العنوان على مائدة ندوة في الخرطوم المسلمون وتداعيات الأحداث المعاصرة
الكاتب حاتم حسن مبروك
تاريخ النشر السبت 26-يناير-2002
مشاهدات 65
نشر في العدد 1486
نشر في الصفحة 32
السبت 26-يناير-2002
شهدت جامعة الخرطوم ندوة نظمها مركز الكلم الطيب للبحوث والدراسات تحت عنوان المسلمون وتداعيات الأحداث المعاصرة، تحدث فيها كل من د. جعفر شيخ إدريس – مدير الجامعة الإسلامية المفتوحة بالولايات المتحدة ود. الطيب زين العابدين الأستاذ بالجامعة الإسلامية بباكستان، ود. عصام أحمد البشير وزير الإرشاد والأوقاف، وتناولت التطورات التي يمر بها العالم الإسلامي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
في بداية الندوة تحدث د. جعفر شيخ إدريس، مشيرًا إلى التصريحات المتكررة المسؤولين غربيين عن خطورة الإسلام على الغرب خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وهم الآن يتخذون الخطوات العملية الضرب الإسلام ساعين إلى:
1-أن تتحول الدول المسلمة إلى دول علمانية على غرار النسق الأمريكي.
2-أن نعيد تفسير الإسلام وفق فهمهم هم للدين، وذلك لأن الإسلام يمثل خطرًا عليهم بحديثه المتكرر عن الجهاد وعزة النفس وكل الفضائل والمبادئ السامية ..إلخ
3-أن ترى الدول المسلمة مصلحتها (السياسية والإستراتيجية ... إلخ) بطريقة تجعلها متوافقة مع المصالح الغربية، فإذا حققت دولة ما هذه المطالب وكانت دولة ديمقراطية فنعم بها، وإن كانت غير ديمقراطية... فدولة دكتاتورية تحقق مطالبهم خير من «ديمقراطية» لا تحقق لهم شيئًا.
وأوضح د. جعفر أن بعض العلماء والقادة والسياسيين سيحاولون تفسير الدين بطريقة توافق مطالب الغربيين متخذين شعار نخشى أن تصيبنا دائرة ولكن أيضًا.. سيثبت كثير من القادة والسياسيين والعلماء ومعهم كثير من المسلمين على الحق.
وقال: ستقوم بعض الحكومات بإغلاق مؤسسات التعليم الديني فيها، وإلغاء المقررات الدينية وإعادة صياغتها، وتفسير الدين تفسيرًا جديدًا. ومن أوائل الذين بدؤوا في تطبيق هذه السياسة الرئيس الباكستاني برويز مشرف.
وقال د. جعفر إن الفئة الصابرة على الحق تحتاج لأن يكون لها منهج يحقق ثبات المستبصر، والمطلوب منها ما يلي:
1-توعية الناس بكيفية رفض هذه المطالب لأن عامتهم لا يعرفون حقيقتها، مع بيان أنها قديمة منذ عهد الرسول r عندما قالت له قريش ﴿ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ﴾ (يونس: 15). وبينما كان الضغط اجتماعيًّا، وقتذاك على المسلمين، فالضغط اليوم عالمي».
2-أن نكون عقلاء عند الاختلاف، وعدم التنازع فيما بيننا، إذ ما كان ليحدث ما حدث في أفغانستان إذا لم يكن هناك تنازع وهو درس للأحزاب والتنظيمات السياسية والحكومات لأن هذا الخطر يهددنا جميعًا ولن يستثني أحدًا.
3-أن نكون على بصيرة بمواطن القوة والضعف فينا، بحيث لا يقدم شخص على شيء لا يقدر عليه فالدين الإسلامي دين عقلاني ويضع حسابًا للنتائج، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
وفي ختام حديثه أشار إلى أنه بعد أحداث ۱۱ سبتمبر في الولايات المتحدة دخل الإسلام حوالي ألف ۲۰ شخص لأن الاسلام أصبح متاحًا في وسائل الإعلام المختلفة والأمريكان أجهل الناس بالعالم، لكنهم بعد الأحداث أصبحوا يبحثون ويقرؤون ويسألون عن الإسلام ونبه أخيرًا إلى أهمية التحاور مع الغرب لأن الغالبية لم تسمع عن الإسلام ولا تعرفه.
ثم تحدث د. الطيب زين العابدين مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وتحقيقها لتطور تقني كبير في معظم المجالات شعرت بطغيان لا حد له.
وهدفت سياستها إلى احتواء العالم الإسلامي وأكد أنها تحرص على وجود غربي في مناطق إستراتيجية بالعالم الإسلامي، كما تسعى لمنع أي دولة مسلمة من امتلاك السلاح الرادع حتى إذا جاء وقت ضربها لا تستطيع الرد أو الدفاع عن نفسها.
على حساب المسلمين
وأشار إلى أن النزاعات في الدول المسلمة ستحل كلها على حساب المسلمين فيها، كما يحدث في الشيشان، وكشمير، وفلسطين والفلبين وستحرص الولايات المتحدة على التأثير في تشكيل الحكومات في العالم الإسلامي، وأخطر من ذلك التأثير الثقافي في وسائل الإعلام والمناهج التربوية.
ونبه إلى أن العالم الإسلامي الآن يفتقد النصير، وإذا تم ضرب أي دولة فلا تستطيع الدول الأخرى مجرد الاحتجاج – كما يحدث الآن بين الهند وباكستان.
أما عن الخطوات الواجب اتخاذها فتتلخص فيما يلي:
1-إعطاء الأسبقية للعمل التربوي والدعوي والسياسي، داخل وخارج العالم الإسلامي وتشجيع أي قدر من التعاون والتنسيق والتقارب بين الدول الإسلامية، خاصة المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
2-توفير مناخ الحرية والعدل لتتاح لقوى المجتمع أن تتوحد عند الأزمات، ولا تستغلها للانتقام من حرمانها من الحرية والعدل.
3-أن الولايات المتحدة تسعى لإيجاد جنود يقومون بالمواجهة المباشرة والحرب – نيابة عنها – كتحالف الشمال في أفغانستان، وأن تقوم إثيوبيا بهذا الدور في الصومال، وربما الحركة الشعبية – حركة قرنق – في جنوب السودان ولكن إذا ساد مناخ العدل والحرية فسيكون توحد الأمة سهلًا ضد القوى السياسية مهما اختلفت أجندتها.
واختتم د. عصام أحمد البشير الندوة مشيرًا إلى المعادلة المختلة بين قيادة الولايات المتحدة للعالم وحالة الشتات في العالم الإسلامي التي يمكن أن تكون عامل إضاءة لهذه الأمة لتنهض من غفوتها، فهي أمة مرحومة، جعل الله لها من عوامل الديمومة والاستمرار ما يفوق كيد أعدائها، وأنها أمة محفوظة من خلال طائفة تؤمن بالحق حتى يأتي أمر الله، ولذلك نهى عن اليأس والإحباط الذي شاع عند البعض. ولذلك سمى حالة الحركة بالصحوة بعد الغفوة، فحدث البعث بعد تخبط.
ونبه د. عصام إلى عدم إغفال الاختلالات في فكرنا وممارستنا، وضرورة نقد الذات لا جلدها، وأن نتوقف وتتدبر مواقفنا، لأن التقوى بلا وعي غفلة، والوعي بلا تقوى فجور ولا بد من التفريق بين فقه التمكين وفقه الاستضعاف وفقه الظهور والغربة والدعوة
والدولة، وما بين الإحجام والإقدام، وفقه المبدئيات والمرحليات.
ولتصحيح المسيرة أشار د. عصام البشير إلى اعتماد مبدأ الفقه الجماعي والفتوى الجماعية في أمور الأمة التي تتعلق بمصالحها العليا وهمومها الكبرى.. نريد الفتوى التي يتداعى إليها أهل العلم والنظر، فهناك فرق بين الفتوى والحكم التي هي تنزيل النص على الواقع .. ولا ننسى أن ثلث المسلمين يعيشون أقلية في ديار غيرهم.
الأمر الثاني: الأكثر ضرورة هو وحدة الصف الإسلامي بغض النظر عن وجود حريات أو غيره، وعلى العاملين في الحقل الإسلامي – خصوصًا الدعاة – أن يتفقوا على قاسم مشترك بينهم ويتعاونوا عليه، ويقفوا في خندق واحد في قضايا الأمة المصيرية، فقبلتنا واحدة، وإمامنا واحد، وإِلـٰهنَا واحد، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (الأنفال: ۷۳).
ولا أعني – والحديث للدكتور عصام – بوحدة الصف الإسلامي( وحدة الوعاء التنظيمي). فهذا غير ممكن، ولكن أعني القاسم المشترك بيننا الذي تلتقي عليه بحيث يكون هناك برنامج عمل يوحد مواقفنا ورؤانا، فإن ذلك أدعى لهيبة المسلمين على أعدائهم، وإن تفرق المسلمين يغري بهم عدوهم، فنعمل بقاعدة الشيخ رشيد رضا نعمل فيما اتفقنا عليه ونتغافر في موارد الاجتهاد ونتحاور في موارد الاختلاف، ولكن للأسف الآن تقوم ما يشبه الحرب الأهلية بين جماعات العمل الإسلامي وهو اختلال فكري يجب الحذر منه.
الأمر الثالث: الدعوة للتصالح الوطني بين الأنظمة وشعوبها، وبين الأنظمة والحركات الإسلامية التي رفعت شعار الإسلام هو الحل؛ لأن المعركة ليست مع تلك الأنظمة رغم علاتها فهي مستهدفة أيضًا، وليس من الحكمة في شيء أن تتحول المعركة مع هذه الحكومات، وأعتقد أنه يجب أن نقف لندافع عن أصل الإسلام والوقت الآن ليس لتصفية الحسابات، والمعركة اليوم مع الأصول مما يقتضي منا الوقوف في خندق واحد.
النقطة الأخيرة: ما أشار إليه الإمام الشاطبي بـ (فقه المآلات)، وهي مسألة مهمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفي صحيح البخاري أراد الرسول r نقض الكعبة وإعادة بنائها على قواعد سيدنا إبراهيم عليه السلام ولكن لم يفعل ذلك بقوله الزوجة عائشة: لولا أن قومك حديثو عهد بالإسلام لنقضت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم.
فالنظر في اعتبار المال لكل تصرف واجب لجلب مصلحة أو ترك مفسدة والآن في أوروبا ١٥٠ مليون نسمة وهو وجود مقدر وكلما قدمنا الإسلام فهمًا وسلوكًا دخل هؤلاء في دين الله نرسل إليهم بكلمة البلاغ المبين.
ومن مصلحتنا أن تكون هناك قنوات حوار مفتوحة، وواجب علينا أن نفقه الأحكام الشرعية عن دار العهد وأن ندرك أن سلوك المسلم في تلك البلاد ليس خصمًا على نفسه بل على دينه وأمته.
فن الحياة في سبيل الله
وانتقل د. البشير بالحديث عن أفغانستان حيث قال إن إخواننا الأفغان أتقنوا فن الموت في سبيل الله، وقدموا مليونًا ونصف مليون شهيد ولكنهم لم يتقنوا فن الحياة في سبيل الله، وخسروا معركتهم في الصراع على السلطة، وموالاة بعضهم لأعداء الله ضد إخوانهم، وهذا اختلال في فقه الولاء والبراء والموازين الشرعية وختم د. عصام حديثه بالرجوع إلى أحداث سبتمبر قائلًا: ما حدث في أمريكا هو دعوة لنصحح مواقفنا ومفاهيمنا وأفكارنا، ونرتب أولوياتنا قبل أن نوجه اللوم والنقد إلى أحد، فاللوم علينا يجب أن يقع، وهي سنة الله تعالي في التغيير الاجتماعي التي لا تحابي أحدًا.
فمن حفظها حفظته ومن ضيعها ضيعته. ولذا ينبغي أن نتعرف سنن الله في النصر والهزيمة، وفي مداولة الأيام بين الناس. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (آل عمران: 73)
إن مقومات النهوض في الأمة كثيرة، ولكن كيف يكون دور الأئمة والدعاة في إيقاظ
هذه المقومات في نفوس الأمة حسب ترتيب الأولويات والأسبقيات بحيث لا تنشغل بالفروع والنوافل، بينما الأصول والفروض معطلة في حياة الأمة.
غياب المرجعية الشرعية الشعبية
ولابد أيضًا من قيام مرجعية شرعية شعبية في الأمة لأن شباب الاسلام قد فقد الثقة في المرجعيات الرسمية، وإزاء فقدان هذه المرجعيات ظهرت فتاوى الأزمة وأزمة الفتوى، فنحن نحتاج لعلماء الأمة الثقات إلى وجود مرجعية شرعية! التي تحرز رضًا وقبولًا عامًا في الأمة.