فهم إذن قرابة 7ملايين نسمة، وهم قرابة 5% من سكان روسيا الاتحادية، وتنحدر أصول هذا الشعب إلى ثلاثة أقسام، البلغار: وهم من شمال البحر الأسود، ونزحوا إلى حوض الفولجا - وقيل: إن أصولهم تركية – والترك: النازحون إلى المنطقة من آسيا الوسطى، والمغول: الذين امتزجوا جميعًا فصاروا شعبًا واحدًا يسمى التتار.
أما البلغار فقد أسّسوا دولة في حوض الفولجا بعد نزوحهم من شمال البحر الأسود، وصاروا يعرفون بـ «بلغار الفولجا» تمييزًا لهم عن بلغار شرق أوروبا الذين يسكنون في بلغاريا اليوم، وهذه الدولة كانت إقطاعية غنية واشتهرت بالتجارة، وقد اكتملت سعادة بلغار الفولجا باعتناقهم الإسلام - بعد أن كانوا وثنيين - في أوائل القرن الرابع الهجري أي قبل ألف ومائة عام ونيف عن طريق احتكاكهم بالتجار المسلمين الذين كانوا يفدون إلى المنطقة قبل البلغار، ولم يكتف ملكهم «ألموش» «ALMUCH» بهذا بل أرسل مبعوثًا خاصًا يسمى «عبد الله بن باشتو» إلى بغداد برسالة إلى الخليفة المقتدر بالله يطلب منه أن يرسل له بعثة تفقه بلغار الفولجا بالإسلام، وأن يبني للخليفة مسجدًا في بلاده، ويذكر اسمه على المنابر في مساجد البلغار، وطلب من الخليفة أن يحميه من أعدائه وهم يهود بحر الخَزَر، وهو البحر الأسود، فاستجاب الخليفة وأرسل بعثة برئاسة «ابن فضلان» سنة ٣٠٩هـ/ ٩٢١م إلى مدينة «بلغار» التي كانت عاصمة آنذاك لبلغار الفولجا، وهذه المدينة قد جددت وتبعد الآن ١٤٠كم عن مدينة قازان، وهناك بقايا من المدينة القديمة الأثرية تبعد عنها اثني عشر ميلًا، وكان المسلمون يسمّون سكان هذه المنطقة الصقالبة، وسجل ابن فضلان أحداث رحلته هذه في كتاب، وتكلم عن الذين قابلهم من الترك والخَزَر والصقالبة الروس والإسكندنافيين، وفي ١٦ محرم سنة ٣١٠هـ/ ١٦ مايو سنة ٩٢٢م أصبح الإسلام هو الدين الرسمي للدولة بعد أن كانت وثنية، وصارت لغتهم تكتب بأحرف عربية، عوضًا عن الحروف التركية القديمة.
نهضة علمية وصناعية
واشتهر في المنطقة علماء بتأثير الإسلام عليها منهم «يعقوب بن نعمان» الذي عاش في القرن الخامس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، وألف كتاب «تاريخ البلغار»، و«برهان ابن بلغاري» الطبيب، و«قل غالي» الشاعر في القرن السادس الهجري/ الثالث عشر الميلادي، وانتشرت التجارة والصناعة والمدارس والمساجد والفنادق بعد أن كانت الدولة بدائية همجية، كما وصفها ابن فضلان يرحمه الله تعالى، بل صارت الدولة الأولى في المنطقة، ودارًا للإسلام ينطلق منها.
أما الترك فقد نزحوا إلى المنطقة من آسيا الوسطى «التركستان»، ولا أعرف شيئًا كثيرًا عن تاريخهم في بلاد التتار، لكنهم امتزجوا بالبلغار هنالك، وقيل: إن البلغار أنفسهم ينحدرون من الأتراك والله أعلم.
وأما المغول فقد هاجموا المنطقة في القرن السادس الهجري/ ۱۲۲۳م بقيادة «جنكيز خان»، لكن بلغار الفولجا دافعوا عن بلادهم بصلابة وشجاعة وردوا الهجوم، وفي سنة ١٢٢٧م توفي «جنكيز خان» فتقاسم الإمبراطورية أولاده الثلاثة وحـفـيـده «بـاتـوخـان» الذي هاجم البلغار سنة ١٢٣٦م بجيش عدده ستمائة ألف مقاتل فاكتسح البلاد، ودمّر عاصمتها «بلغار»، ووصل إلى أوروبا الشرقية واتخذ من «سوراي» عاصمة له، وقد زارها «ابن بطوطة» ووصفها في رحلته، وهؤلاء المغول الذين سيطروا على منطقة بلغار الفولجا عرفوا باسم القبيلة الذهبية، وكان «باتوخان» يحنو على المسلمين ويعاملهم معاملة حسنة، وقد توفي سنة ١٢٥٥م، ثم تعاقب على حكم بلاده ابنه ثم أخوه «بركة خان» الذي أسلم قبل مدة طويلة من تولي الحكم، وقد استمر حكمه قرابة عشر سنوات أو تزيد من سنة ٦٥٤هـ -٦٦٥هـ/ ١٢٥٦ - ١٢٦٧م، وفي هذه المدة أسلم معظم أفراد القبيلة الذهبية التي كانت أول قبائل المغول إسلامًا، واختلطوا ببلغار الفولجا وبالأتراك، وسمي مجموع الشعب القاطن تلك البقعة بالتتار.
انقضاض الروس: ثم إنه في أواخر القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي ضعفت القبيلة الذهبية وتمكن «تيمورلنك» من دخول عاصمتها «سوراي»، وانقض الروس على منطقة بلغار الفولجا فدمروا عاصمتها «بلغار»، فانفصلت عدة مناطق عن حكم هذه القبيلة منها خانية «أي إمارة» القرم، وخانية قازان، وخانية خوارزم، وخانية سيبيريا، وخانية استراخان، أما خانية قازان فقد أسسها «أولوغ محمد» وهو من القبيلة الذهبية، ودعا سكان بلغار الفولجا للسكنى في قازان واتخذها عاصمة لخانيته، واستطاع أن يهدد الروس مرارًا وأن يحاصر عاصمتهم «موسكو»، لكن لم يُقَدِّر له أن يفتحها، وصارت «موسكو» تدفع له ولأولاده جزية سنوية ضخمة لمدة طويلة، وقد وقعت حروب عديدة بين الروس وأبناء وأحفاد «أولوغ محمد»، وكانت الحرب سجالًا، حتى تمكن القيصر «إيفان الرابع» المعروف باسم إيفان الرهيب من دخول قازان في القرن العاشر الهجري/ ١٥٥٢م، ولم تفلح محاولات الدولة العثمانية لاسترداد قازان، وبقيت تحت حكم الروس قرونًا إلى يوم الناس هذا ولما دخل «إيفان الرهيب» قازان هو وجيشه ارتكبت مذابح عظيمة، ولم يتركوا أحدا حول مسجد «قل شريف» - المسجد الجامع في قازان آنذاك - وكان أهل المسجد قد قاموا يدافعون عن عقيدتهم وشرفهم بالسيوف فقتلوا جميعًا رجالًا ونساءً، وهدمت المساجد، وأجبر سكان المنطقة على النصرانية، أو يصبح مصيرهم هو القتل أو التهجير، لكن سكان المنطقة لم يرضوا بهذا، وقاموا بثورات عديدة أفلحت واحدة منها في استرداد قازان سنة ۱۷۷۲م أيام «كاترين الثانية» التي كانت ذات سياسة متسامحة مع المسلمين، مما أدى لهدوئهم وإعادة قازان لروسيا.
اضطهاد ديني
وتسبب سقوط قازان على يد الروس في سقوط العديد من الإمارات الإسلامية في المنطقة «التي كانت تسمى خانات أوخانيات» وحُول نهر الفولجا إلى نهر روسي بعد أن كان نهرًا إسلاميًا، يقول المؤرخ الروسي «فيسوف»: «مع وصول طبقة النبلاء الروس إلى قازان وبناء الأديرة فيها بدأ الاضطهاد الديني يأخذ مجراه في تلك المدينة، وكان إيفان الرابع المتأثر برجال الدين الأرثوذكس هو المحفّز لهذا الاضطهاد؛ إذ قام بهدم المساجد ومنع إعادة تعميرها، ومن جهة أخرى انكب المبشرون الروس في قازان على تحويل أكبر عدد ممكن من المسلمين عن الإسلام إلى الأرثوذكسية».
وقد أعفى الروس كل من تنصر من المسلمين من الجندية ومن الضرائب لمدة ثلاث سنوات، لكن محاولاتهم لم تفلح، وبقي أكثر المسلمين على إسلامهم، ولله الحمد والمنة.
وقد أرغم التتار على ترك ممتلكاتهم بعد التضييق عليهم بمراسيم إمبراطورية، وفي عهد الإمبراطورة «آنا» «١٦٩٣-١٧٤٠م» أحدثت مؤسسة المنصرين الجدد» سنة ۱۷۳۱م التي عملت ٣٣ سنة على إرغام المسلمين على التنصر بكل الطرق، أسقف قازان ٤١٨ مسجدًا من أصل وهدم ٥٣٦ مسجدًا كانت قائمة في المنطقة، وذلك من سنة ١٧٣٨م إلى سنة ١٧٥٥م.
انفراجة في عهد كاترين
حتى جاءت «كاترين الثانية» «١٧٦٢ - ١٧٩٦م» فخففت من شدة الحملة كما ذكرتُ من قبل، وحاولت أن تتقرب إلى التتار فأغلقت «مؤسسة المنصرين الجدد»، وسمحت للمسلمين بالسكن في مدنهم وقراهم كافة، وشيدت مسجدين في قازان، ثم صدر مرسوم إمبراطوري بمنح المسلمين الحق في الحرية الدينية المطلقة وبناء ما يشاؤون من مساجد ومدارس، وعيّن مفتٍ لروسيا سنة ١٧٨٢م، وفي عام ١٧٨٨م أسست «الجمعية الروحية للمسلمين»، ثم سُمح بتدريس العربية بجوار التتارية والفارسية في الأقاليم الإسلامية في كل روسيا، وأدخل الحرف العربي إلى المطابع الروسية بما فيها مطابع قازان، وبين سنتي ١٨٥٣ - ١٨٥٩م طبع ٣٦٢٧٠٠ نسخة من القرآن الكريم والكتب الدينية.
وفي عام ۱۷۷۱م افتتحت في قازان مدرستان إسلاميتان، وفي عام ١٧٨٠م أسست المدرسة العثمانية، وكان هدف «کاترين الثانية» من وراء هذا التسامح مع المسلمين هو منع التتار من التحالف مع الأتراك العثمانيين، وأيضًا فتح أسواق آسيا للبضائع الروسية عبر التتار وغيرهم من مسلمي روسيا.
نشاط ثقافي وعلمي
وما إن استهل القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي إلا وفي قازان نشاط ثقافي وعلمي ضخم، فقد كان بها جامعة إسلامية فيها سبعة آلاف طالب، وظهرت مجموعة كبيرة من الصحف والمجلات مثل «يلدز» - أي النجمة باللغة التركية- و«الوقت»، و«عزت»، و«النور»، و«الفكر»، و«سورة»، و«المكتب»، و«الأورال» وكلها تكتب باللغة التترية وبالحرف العربي، قال «بنجسين» و«لومرسييه»:
«وهكذا فما إن أقبل عام ١٣٢٣هـ/ ١٩٠٥م حتى بلغ المستوى الثقافي لمسلمي روسيا درجة عالية بشكل لافت للنظر، وذلك بفضل الجهود الجبارة التي بذلها المصلحون وأصبحت مدن قازان و«أوفا» و«أرنبورج» و «تروتيسك» و«بغتشيساري» و«باكو» مراكز ثقافية وفكرية جديرة بأن تكون ندًا لدمشق وبيروت والقاهرة وإسطنبول».
وبعد هزيمة الروس من اليابانيين سنة ١٣٢۳هـ / ١٩٠٥م تشجّع مجموعة من مثقفي التتار وعلمائهم ومفكريهم مع إخوانهم المسلمين الآخرين في روسيا وطالبوا بحقوق سياسية لمسلمي روسيا، ثم عقد مؤتمر سري في سنة ١٣٢٣هـ/ أغسطس سنة ١٩٠٥م اشترك فيه قرابة مائة مندوب من التتار، وصدرت عن المؤتمر توصيات للمطالبة بالحقوق الدينية الشخصية والتساوي مع المواطنين الروس الآخرين، وعرض المؤتمرون التعاون مع الأحزاب الليبرالية الروسية.
وفي سنة ١٣٢٤هـ/ يناير ١٩٠٦م عقد مؤتمر سري ثانٍ في مدينة «سان بطرسبورج» حضره مائة مندوب تتري وقرمي وقفقاسي وقازاقي وتركستاني، ثم عقد في أغسطس من العام نفسه مؤتمر ثالث لكنه علني، وقرر المؤتمرون إنشاء حزب إسلامي سياسي لمسلمي الإمبراطورية القيصرية كافة، يطالب بحرية التدين وحرية التعليم، وعرضوا التعاون مع الأحزاب الليبرالية الروسية لكنها رفضت، وصدق تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتبع ملتهُمْ﴾ (البقرة :١٢٠).
الانخداع بالشيوعيين
وبعد سنتين من ذلك التاريخ أي سنة ١٣٢٦هـ/ ١٩٠٨م فقد القادة المسلمون الأمل في الليبرالية الروسية وهاجر كثير منهم إلى تركيا، ثم إلى مناطق متعددة من العالم الإسلامي، وقد خُدع كثير من المسلمين بشعارات الماركسيين والاشتراكيين المنادية بإسقاط القيصرية الروسية التي أذاقت المسلمين الويلات وسبب هذا تعاطفًا من المسلمين مع الماركسية والاشتراكية، التي دغدغت مشاعرهم ووعدتهم بالحريات وظـل الـوضـع كـذلـك حـتـى قـامـت الثورة البلشفية الشيوعية الملعونة سنة ١٣٣٦هـ/ ۱۹۱۷م، وقد أدت الثورة إلى اختلاف قادة المسلمين - الذين اجتمعوا في موسكو بحضور ۹۰۰ مندوب بعد الثورة - إلى فريقين: فريق يرى الاستقلال التام عن روسيا، وهم التركستانيون والأذريون، وفريق يرى البقاء فيدراليًا تحت روسيا ويتزعمه التتار، لكن الجميع اتفقوا على إنشاء إدارة مركزية تُعنى بشؤون مسلمي روسيا، ومجلس شورى مركزي ولجنة تنفيذية إسلامية، وفي ١٣٣٦هـ/ يوليو ١٩١٧م عقد في قازان المؤتمر الثقافي لمسلمي روسيا ولم يحضره سوى ممثلي تتار الفولجا والبشكيريين والقرميين، أما ممثلو التركستان والقوقاز وأذربيجان فلم يحضروا وذلك للفوضى العارمة إبان الثورة وفي أثناء الحرب العالمية الأولى، لكن مؤتمر قازان رسَّخ مسألة بقاء المسلمين تحت حكم الروس فيدراليًا، ثم جرت أحداث كثيرة بعد ذلك تبين من خلالها أن كل وعود الروس البلاشفة الشيوعيين للمسلمين ذهبت أدراج الرياح، وأعدم الروس في عهد «لينين» و«ستالين» كثيرًا من زعماء المسلمين عامة والتتار خاصة ممن تعاونوا معهم وخدعوا بهم، وفعل الشيوعيون بالمسلمين ما لم يفعله القياصرة الروس، وهذا سأذكره في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل