العنوان هل حقق التجديد الإسلامي أغراضه؟ (١ من ٣)
الكاتب راشد الغنوشي
تاريخ النشر السبت 16-أكتوبر-2010
مشاهدات 70
نشر في العدد 1923
نشر في الصفحة 66
السبت 16-أكتوبر-2010
لا يكاد يخلو عصر من فقهاء مجتهدين مجددين.. فذلك شرط أساسي لبقاء هذا الدين وتفاعله المستمر مع اختلاف الزمان والمكان
يُعد مفهوم التجديد من المفاهيم الإسلامية الأساسية التي أكدها الرسول ﷺ في الحديث المعروف «يبعث الله على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها» (أبو داود )، الذي يحمل بشارة نبوية باستمرار هذه الأمة وعمل الإسلام فيها عن طريق استمرار حركة تجديدية يمكن بها للدين الثابت أن يستوعب حركية الحياة المتجددة بما يستنبطه لمشكلاتها من حلول تصطبغ بصبغة الوحي وإن لم تكن منه، ويوقع بها الأئمة الأعلام عن رب العالمين.
فما حظ الفكر الإسلامي والحركة الإسلامية من التجديد الموعود المعوّل عليه في البقاء والنماء والتفوق؟
لم يكد يخلو عصر من فقهاء مجتهدين مجددين، فذلك شرط أساسي لبقاء هذا الدين من طريق تفاعله المستمر مع اختلاف الزمان والمكان، غير أن هؤلاء المجدّدين يتكثفون في عصور الازدهار ويقلون في عصور الانحدار.
وبهذا المقياس، لا غرو في اعتبار أن الإسلام يعيش منذ قرنين إرهاصات نهوض وتطوّر، وقد أخذ طوق التقليد الذي ران لعصور طويلة ترتخي قبضته حول رقبة الأمة، وينفسح المجال للاجتهاد والتجديد..
فكان في شبه الجزيرة العربية «الشوكاني» و«ابن عبد الوهاب»، وفي شبه القارة الهندية «شاه ولي الله الدهلوي».. دعوات تجديدية تنطلق من رحم الأمة بمنأى من كل تأثير أجنبي.
وفي القرن الموالي التاسع عشر؛ حيث كانت الهجمة الغربية على الإسلام ديناً وحضارة وأرضاً، اندلعت في أرجاء عالم الإسلام ثورات جمع زعماؤها بين مهمتي التجديد الديني والدعوة إلى الجهاد، فكانت حركة «أحمد الشهيد» في الهند، وحركة الإمام «منصور شامل » في آسيا الوسطى، وحركة «ابن فوديو» في غرب أفريقيا، وحركة «المهدي» في السودان ، وحركة «الأمير عبد القادر في الجزائر، وحركة «مصطفى كامل» في مصر.. كلها تصدّت للغارة الغربية على عالم الإسلام.
غير أن هذه الحركات لم تفلح في رد الاكتساح الغربي المتفوق في أدواته بفعل ما أنجز من تطوّر حضاري علمي وتقني، بما حتّم تعميق مشروع الإصلاح والتجديد، فكانت «حركة الجامعة الإسلامية» بقيادة السيد «جمال الدين الأفغاني» وتلميذه «محمد عبده» و«رشيد رضا».. وهي الحركة الفكرية والسياسية التجديدية التي لم تكتف بجانب واحد من جوانب التجديد كالتجديد العقدي أو الدعوة إلى الجهاد، وإنما دعت إلى نهوض شامل يستمد أصوله من مبادئ الإسلام ومن مقاصده، متفاعلا مع ما استجد من علوم العصر وخبراته في كل المجالات مما يتساوق مع الإسلام ويخدمه، رافضاً ما عداه.
وبالتوازي مع هذه الحركة التجديدية المنبثقة من المجتمع الأهلي، نشأت في حاضرة الخلافة وحواضر إسلامية أخرى -مثل مصر وتونس- مشاريعُ للاجتهاد والتجديد على أساس إسلامي؛ «يقتبس» من حضارة الغرب ما يتساوق مع مقاصد الإسلام في العدل والحرية تحديثاً للإدارة والتعليم والجيوش والاقتصاد.
ولم تجد تلك المحاولات التجديدية في وقف الزحف الغربي على عالم الإسلام، فقد كانت موازين القوة شديدة الاختلال لصالح العدو، وظل أثر التجديد فوقياً نخبوياً لم ينزل إلى العمق الشعبي.
غير أن حركة الجامعة الإسلامية مهدت لولادة الحركة الإسلامية المعاصرة في الثلث الأول من القرن العشرين على يد الإمام الشهيد «حسن البنا» تلميذ الشيخ «رشيد رضا»، وامتدت فروعها ونظائرها في أرجاء عالم الإسلام وأقلياته، وذلك بعدما أسفر الكيد الغربي عن إسقاط آخر مظلة سياسية جمعت المسلمين (الخلافة العثمانية)، بما عناه ذلك من أن رسالة التجديد والإصلاح في الأمة لم يعد كافياً للنهوض بمتطلباتها عمل فردي كما كان يحصل عبر تاريخ الإسلام..
فكان لزاماً تعميق وتوسيع مشروع التجديد والنزول به إلى أوسع قطاعات الجماهير، ومنازلة الاحتلال على كل صعيد باعتباره غزوا شاملاً لم يكتف بالسيطرة على الجغرافيا، بل يعمل حثيثاً على اختراق العقول والثقافة استبعاداً للإسلام وتهميشه، فكان تأكيد الجيل الجديد للمصلحين أن الإسلام دين ودولة ومجتمع وحضارة، وأن النهوض به يقتضي عملا شاملا تتضافر عليه كل فئات الأمة، وينال فيه العمل الفكري التجديدي حظه إلى جانب العمل الجماهيري.
على صعيد التعامل مع التراث، واصل هذا التيار الدعوة إلى التحرّر من التعصب المذهبي، مؤكداً الإسلام الجامع، ومستفيداً من التراث الإسلامي على اختلاف مذاهبه دون التقيد بواحد منها، ومن علوم العصر وتجاربه الحضارية في تواضع غير مستخذ.