; المشروع النووي في باكستان في مفترق طرق | مجلة المجتمع

العنوان المشروع النووي في باكستان في مفترق طرق

الكاتب مركز الدراسات الآسيوية

تاريخ النشر السبت 14-فبراير-2004

مشاهدات 67

نشر في العدد 1588

نشر في الصفحة 28

السبت 14-فبراير-2004

بعد الحملة على العلماء واتهامهم ببيع الخبرة النووية

يمر في هذه الأيام المشروع النووي الباكستاني بمرحلة عصيبة قد تعصف به وتنهيه. هذا ما يراه الخبراء في إسلام آباد، محذرين من أن هناك مخططًا مدروسا لإغراق باكستان وحملها على التخلي عن برنامجها النووي، فالتحقيقات التي تعرض لها العلماء النوويون في باكستان كان قد تعرض لها أمثالهم من النوويين الهنود، لكن الفارق أن ما يحدث في باكستان غطته وما زالت وسائل الإعلام العالمية بينما ما حدث في الهند مر من دون تغطية إعلامية تذكر، وكانت الهند قد اعترفت بأن بعض علمائها النوويين قد يكونون تعاونوا ودعموا المشروع النووي الإيراني.

ويقول الخبراء إن هدف الدعاية ضد المشروع النووي الباكستاني هو شل هذا النشاط وإيقافه بوضع القيادة الباكستانية في حالة هستيرية تصور لهم المستقبل مثل كابوس ينتظرهم إن لم يتخذوا إجراءات عملية ضد كوادر المشروع النووي. 

جذور الحملة 

تعود جذور هذه الحملة المنظمة التي تستهدف القوى النووية الباكستانية إلى مقال كتبه الصحفي والكاتب اليهودي سمور هرش في صحيفة «ذي نيويوكر» الأمريكية في الخامس من نوفمبر عام ٢٠٠١ تحت عنوان «ضرورة فتح تحقيق حول البرنامج النووي الباكستاني ومخاوف من وقوعه في يد الإرهابيين». وكان ذلك بعد إسقاط حركة طالبان من حكم أفغانستان وبداية شن الحملة على ما يعرف بالإرهاب. 

وتناول سيمور هرش بالتفصيل السلاح النووي الباكستاني وأعطى فيه أدلة على تعاون باكستاني ودعم للمشروع النووي لبعض الدول الإسلامية وكان الرئيس الباكستاني قد اتصل بالرئيس الأمريكي بوش وقدم له احتجاجًا على هذه الاتهامات واعتبر بوش أن ما تناوله المقال غير صحيح وقد ذكر الصحفي الأمريكي اليهودي في مقاله أن هناك مخططًا أمريكيًا لضرب المشروع النووي الباكستاني بالتعاون مع "إسرائيل".. وفي مقال آخر له كتبه بعد ذلك في عام ۲۰۰٢ استقى معلوماته من جهاز المخابرات الهندية زعم أن باكستان أعادت بعد أفول نجم طالبان ٥۰۰۰ جندي باكستاني على متن طائرات خاصة من مدينة قندهار الأفغانية إلى باكستان وجلهم خبراء عسكريون وضباط جيش مختصون المدفعية والطائرات والصيانة وغيرها، وزعم مقاله وجود علاقة بين العلماء النوويين الباكستانيين وتنظيم القاعدة، لكن الإدارة الأمريكية لم توله أهمية واعتبرت معلوماته غير صحيحة. 

وفي ٢٧ يناير ۲۰۰۳ عاد سيمور هرش في مقال جديد للقول بأن باكستان قدمت مساعدات نووية إلىٰ كوريا الشمالية وتحدث عن العلاقات النووية بين البلدين، وأضافت الصحيفة أن هناك إرادة أمريكية لتحويل الهند إلى دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن وفرض قانون دولي يمنع امتلاك الأسلحة النووية على غير الدول الدائمة العضوية في هذا المجلس ومن المعروف أن سيمور هرش كان قد ألَّف كتبًا منها: «مجازر في فيتنام 1969»، وآخر بعنوان: «البرنامج النووي "الإسـرائيلي"»، وثالث عن رئيس الدبلوماسية الأمريكية هنري كيسنجر.

 ثم واصل كتاب آخرون الحملة نفسها واستمروا في تحريض الإدارة الأمريكية لكشف الستار عن علاقة البرنامج النووي الباكستاني بإيران وليبيا وغيرها، فقد كتب صحفي أمريكي يهودي أيضًا وهو يوحنا ميكري في مجلة «تايم» الأمريكية في بداية شهر يناير الماضي بعنوان في سوق القنبلة النووية، متهمًا مؤسس المشروع النووي الباكستاني الدكتور عبد القدير خان بأنه قام بسرقة أسرار نووية من أحد المختبرات النووية من هولندا، وأنه قام بنقل الأسرار والتكنولوجيا النووية إلى دول أخرى منها كوريا الشمالية في مقابل حصوله على تكنولوجيا صواريخ بعيدة المدى منها. وإذا كان هذا الاتهام صحيحًا فهو أكبر دليل على براءة عبد القدير فهو لن يحصل على هذه التقنية لنفسه وإنما لبلده وزعم في مقاله أن عبد القدير أرسل رسالة إلى صدام حسين عام ۱۹۹۰ عبر وسيط باكستاني يقيم في دبي بدولة الإمارات يبدي فيها استعداده لمساعدة العراق بالتكنولوجية النووية وتسائل المقال عن علاقة العلماء النوويين بالسلطة في باكستان، وهل تعاونوا معها في نقل التكنولوجيا النووية إلى دول أخرى بموافقة من الي الجهات الرسمية أم بمفردهم؟ وأضاف أن إزاحة الرئيس مشرف لعبد القدير حان من رئاسة معهد كهوتا للأبحاث النووية كانت بعد ضغوط شديدة مارستها أمريكا على مشرف.

 وفي الأسبوع الثاني من الشهر الماضي نشرت صحيفة «تايمز » مقالًا بعنوان: «هل كان التحقيق مع النوويين بسبب دوافع دينية أم مادية؟»، جاء فيه أن أمريكا ترغب من خلال التحقيق مع العلماء النوويين في معرفة علاقة الدكتور عبد القدير خان ووساطته بين باكستان وكوريا الشمالية في عام ١٩٩٤ السنة التي اتفقت فيها أمريكا مع كوريا الشمالية على وقف نشاطها النووي، لكن بعد ٣ سنوات عادت كوريا الشمالية لتنشيط مشروعها النووي عبر تكنولوجيا حصلت عليها من باكستان في مقابل نقل تكنولوجيا صواريخها إلى باكستان وخاصة صواريخ مداها ألف كلم والمعروفة باسم «نودونك».

 وذكرت مقالة أخرى في نهاية العام الماضي في نفس الصحيفة أن عبد القدير خان زار في هذه الفترة ولعدة مرات بيونج يانج عاصمة كوريا الشمالية وأضافت الصحيفة أن إيران قد تكون زبونًا آخر لباكستان، وأنه بعد تفتيش بعثة الطاقة الدولية والمفتشين الدوليين لبعض منشآت إيران النووية كانت بصمات الخبرة النووية الباكستانية واضحة وذكرت الصحيفة نفسها في مقال آخر أن التحقيقات الجارية مع عبد القدیر خان قد کشفت قیامه بزیارات سرية إلى كل من إيران وليبيا وكوريا الشمالية ولا يعرف هل كان عبد القدير على علم بنوايا العلماء المتعاونين معه إن كانوا قد خططوا لصفقات نووية أم لا. وتقول الصحيفة إن عبد القدير كانت له اليد الطولىٰ في المجال النووي الباكستاني حتى عام ٢٠٠١ ويقول موظف يجرى التحقيق معه إن عبد القدير خان كان بإمكانه السفر من دون إذن مسبق من أحد وكان بإمكانه عقد أي صفقة. 

ويتخوف بعض المسؤولين الأمريكيين من احتمال حدوث ردود أفعال قوية من قبل ضباط داخل الجيش يرون أن مشرف قد ذهب بعيدًا في التعاون مع أمريكا، كما أن هذه التحقيقات تثير الجماعات الإسلامية التي دعمت الخبراء النوويين وسيرت المظاهرات للاحتجاج على إهانتهم. 

اللجنة الوطنية للمحافظة على الأسلحة النووية

 كانت السلطات الباكستانية قد اتخذت إجراءات صارمة بعد حوادث ۱۱ سبتمبر وشددت الإجراءات من أجل حماية قوتها وأسلحتها النووية، ولعل أهم هذه الإجراءات توزيع الأسلحة النووية على مناطق متفرقة في البلاد بحيث يصعب الوصول إليها واستهدافها. 

وقد احتاطت باكستان أكثر باستخدامها أجهزة متطورة لحماية منشأتها وأسلحتها النووية تصعب على أي شخص أجنبي الوصول إليها وتخريبها. 

وقد عرضت أمريكا تعاونها مع باكستان لحماية القوىٰ والأسلحة النووية عبر توفير بعض أجهزة الحماية المتطورة لها لكن باکستان رفضت العرض لخشيتها من أن تستغل أمريكا الأمر للتجسس عليها، لكن مسؤولًا أمريكيًا أكد الأسبوع الماضي حصول هذا التعاون وكانت الحكومة الباكستانية قد اتخذت إجراءات عملية نهاية عام ۲۰۰١ وأهمها الإعلان عن إنشاء اللجنة الوطنية للمحافظة على المشروع النووي وتتكون من ٣ أقسام وهي:

 أولًا: لجنة مراقبة التنمية. 

ثانيًا: لجنة مراقبة التوظيف والأعمال. 

ثالثًا: لجنة مراقبة التخطيط.

ويترأس لجنة مراقبة التنمية الرئيس برويز مشرف بنفسه، وأعضاؤها من قادة القوات البحرية والجوية والبرية ووزراء الداخلية والخارجية. 

وأما لجنة مراقبة التوظيف فرئيسها جنرال يعينه الجيش. 

وأما لجنة مراقبة التخطيط فدورها توظيف العلماء والمهندسين النوويين. وقد اعتبرت باكستان أنه من خلال هذه الإجراءات المشددة لا يمكن لأحد أن يصل بسهولة إلى هذه القوى. 

اعتراف عبد القدير: وقد أثار الاعتراف الذي أدلى به رئيس القنبلة النووية الباكستاني الدكتور عبد القدير خان بمسؤوليته عن نقل الأسرار النووية العديد من ردود الأفعال داخل باكستان وخارجها، فقد كشفت الاستخبارات الأمريكية أنها لعبت وزميلتها البريطانية دورًا كبيرًا في النتائج التي توصلت إليها التحقيقات مع خان. 

وذكر رئيس الاستخبارات الأمريكية أنه قد تمكن بالفعل من اختراق جدار الصمت للمشروع النووي الباكستاني واكتشفت عناصره الدور الذي لعبه عبد القدير في نقل التكنولوجيا النووية الباكستانية إلى ليبيا وإيران وأوضح المسؤول الاستخباراتي أن عناصره قدمت هذه المعلومات إلى الجنرال مشرف الذي وجد نفسه مرغمًا لإدانة عبد القدير وحمله علىٰ الاعتراف بالذنب.

 لكن الإدارة الأمريكية وفي محاولة لدعم موقف الرئيس الباكستاني في مواجهة الغضب الشعبي اعتبرت أن اعتراف عبد القدير بنقله التكنولوجيا النووية يعتبر مسألة داخلية بباكستان وستقوم باكستان بنفسها بمعاقبة الضالعين في هذا الأمر.

 ويبدو الدعم الأمريكي المشرف أكثر بروزًا مع بدء عمل الفريق الأمريكي الأمني الذي وصل نهاية العام الماضي إلى باكستان في مهمة توفير الحماية للرئيس الباكستاني دون أن يظهر وهو شرط من شروط موافقة إسلام أباد على مهمته والاكتفاء بإسداء التوجيهات إلىٰ مشرف وذكرت المصادر المطلعة أن الفريق الأمريكي كان قد طالب مشرف بتحويل نشاطاته السياسية والرسمية من مقره في روالبندي، كما نصحه بعدم مصافحة المواطنين سواء بمناسبة الأعياد الدينية أو اللقاءات مع الجمهور، كما طالب بتوفير ٣ سيارات رئاسية جديدة تضم إلى موكبه الرئاسي خلال التنقلات، وقد عرضت أمريكا على مشرف توفير الحماية له بعد فشل محاولتين لقتله في ديسمبر الماضي.

 وقد أعلنت باكستان أن هذه الأزمة لا تعني على الإطلاق تخليها عن المشروع النووي، وأعلن مشرف في هذا الإطار عن قيام بلاده عن تجربة صاروخية جديدة على صاروخ شاهين (2) الذي يصل مداه إلى ۲۰۰۰ كلم ويستطيع حمل رؤوس نووية.

مسلسل استهداف العلماء النوويين في باكستان

التاريخ

الحدث

23 نوفمبر 2003

اعتقال الدكتور فاروق ومهندس نووي آخر بتهمة نقل معلومات نووية إلى إيران وليبيا وكوريا الشمالية.

ديسمبر 2003

اعترفت باكستان بنقل بعض علمائها النوويين التكنولوجيا النووية إلى إيران في إشارٍة إلى دكتور فاروق.

23 ديسمبر 2003

بدء الحملة ضد العاملين في المجال النووي والقبض على ٦ بينهم عالمان نوويان و4 من ضباط أمن معهد كهوتا للأبحاث النووية.

يناير 2004

الحكومة تعترف بأنها تجري تحقيقات مع مؤسس القنبلة النووية الباكستانية الدكتور عبد القدير خان

يناير 2004

عدد المعتقلين من العلماء النوويين بمن فيهم الميجور إسلام الحق يصل إلى ١٣ عالمًا وضابطًا مشتبهًا في علاقتهم بسماسرة السوق النووي السوداء ووساطتهم في صفقات مع ليبيا وإيران وغيرهما.

يناير 2004

الحكومة تعلن عن منع عبد القدير خان وعلماء آخرين من السفر خارج البلاد وتبدأ في التفتيش في أرصدتهم المالية وعلاقاتهم الشخصية وسفرياتهم الخارجية وتعلن إقالة عبد القدير من منصبه كمستشار لمشرف في الشؤون النووية.

يناير 2004

بدء التفتيش ومراقبة الحسابات المالية والعلاقات المختلفة لجميع موظفي معهد كهوتا للأبحاث النووية

31 يناير 2004

إبعاد عبد القدير من منصب مستشار الرئيس للشؤون النووية.

4 فبراير 2004

عبد القدیر خان يعترف بكامل مسؤوليته عن نقل التكنولوجيا النووية إلى ليبيا وإيران وكوريا الشمالية ويطلب في خطاب متلفز الصفح عنه.

5 فبراير 2004

الحكومة تعلن العفو عن عبد القدير خان مع وضعه تحت الإقامة الجبرية لمدة 3 أشهر.

 

 خبير في السياسة الخارجية الباكستانية: المشروع النووي ليس في خطر!

 يقول أكرم زكي السفير الباكستاني السابق في أمريكا والصين ونيجيريا والفلبين والذي عمل في الخارجية الباكستانية نحو (40) سنة: إن المشروع النووي الباكستاني ليس في خطر، إن مسألة كشمير مسألة معقدة ومن أجل حلها يجب التحلي بالجدية والنوايا الطيبة.

 لوحظ في الفترة الماضية تركيز الجنرال مشرف على المشكلة الأمنية في باكستان واعتبارها أكبر أولوياته في الحكم ... فما تعليقكم؟ 

- لا يشك أحد أن الإرهاب قد ازداد في عالمنا اليوم على غير المعتاد، ولا يشك أحد أن اليأس الذي لحق بعامة الناس من جراء فقدان العدل والإنصاف جعل بعض الأشخاص يجدون أنفسهم مجبورين للتضحية بأنفسهم وأنا أرى أن الإرهاب نتيجة طبيعية لفقدان العدل والإنصاف والطريق الأمثل لمنع الإرهاب واللجوء إليه هو الحفاظ على العدل والإنصاف داخل المجتمع بحيث يشعر الجميع بأنهم سواسية ويجب أن تكون العلاقات الدولية مبنية على العدل والتساوي، لكن هذا لا يعني الكف عن محاربة الإرهاب أو وقفه. 

 وما رأيكم في حملة الحكومة ضد العلماء النوويين ألا يضر هذا بمستقبل المشروع النووي الباكستاني؟ 

- إذا كانت باكستان مهتمة بمحاربة الإرهاب والتصدي له فهي متهمة بقيام بعض علمائها النوويين بتقديم معلومات عن النشاط النووي إلى دول أجنبية، وهذا الأمر مخالف لسياسة باكستان ومواقفها وتعهداتها إلى المنظمات الدولية، فقوتنا النووية هي بهدف الدفاع عن أمننا ونحن دولة مسؤولة نلتزم بتعهداتنا والمعاهدات الدولية ونرفض تحويل معلوماتنا وقوتنا النووية إلىٰ أي دولة وأي اتهام وجه إلىٰ باكستان فيجب التحقيق فيه لرفع الاتهام وإثبات أن هذه الاتهامات كانت غير صحيحة، وإذا كان بعض العلماء أو من عملوا في البرنامج النووي قاموا بنقل بعض المعلومات والأسرار التكنولوجية النووية إلىٰ دول وأشخاص أجانب من دون علم الحكومة وموافقتها فيجب أن يحقق معهم وتوقيف مثل هذه النشاطات في المستقبل، أما عن مستقبل العلماء ومن يعملون في البرنامج النووي فمن أراد خدمة الوطن والمجتمع فسيوصل هذه الخدمة ولا تؤثر عليه لأنه يعمل وفق القوانين. 

 هل تتوقعون حل القضية الكشميرية بعد التنازلات الأخيرة من قبل الهند وباكستان؟ 

- يعيش البلدان منذ اكثر من نصف قرن في مواجهات وحروب ونزاعات أثرت على التنمية وتطوير مجتمعاتها، وأدت إلى فشلهم في بناء مجتمعاتهم، وبما أن نصف سكان العالم من الفقراء يعيشون في هذه البقعة من العالم فيبدو أن البلدين قد شعرا بهذه المسؤولية وأصبح هناك إحساس لدىٰ الدولتين فوافقتا على حل هذه النزاعات ووقف المجابهة واللجوء إلىٰ المفاوضات وهذه فكرة طيبة يجب تشجيعها، لكن في رأيي أن مسألة كشمير معقدة وصعبة والبحث عن الحل العادل يتطلب الجدية والنوايا الحسنة، وهذا الطريق الذي تسير عليه الدولتان طريق صحيح لكن الدولتين ستواجهان مشكلات جمة ويجب عليهما لإنجاح هذه المفاوضات الصبر والتحمل والحكمة والفراسة وسيسفر نجاح المفاوضات عن عودة الاستقرار والتنمية إلى هذه البقعة من العالم. 

أما عن التنازلات من الجانب الباكستاني فإن باکستان لم تعلن عن تخليها عن قرارات الأمم المتحدة حول كشمير حل العودة إلىٰ المفاوضات والبحث عن أفكار جديدة لهذه المشكلة والمسألة الجوهرية هنا القضية وفق رغبات الكشميريين والسماح لهم بتقرير مصيرهم. 

 وما رأيكم في استمرار الهند في بناء جدار فاصل بين شطرىّ كشمير؟

- بخصوص هذا الجدار فإنه سبقه جدار برلين الذي بني في عام ١٩٥٨ لوقف دعاة الحرية والاستقلال لكنه دمر في عام ۱۹۸۱ واليوم تقوم «إسرائيل» ببناء جدار مماثل مع الفلسطينيين والهند تقوم بالأمر نفسه لمنع دعاة الحرية في كشمير من تحقيق مطالبهم، وفي رأيي سيكون مصير هذا الجدار مصير جدار برلين وهذا الأمر فصل فيه التاريخ وهو أن دعاة الحرية والاستقلال لا يوقفهم جدار ولا غيره. 

 بصفتك عملت نحو (4) عقود في الخارجية الباكستانية ... ما مرتكزات السياسية الخارجية لباكستان؟ 

- أيُّ دولة في العالم تضع في سياستها الخارجية الاعتبارات التالية: فوائد البلد ومصالحه الحفاظ على هوية البلد وانتمائه وحدوده الجغرافية كما أنها تضع في اعتبارها تنمية المجتمع وترقيته وحماية حقوق المواطنين خارج البلاد يجب إقامة علاقات حسنة وودية مع الدول التي يقيمون فيها وخاصة في جوانب التعليم والتجارة والحصول على التكنولوجيا، وهذه هي مرتكزات السياسة الخارجية في باكستان، وفي هذا الإطار يستطيع رعايانا في الخارج أن يلعبوا دورًا كبيرًا في هذه الدول ومن أجل إنجاح التنمية وتحقيق هذه المرتكزات يجب أن نوفر الأمن على حدودنا وذلك بتحسين علاقاتنا مع هذه الدول.

 

 لماذا هذه المفارقة الغريبة؟

 أبو القنبلة النووية.. رئيٌس في الهند ومتهٌم في باكستان!

 موقف باكستان أثبت أن عدم تقدير العلماء شامل لكل التخصصات.. وإذا كانت هناك مساواة فهيّ المساواة في الظلم وعدم تقدير العلماء.

 

أ.د. علي محيي الدين القره داغي ([1])

صدمت حقًا، بل فزعت حينما سمعت أن مهندس القنبلة النووية في باكستان العلم المتميز عبد القدير خان متهم بتسريب المعلومات النووية الخاصة بتخصيب اليورانيوم الذي يدخل كأهم عنصر في صناعة القنبلة النووية، وأنه قد أقيل من منصبه كمستشار لرئيس الدولة برويز مشرف، وأنه هو وأحد عشر من كبار علماء الذرة في باكستان متهمون تحقق الدولة معهم وأجهزة الدولة، وأدت التحقيقات المعروفة بالقوة والحزم والشدة إلىٰ اعتراف البروفيسور عبد القدير خان بأنه مذنب وهو الذي ضحى بنفسه في سبيل الوصول إلىٰ تحقيق هدف مهم لبلده، وبذل جهودًا خارقة في هولندا وفي أمريكا، ثم في باكستان إلى أن نجح هو ومن معه في الوصول إلى صنع القنبلة النووية بشكل قوي لا يضاهي فقط ما لدى الهند، بل قد يتفوق عليه.

 وقد سمعت منه في إحدى المحاضرات جهوده، بل والحيل التي استعملها للوصول إلىٰ المعلومات المؤثرة ونقل التكنولوجيا المطلوبة من الخارج إلىٰ باكستان.

 ونجحت باكستان في صنع القنبلة النووية وإقامة المنشآت النووية ودخلت نادي الدول النووية وأصبح لديها أخطر سلاح ردع على مستوى العالم، ومنع وجود السلاح النووي الباكستاني، نشوب الحرب الرابعة التي كادت أن تنشب منذ عامين لولا خوف الهند من السلاح النووي الباكستاني، إذ في الحرب النووية بينهما هلاك للدولتين، وبذلك حقق هذا السلاح النووي التوازن الحقيقي بين الدولتين مما اضطر الهند للجلوس مع باكستان إلى طاولة المفاوضات.

 كل ذلك وغيره تحقق بفضل الله ثم بجهود عبد القدير خان وفريقه النووي ومع ذلك يجازى الرجل بهذا الشكل في دولته فيتهم ويحقق معه ويهان ويضطر لطلب الرحمة والمغفرة من رئيس الدولة وكنت شخصيًا أتوقع إقامة حفل عالمي لتكريمه، وتسمية بعض الجامعات والمدن باسمه ومنحه جائزة مثل جائزة نوبل التي حرم منها بسبب كونه عالمًا إسلاميًا ، وترتيب حراسة مشددة له، وتهيئة فرص لمستقبله ومستقبل أولاده.

 في حين أن البروفيسور زين الدين أبو الكلام - العالم النووي الهندي المسلم يختاره حزب هندوسي معروف بتوجهاته ليكون رئيسًا للدولة تقديرًا لجهوده وتكريمًا له، وهذا المنصب وإن كان منصبًا دستوريًا ليست له صلاحيات كبيرة، لكنه لا شكّ يعتبر أعظم تكريم لرجل لم يشتغل بالسياسة وإنما لأجل ما قدمه من العلم النووي للهند، ولوصوله إلىٰ صناعة القنبلة النووية الهندية.

 وأمام الخبرين المتناقضين المتعارضين خيم على الأجواء الإسلامية استغراب عجيب وتساؤلات تستحق الوقوف أمامها لماذا يقابل العلماء في باكستان بما ذكرناه وفي الهند بما سردناه هل لأن باكستان دولة إسلامية والهند ودولة غير إسلامية ما وراء هذين الموقفين وما دلالاتهما وما نتائجهما على مستوى الأجيال الحالية واللاحقة؟ 

وقبل الإجابة عن هذه الأسئلة أود أن أوضح الكثيرون - كنت أظن شيئًا وهو أنني - وربما معي أن معظم الدول الإسلامية والعربية لا تحترم العلماء في مجال الفقه والأدب والاجتماع وغيره من العلوم الإنسانية ولكنها تحترم العلماء في مجال تخصصات الطبيعة والفيزياء والكيمياء والذرة ونحوها، ولكن موقف باكستان الحالي قضى على هذا الزعم، وأوضح بأن عدم تقدير العلماء شامل وإذا كانت هناك مساواة فهي المساواة في الظلم، وهضم الحقوق، وعدم تقدير العلماء.

 ثم تذكرت مواقف كثيرة لعلماٍء عرب ومسلمين أجلاء عادوا إلىٰ بلادهم فلم تهيئ لهم ما يليق بمكانتهم العلمية، فتركوها، وسافروا إلىٰ الخارج فأصبحوا أعلامًا ونجومًا.

 وهناك ملاحظة أخرى قبل الإجابة وهي أن الدول المتنافسة الطامعة في العالم الإسلامي وفي خيراته وثرواته من الطبيعي أن يكون لها دور كبير في هذا الموضوع، فهي لا تريد للعالم الإسلامي النهوض والتقدم وهي تعلم علم اليقين أنهما لن يتحققا إلا بالعلماء ورعايتهم، ومع ذلك فأنا ممن يجعلون الاستعمار شماعة يعلقون عليها مشكلاتهم للتنفيس والارتياح بدل العمل والمواجهة، وإنما أنا من أنصار إلقاء كل المسؤوليات علىٰ أنفسنا نحن المسلمين تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿أَوَ لَمَّآ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَيۡهَا قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِير﴾ (آل عمران: 165).

وأعود إلى الإجابة عن التساؤلات التي أثيرت وأقول إن الإسلام لا يمكن أن يكون سبب الموقف الباكستاني من علماء الذرة الذين تعرضوا للتجريح والإهانة وذلك لثلاثة أسباب: 

أولها وأهمها أنه لا يوجد دين ولا نظام على وجه الأرض يعطي الأهمية للعلم والعلماء مثل الإسلام ويكفي أن أول آية وأول سورة أنزلت تأمر بالقراءة المطلقة للكتاب والكون، وأسرار الحياة وتبين أهمية العلم ومصادره: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)﴾ (العلق: 1-5).

كما بيَّن أنه لا يستوي العالم والجاهل فقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر: 9). وأما الأحاديث النبوية فلا تعد ولا تحصى في فضل العلم بمختلف صنوفه وأنواعه وفضل العلماء، ووجوب إكرامهم وأن إعزازهم من إعزاز الله ...

 ثانيها: أن الرئيس الباكستاني الحالي لا يدعي أنه يطبق الإسلام، بل أعلن بعد انقلابه العسكري على حكومة نواز شريف أن قدوته مصطفى کمال.

 ثالثها: أن الأحزاب الإسلامية - وعلى رأسها الجماعة الإسلامية بزعامة القاضي حسين رفضت مطلقًا اتهام هؤلاء العلماء الأبطال وإذلالهم، ودعت إلى القيام بمظاهرات ضخمة ولولا عفو الرئيس مشرف عن الدكتور عبد القدير خان لكانت المظاهرات أكثر تأثيرًا.

 أما السبب في أن الهند قامت بتكريم أبي الكلام العالم النووي وتعيينه رئيسًا للبلاد، فيعود إلى النظام السياسي السائد الذي يجعل الزعماء يبحثون عن إرضاء الشعب.

 وليس هذا من باب المدح للهند وإنما المدح للنظام الذي يعطي الشعب القدرة على أن يحاسب الحاكم ويوقفه عند تجاوزه، وبالتالي يسعى الحاكم لإرضاء الشعب كما قال سلفنا الصالح أن يكون خادمًا للشعب لا أن يكون الشعب بكل طاقاته وأمواله خادمًا له. 

وقد صور القرآن الكريم موقف الإنسان أو الشعب الذي يكون مكبلًا بأغلال الاستبداد والعبودية، حيث لا يستطيع أن يتجه الاتجاه الصحيح، ويكون عبئًا، كما صور الإنسان الحر الذي تدفعه حريته وإرادته إلى اختيار الأفضل ويكون قادرًا على الإبداع حيث ضرب القرآن الكريم المثل في هذين المجالين مجال الاستبداد والعبودية، ومجال الحرية، فقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (النحل: 76).

إن معظم الشعوب الإسلامية أصبحت بسبب الظلم والاستبداد مثل الأبكم الذي لا يقدر على الكلام خوفًا من عواقبه ويخاف أن يفكر في شيء قد لا يتفق مع النظام الحاكم وبالتالي يحاكم فيسحق، وقد لا يحاكم فيعدم، فمثل هذا عبئًا لأنه غير قادر على الإبداع وعلى المساءلة والمحاسبة.

 أما نتائج مثل هذه التصرفات في عدم تكريم العلماء أو اتهامهم والحكم عليهم فستكون خطيرة على المستقبل القريب والبعيد، فهيّ واد للعلم في مهده، وقتل للإبداع قبل ظهوره، وذبح مستقبل العلم في العالم الإسلامي وتخبط لا يعرف مداه إلا الله تعالىٰ.

الرابط المختصر :