العنوان حرب على العنف أم صراع حضارات
الكاتب شيروان الشميراني
تاريخ النشر السبت 26-يناير-2002
مشاهدات 70
نشر في العدد 1486
نشر في الصفحة 36
السبت 26-يناير-2002
ثمة مقدمات تمهيدية قبل الدخول في موضوعنا:
1-إن استعمال مفردة الإرهاب في وصف ما يحدث من أعمال مروعة وصف غير مناسب في مقابلة مفردة – Terror .ism الإرهاب مفهوم لم يتفق على تعريفه بعد ولم تحدد ماهيته، وقد تضيع معه حقوق الدفاع عن النفس والهوية وقد أصبح الغرب يستعمل اللفظ لوصف كل من يعارضهم ولا يوافق على سياساتهم.
المصطلح الأدق هو العنف، فهو مفردة واضحة المعالم مفهومة لدى الجميع كما أنها مطابقة لواقع الحال.
يرجع البعض استخدام لفظة terrorism في الثقافة الغربية إلى نوع الحكم الذي لجأت إليه الثورة الفرنسية إبان الجمهورية اليعقوبية في عامي ۱۷۹۳ – 1774م ضد تحالف الملكيين والبورجوازيين المناهضين للثورة، وقد نتج من إرهاب تلك المرحلة اعتقال ۳۰۰ ألف مشتبه به وإعدام ۱۷ ألفًا بالإضافة إلى موت الآلاف في السجون بلا محاكمة.
هذا الجذر التاريخي للمفهوم يدل على أن مفردة الإرهاب ليست مطابقة له، أما العنف كممارسة غير متحضرة وتصرفات خارجة عن القيم الإنسانية، فهو أكثر تطابقًا مع المعنى وخلفيته الثقافية.
2-طغى الحديث عن الجوانب الاقتصادية والإعلامية والقيمية والتقنية للعولمة دون جوانبها السياسية والعسكرية، مما قدم عنها صورة غير متكاملة، وهذا يتطلب كما يقول منير شفيق في بحثه (ثالوث العولمة القاهر) إلقاء الضوء على هذين الجانبين الغامضين السياسي والعسكري.
فالتجبر والاستخفاف بالآخرين سببه رجحان كفة ميزان القوى لصالح أحد الأطراف، مما يجعله يصر على المضي في تطوير آلته العسكرية حتى لو أدَّى ذلك إلى نقض اتفاقيات أبرمت مع دول أخرى.
3-قولنا بصراع الحضارات لا يأتي من تبني نظرية هانتنجتون، التي نرفضها فكرًا وممارسة فكرًا؛ لأننا في تعاملنا مع أصحاب الحضارات الأخرى لا تكون حركتنا من منطلق (الصراع) بل (التدافع) وبين الحالين فروق كبيرة وممارسة لأن الصراع أسلحته دموية تفتك بالآخر، وتتجاهل القيم الإنسانية والأبعاد الأخلاقية للقوة وطرق استعمالها، أما التدافع فيبقى على الآخر ولا يلغيه، وأسلحته سلمية عبر الحوار والتبليغ والحجج المنطقية. استعمالنا إذن مصطلح صراع الحضارات يأتي من منطلقين:
الأول: أن هنتنجتون لم يكن صاحب رؤية سوداء المستقبل العالم، وإنما أظهر حقيقة نوايا الغرب وأصول حركته تجاه الآخرين، فهو لم يفعل إلا إظهار الخريطة الفكرية الاستراتيجية الموسومة في عمق نفس وعقل القادة الغربيين إلا أن أكثر ما ركز عليه في دراسته هو أن الحضارتين الإسلامية والكونفوشيوسية هما المرشحتان للحد من هيمنة الحضارة الغربية والوقوف في وجهها، لكن المفكر الإسلامي د. محسن عبد الحميد يرى أن الطابع المادي للديانات الشرقية وتمثيل رموزها بالحياة الحيوانية سيؤديان إلى سرعة تحول هذه الحضارات نحو رؤى المادية الغربية، على نحو ما حدث في اليابان التي سقطت في الفلسفة الليبرالية متمردة على خلفيته الكونفوشيوسية. ونحن نرى اليوم مصداق هذا الكلام، إذ دخلت الحكومة الصينية في علاقات مصلحة مع الليبرالية الغربية، ولم تبق إلا الحضارة الإسلامية في الواجهة.
المنطلق الثاني: إن الغرب لم يتخلص إلى الآن من كراهية المسلمين بالرغم من ادعائه الانفتاح على الآخرين إن جل الشعارات التي يرفعونها في الغرب من مثل (حقوق الإنسان والديمقراطية ومكافحة الإرهاب) هي ذرائع تخفي الوجه الحقيقي للمعركة، صحيح أن الخلفية البراجماتية للسياسة الغربية حاضرة على الدوام، إلا أن العامل الحضاري غير غائب إن لم يكن هو الغالب في أكثر المناوشات بين أمم الغرب والأمم الأخرى، وهذا ما نريد الوصول إليه هنا.
4-نؤكد رفضنا اللجوء إلى أساليب من مثل التفجيرات والاغتيالات واختطاف الطائرات أو الأشخاص وقتل السياح الى آخر هذه الوسائل، وقد أنكر علماء وقادة الحركات الإسلامية تفجيرات سبتمبر بوضوح، فالمنهج الإستراتيجي في التغير لدى التيار الغالب للحركة الإسلامية هو العمل المدني السياسي.
بعد المقدمات الأربع ندخل في الموضوع ونقول: إن الأحداث التي ضربت أمريكا أبطلت نظرية «الأمن للأمريكي مقابل الرعب للآخرين»، وبعد التفجيرات أعلنت أمريكا عن بناء تحالف دولي لمحاربة الإرهاب لكنها تجنبت تحديد إطار فكري متفق عليه للإرهاب يعتمد كمرجعية، ثم بدأت الحملة على أفغانستان كمرحلة أولى ولا أحد يعلم أين ستكون المحطة التالية.
شهادة التاريخ
إن قارئ التاريخ يلحظ أن الغرب ومنذ الحروب الصليبية كان يدعي وحشية الشعوب المسلمة، وأنهم يأتون إليهم بالمدنية، يبغون إخراج أهلها من حياة الوحوش، مع أن المنصرين كانوا في مقدمة الجيش وجنود الصف الأول في المعركة، ولهذا ما إن كانت تثبت أقدام المحتل في أرض إسلامية حتى يبدأ بتنحية الإسلام وشريعته ويضع محلهاالقوانين الوضعية.
اليوم تبدلت الشعارات بأخرى حديثة من قبيل العولمة التي هي الصورة الراهنة للاستعمار الغربي.
نشك أن هناك صدقًا في نية الحرب على العنف الدولي، فما يجري يعكس الاتجاه الدموي في سياسات الغرب الخارجية، ويثبت أن الصراع هو المتحكم في العقل الفلسفي الغربي، ويظهر تصديق الغربيين لنظرية فوكوياما عن نهاية التاريخ، لكن بقراءة أخرى وهي: أن عجلة الحياة النوعية قد وصلت إلى نهايتها في طبعتها الغربية ولا يسع الآخرين إلا التأقلم معها، وإن لم يفعلوا فسيجدون أنفسهم خارج التاريخ.
الأدلة التي تثبت أن هذه الحرب هي صراع مع الحضارة الإسلامية كثيرة، نكتفي بذكر خمسة منها:
1-أن العنف ليس له هوية، ومن ثَم فهو ليس حكرًا على المسلمين أو جماعات من المسلمين، مع إقرارنا بوجود ذلك، إنه ظاهرة عالمية لا تعرف دينًا بعينه ولا أمة معينة. إن جماعات العنف خارج الدائرة الإسلامية أكثر عددًا وأشرس ممارسة من داخلها، ومع ذلك فإن الإعلام الدولي لا يأتي لهم بذكر، هناك (٣٥٨) منظمة كبيرة الحجم في العالم تمارس العنف وتروع الآمنين من مثل الجيش الأحمر الياباني، والجمهوري الأيرلندي والألوية الحمراء الإيطالية وغيرها، وفي داخل أمريكا توجد جماعات تتربى على فكر العنف وتنظر له وتمارسه على أرض الواقع دون خفاء، فهناك الجماعات والمليشيات العسكرية لليمين المتطرف التي تشعر بفخر وطني شاذ أو تدعي أن لديها تفويضًا إلهيًّا من مثل جماعة كوكلوكس كلان – أمة أريان – حليقي الرؤوس – النازيون الجدد، المراقب الوطني، هذه التجمعات قال عنها توماس جدومكه الخبير في شؤون اليمين الأمريكي المتطرف إنها جماعات معروفة بالتعصب والأيدولوجية المتطرفة وهي متغلغلة في الجيش الأمريكي، مؤكدًا أن منظمة مثل عنصر أريان الأبيض المعروفة اختصارًا باسم (war) أي (الحرب تعتبر عدو أمريكا صديقًا، وقد عرض أليكس كورتس مؤسس جماعة المراقب الوطني برنامجه على الإنترنت ليثبت أنه قادر على إنتاج أسلحة بيولوجية، ومنذ عامين قبض على أحد أعضاء جماعة أمة آريان وهو ينقل فيروسات الجمرة الخبيثة في سيارته.
نهاية العالم: ويوجد تيار مسيحي متطرف يؤمن بنهاية العالم في معركة (هرمجدون) الفاصلة بين الخير والشر، والقضاء على الأشرار المسلمين في زعمهم.
وهناك جماعات يعتقد بعضها بامتلاكه سلطة إلهية تخوله القيام بممارسات معينة أيًّا كانت وجماعات عنصرية ذات أيدولوجيات مغلقة تحاول التعجيل بنهاية العالم، وهناك من ينظر إلى الآخر على أنه محض شر ولا يوجد فيه بذرة من خير مما أدى الى وقوع عشرات الهجمات المسلحة ومع ذلك لم نسمع عن قرار اتخذ لمكافحة هذه الجماعات أو تكوين تحالف دولي لمحاربة هذه الشبكات.
2-يستنتج المراقب من التعليقات التي يكتبها بعض المثقفين في الغرب أن الحرب تذهب إلى ما وراء العنف الموجود على الأرض، متجاوزة الهيكل التنظيمي للجماعات إلى الخلفية العقدية، وهذه الخلفية هي بالتحديد الإسلام. نحن نرى ضرورة معالجة ثقافة العنف وفكره بثقافة اللا عنف وفكرِهِ عن طريق الحوار، لكن الملاحظ أن القائمين على مكافحة العنف في الغرب يتجاوزون ذلك، ويتحرشون بأسس الإسلام وثوابته الحضارية، وكأن المعركة مع الوحي الإلهي أكثر من كونها على العنف.
لقد علق الرئيس جورج بوش على تفجيرات ۹/۱۱ بأنها حرب على الحضارة والتمدن والعالم الحر ، لكن الكاتب الأمريكي توماس فریدمان كان أكثر وضوحًا بإشارته إلى أن اليد الأمريكية لابد أن تطال حتى المساجد، يقول في مقاله المنشور في نيويورك تايمز بتاريخ ۲۷ / ۱۱/۲۰۰۱م إذا كان تاريخ ٩/١١ في الحقيقة بداية الحرب العالمية الثالثة فعلينا أن نفهم أن ما تقصده هذه الحرب هو أن علينا ألا نكافح لاستئصال الإرهاب أداة فقط... نحن نحارب الهزيمة الأيدولوجيا، فحكم الحزب الديني لا يمكن أن يقاتل بالجيوش وحدها، بل يجب أن يقاتل في المدارس والمساجد والكنائس ولا يمكن أن يهزم بدون مساعدة الأئمة والأحبار والكهنة وتصديقًا لهذه الرؤية فقد نقلت نيويورك تايمز بتاريخ 1/۱۲/۲۰۰۱م عن مسؤولين في الحكومة قوله : إن إدارة الرئيس بوش ترغب في منح المباحث الفيدرالية سلطات تمكنها من مراقبة الأشخاص في المساجد الذين يتجمعون من غير سبب.
3-إذا كان الغرب يجاهر بعدائه الشديد لكل جماعة أو دولة تتخذ من العنف منهجًا، لكان عليهم بالمقابل المجاهرة بالتعاون مع الجماعات والحركات الإسلامية التي تشاطره نبذ العنف ورفضها له، لكن الذي يحدث عكس ذلك، فهم يعادون الحركات المتزنة معاداتهم للمتطرفة، ما ظلت حاملة للفكرة الإسلامية رافعة راية المشروع الحضاري الإسلامي، مما يرسخ القناعة بأنهم ضد الإسلام وحضارته ومشروعه المتكامل، لكن تحت لافتات غير فاضحة وبأساليب ملتوية.
حرب تكسير العظام
وقد دفع هذا البعض لأن يسمي ما يجري بـ حرب تكسير العظام بين (أمريكا والحركات الإسلامية)، الجميع يعلم موقف حركة الإخوان المسلمين من العنف وهي قد أعلنت في بيانات رسمية ومن خلال تصريحات على لسان قادتها إدانتها للعنف، لكن ومع وضوح المواقف وصراحة التصريحات فإن المؤشرات تدل على أن اليد الأمريكية تحاول أن تنال منهم فقد ذكرت صحيفة الأسبوع المصرية في شهر ديسمبر الماضي أن اللجنة الأمريكية اليهودية والرابطة اليهودية العالمية طلبنا من الإدارة الأمريكية الضغط على مصر لتسليمها قادة جماعة الإخوان المسلمين من أجل محاكمتهم في الولايات المتحدة واصفة إياهم بأنهم قوى الإرهاب الحقيقية في الشرق الأوسط وأن القضاء على الإرهاب يتطلب البدء فعليًا في تصفية عناصر هذا التنظيم حسب زعمهم الكاذب.
ومن جانب آخر فقد بدأت الولايات المتحدة حربًا فعلية على مؤسسات إسلامية وأدرجت البعض منها ضمن لائحة الإرهاب دون دليل أو حكم قضائي، كبنك التقوى وبنك البركات الصومالي، وجرى استجواب مديري العديد من المنظمات الإغاثية والتضييق عليهم فالغرب إذن يحارب التوجهات الإسلامية، وقد لاحظ فرانسوا بورجا –الباحث الفرنسي– الأساليب الغربية في معالجة العنف فقال: إنني أوقن بأن الاستجابة الفعالة للرد على التهديدات الإرهابية لا يعقل أن تمر عن طريق إحكام الرقابة على شبكة الانترنت أو تشويه صورة الاتحادات الخيرية الإسلامية بلا تمييز أو دعم الإجراءات الأمنية من كل نوع بقدر ما تكون عبر الحد من الهيمنة المتغطرسة التي يمارسها معسكر أو جيل سياسي هنا أو هناك على الآخر.
4-إن مما يعد دليلًا صارخًا على أن هذه الحرب هي صراع ضد الاسلام وحضارته أنهم يسكتون ولا يتحدثون عن العقائد الأخرى حال قيام أحد أو بعض أتباعها بأعمال عنف تستهدف الأبرياء والآمنين لقد تعرض المسلمون في الولايات المتحدة لضغوط ومضايقات بعد حادث التفجير في أو كلاهما، لكن بعد ظهور الفاعل الحقيقي وأنه مسيحي منتم إلى إحدى الجماعات المتطرفة صمت الجميع فهم يجرمون الإسلام عقب كل حادث ويمسحون بأيد حانية على متطرفيهم.
5-هذه الحرب المركزة على المدارس الدينية الإسلامية، بحجة أنها تخرج أجيالًا من المتطرفين وأنها تغذي الإرهاب، وقد ذكرت صحيفة القدس العربي أن الرئيس الباكستاني قبض ۱۰۰ مليون دولار من الولايات المتحدة لإنشاء بنك معلومات عن المدارس الدينية في باكستان، كما أن دولًا أخرى ستتبع باكستان في ذلك وربما يصل الأمر إلى أن تكتب خطبة الجمعة في أمريكا... هذا في وقت توجد فيه مدارس يهودية تعلم الصغار الحقد وكراهية الآخر، كل آخر مسلمين وغير مسلمين وعدد طلاب المدارس الدينية في فلسطين المحتلة وحدها ٣٥٠ ألف طالب صهيوني، والمتخرج معفى من أداء الخدمة العسكرية وله من المميزات الكثير ولهم أحزاب سياسية تمثلهم في البرلمان.
ومن العبارات التلمودية التي يتعلمها هؤلاء التلاميذ عبارة: «لحم الأميين لحم حمير ونطفهم نطف حيوان غير ناطقة»، لكنهم يغضون الطرف عن ذلك.. ينتقون ويكيلون بمكيالين.
لقد كان الكاتب الأمريكي اللاتيني إدواردو جالينو محقًا في قوله: فتشوا عن كيسنجر عندما تفتشون عن «الإرهاب»، وما قدمناه يثبت أن الحرب صراع بين الحضارات قبل كونها حربًا ضد العنف الدولي..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل