العنوان القضية الفلسطينية (1423)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أكتوبر-2000
مشاهدات 54
نشر في العدد 1423
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 24-أكتوبر-2000
صيد الحجارة.. من وحيّ متابعة أخبار الانتفاضة المباركة
د.حمزة زوبع
1- سقطات مجلة تايم الأمريكية
كنت أبحث في أرشيف الصور الخاص بمجلة تايم عن موضوع الانتفاضة فوجدت أن المجلة التي تملك نخبة من أفضل المصورين في العالم لم تتمكن من نشر صور الطفل محمد الدرة وهو يتلقى رصاصات المحتل وبدلًا من ذلك ضم الأرشيف صورًا لباراك وعليه علامات الغضب في جولته شمالي فلسطين المحتلة، وبعض الصور لمتظاهرين فلسطينيين يرمون اليهود بالحجارة وصورة واحدة فقط للطفل محمد الدرة وهو يحتمي بصدر أبيه دون نشر بقية الصور الخاصة به التي نشرتها وكالات الأنباء كافة لكن يبدو أن التايم لا تملك ثمن شراء الصورة!
في المقابل احتوى الأرشيف صورًا للجنود الصهاينة، وقدْ سقط بعضهم جرحى أو وهم يتحصنون بسياراتهم المدرعة من هجمات الفلسطينيين!!! وهكذا أسهمت تايم في زيادة جرعة العداء الأمريكي للعرب والفلسطينيين وأسهمت من خلال استطلاع للآراء عبر موقعها على الإنترنت في تأكيد تعاطف الأمريكيين مع اليهود..
2- الكليشيه الموحد
بعد مقتل اثنين من رجال المخابرات اليهودية على يد المتظاهرين في رام الله يوم ١٢ أكتوبر خرجت وسائل الإعلام الغربية بلا استثناء بتعبير واحد وهو: Lynching of Israeli Soldiers «مقتل جنود إسرائيليين دون محاكمة» جاء ذلك في تقارير الــ: «سى . إن. إن» والــ «بي. بي. سي» والتايم، وكريستيان ساینس مونيتور وحتى تقرير لمركز دراسات ستراتفورد الأمريكي، وعلى ما يبدو فقد نسيت هذه الوسائل جميعًا قتل أكثر من مائة فلسطيني دون محاكمة وتشويه جثة أحدهم واستخدمت تلك الوسائل تعبير «أن الجنديين كانا قد ضلا الطريق وذهبا بالخطأ إلى رام الله». وكأن الجنديين كانا يتنزهان في الأراضي المحتلة ويستمتعان بإطلاق النار أو يتلذذان بمشاهدة المدرعات اليهودية وهي تقتل الفلسطينيين.
3- كريستيان أمانبور كبيرة المراسلين في الــ «سي. إن. إن»
في تقرير لها بثته المحطة، قامت كريستيان وهي من أصل إيراني ومتزوجة من المتحدث السابق باسم وزارة الخارجية الأمريكية «جيمسروبن» بالدخول إلى موقع لليهود عند نقطة معبر نتساريم وقالت في ألم «أقوم بالتصوير من داخل هذا الموقع والفلسطينيون يقذفون بالحجارة والمولوتوف ويطلقون النار من مسدساتهم والرشاشات» هكذا يبدو الأمر لكريستيان، التي لم تكتف بذلك بل راحت تسأل جنرالًا يهوديًا عن إطلاق النار الحي على الفلسطينيين فأجاب «لا.. نحن نطلق الرصاص لإبعادهم فإن لم يستجيبوا أطلقنا النار عليهم».
والشيء نفسه هو ما حاولت جريدة كریستیان ساینس مونیتور الأمريكية إثباته في مقال بعنوان: «وجهة نظر الأم والقناص» حاولت فيه تبرئة ساحة اليهود فجاءت بجنرال آخر ليقول العبارة نفسها.
4- الموت بالأجرة
وهذا أسوأ ما قرأتُ في حياتي، إنه مقال نشر في موقع الــ «بي. بي. سي» يوم ١٦ أكتوبر بعنوان «الأطفال أصبحوا رمزًا للصراع» حاولت فيه كاتبته إثبات أن السُلطة الفلسطينية تقوم بدفع مبالغ لأسر الأطفال حتى يستشهدوا «أو يموتوا كما تقول» وتقول في تقريرها «إن السُلطة تدفع حوالي ۱۲۰۰ جنيه إسترليني لأسرة كل شهيد وهذا هو سِرُّ حماسة الأطفال نحو الاستشهاد»، هكذا ببساطة ثمن الشهادة دراهم معدودة، ولتأكيد القصة ولإثبات أن السُلطة تدفع أموالًا وتسيء استخدام الأطفال تستضيف الكاتبة أحد القادة العسكريين في الخليل ليؤكد لها «إن عملية دفع الأموال مقابل الشهادة هي جزء من تأجيج الصراع» ويضيف «سلوك خطير أن تدفع أموالًا لشخص ما لكي يستشهد»، ونسي كلاهما أن الشهيد لا يحتاج أموال الدنيا ولا متاعها بعد موته، ويكفيهم «أن أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة كيف تشاء».
5- صوت أمريكا وحزب الله
في إذاعة صوت أمريكا الإنجليزية جاء في النشرة «قام حزب الله باختطاف أحد الإسرائيليين في عملية عسكرية على الحدود الإسرائيلية اللبنانية» وبالطبع نسي معدو النشرة أن يذكروا أنه عقيد وأنه لم يختطف من على الحدود كما قالت النشرة، ربما مجرد سهو!
القدس في الإدراك الصهيوني
قضية القدس مهمَّة.. لكنْ لا ينبغي أن تشغلنا عن قضية لا تقل أهمية كحق العودة وحق تحرير بقية فلسطين
تفريغ فلسطين من المستوطنين الصهاينة هو الطريق الأمثل للقضاء على دولة العدو الصهيوني
القدس في نظر أشد اليهود تطرفًا هي مدينة مثل بقية المدن لا يجب الانسحاب منها إلا بالقوة.
▪ جلال الدين عز الدين علي (●).
باحث في الشؤون الصهيونية. (●)
لا يمكن الحديث عن القدس كمدينة ذات طبيعة خاصة تميزها عن مجمل أرض فلسطين المحتلة، إلا في سباق دراسة البُعد الديني في الصراع العربي - الصهيوني، والمقصود هنا بدراسة البُعد الديني لا ينصرف إلى التدقيق في القرآن المحفوظ بحفظ الله أو في التوراة والإنجيل المحرفين، أو روابط المسلمين وغيرهم بالمدينة، ولكن دراسة هذا العامل كجزء من تركيبة هذا الصراع والأطراف المتورطة فيه، وخاصة على المستوى الصهيوني الداخلي، في إطار توظيف الدين لخدمة الأهداف السياسية. وهذا هو الإطار الأنسب للتعامل مع قضية القدس من وجهة نظري التي قدْ تختلف عن كثير من الكتابات الشائعة التي تتناول وضع المدينة المقدسة.
توظيف الدين لخدمة السياسة: ولعلنا نبدأ بالحديث عن مسألة توظيف الدين لتحقيق أهداف سياسية؛ حيث عمدت الصهيونية اليهودية في أوليات تاريخها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين إلى استقطاب تأييد اليهود لها، من خلال إكساء المشروع الصهيوني العلماني الجوهر والسياسي الهدف رداء دينيًا يسهل على اليهود المستهدفين بالترانسفير «التحويل والترحيل» من أوروبا الشرقية إلى فلسطين قبول هذا المشروع الذي كانوا يعارضونه وينظرون إليه بتوجس شديد، سواء لعلمانيته أم لانتمائه إلى الدول الاستعماريةالغربية، وهو ما يستهدف تصفيتهم بحق.
والثابت أن الصهيونية كانت مشروعًا لتحويل اليهود «الشرق - أوروبيين» بالذات من بلادهم إلى فلسطين أو أي مكان آخر للتخلص مما يسببونه من مشكلات ومنافسة لليهود الغربيين المندمجين في مجتمعاتهم، وما يخلقه ذلك من تهديد لمجتمعاتهم الغربية المستقرة ذات الأغلبية المسيحية؛ ولذا تعاون اليهود الغربيون مع حكوماتهم لتحويل هذا الفيض من اليهود «الشرق - الأوروبيين» من أوروبا إلى مكان آخر، أما سبب عدم اندماج يهود شرق أوروبا في مجتمعاتهم مثل: يهود أوروبا الغربية فكان انغلاقهم وتمسكهم بالتقاليد الدينية اليهودية؛ «ولذا أصبح هؤلاء اليهود ذوو الأصول اليهودية الشرقية أكثر يهود العالم نقمة على الدين والمتدينين إلى الآن وحرصًا على العلمانية، على عكس يهود أوروبا الغربية الذين لا يكنون للدين مثل هذا العداء»؛ ولذا كان من اللازم على المشروع الصهيوني «العلماني الاستعماري العنصري الغربي» أن يستخدم خطابًا ملائمًا للتعامل مع عقلية هؤلاء اليهود «الشرق أوروبيين» الدينية التقليدية، فألبس خطابه ذلك الرداء الديني، واستشهد بالتاريخ اليهودي في فلسطين والقدس التي ربما لا تربطهم بها في الحقيقة أيَّ صلات تاريخية، من أجل تأمين تأييدهم للمشروع الصهيوني وانخراطهم فيه فاسمت الصهيونية الهجرة الاستعمارية إلى فلسطين بأنها: "عودة" إلى «أرض الميعاد» وأنها «عالياه» أي صعود، وأن الهجرة المضادة لليهود من فلسطين هي عملية «ياريداه» أو هبوط، ووظفت الحنين التاريخي اليهودي إلى القدس في خطاب الصهيونية ونشيدها الذي أصبح النشيد الإسرائيلي بعد إقامة الدولة، وهكذا.
ومع ذلك كان التأييد اليهودي للصهيونية ضعيفًا في البداية، ومن أجل زيادة التأييد تم تشكيل حزب المزراحي كحزب ديني صهيوني في ١٩٠٢م، الذي تحول إلى الحزب الديني القومي في ١٩٦٥م، ولا يزال قائمًا حتّى الآن، ويسهم بقوة في بناء المستوطنات في مناطق فلسطين المختلفة.
والغريب أن معظم القيادات الفكرية للمسلمين -وكذا القيادات السياسية- قد وقعت في الخطأ ذاته، حينما أخذوا ينشغلون بالقدس والمقدسات وتفنيد الخطاب الصهيوني بشأنها، تاركين جوهر الأمور وهو المشروع الاستعماري الغربي في بلادنا العربية والإسلامية.
وقد ترتب على هذا الخلل في منطلق التناول للاحتلال الإسرائيلي للقدس خطأ آخر وهو تبرير ذلك الاهتمام الخاص بالقدس دون غيرها بالعمل على استنفار همة المسلمين في مختلف أنحاء العالم باعتبار أن القدس قضية المسلمين جميعًا، وهو خطأ مزدوج؛ لأن حيفا أيضًا لا بُدَّ أن تكون قضية المسلمين جميعًا، بحكم الشرع الذي يوجب على الأمة بكاملها الجهاد لتحرير أيّ جزء مغتصب من أرضها، والدفاع عن كرامة أيّ مسلم في العالم، كما فعل المعتصم في عمورية انتصارًا لكرامة امرأة مسلمة، ومن ناحية أخرى؛ لأنهم بذلك لم يفعلوا أكثر مما فعلته الصهيونية من قبل بتوظيف الدين لتحقيق أهداف سياسية، في حين إن المنطق الإسلامي يستهدف توظيف الحياة جميعًا لخدمة الدين وإعلاء رايته ونشردعوته.
وهناك مشكلة ثالثة تتعلق بمنطلق التناول هذا، وهي الخطأ في ترتيب الأولويات؛ حيث يبدو أن القدس كانت بمثابة عامل الاستنفار للهمم الإسلامية لتسريبها بعيدًا عن قضية أخرى ربما هي بمنطق الحكمة السياسية لا تقل أهمية عن القدس، وهي بالتحديد قضية اللاجئين الفلسطينيين التي يخفت ذكرها تمامًا في عمار الانهماك في قضية القدس، وما يثور حولها من استفزازات لا تتوقف كالاقتحام الأخير للمسجد الأقصى.. فقد نشأ الكيان الصهيوني بناءً على مقولة صهيونية كاذبة، ولكنها تمثل العمود الفقري للمشروع الصهيوني، وإستراتيجية ثابتة للحفاظ على وجوده وتطوره، وهي شعار «أرضبلا شعب لشعب بلا أرض»، الذي كان يعني في التطبيق العملي تفريغ فلسطين من سكانها وملأها بالمستوطنين اليهود والمتهودين ومدعي اليهودية، وباختصار الصهيونيين والمستعدين لخدمة الصهيونية أيًا ما يكن دينهم؛ ولذا فإن عودة اللاجئين الفلسطينيين وتفريغ فلسطين من المستوطنين الصهاينة هو الطريق المنطقي والأمثل للقضاء على هذه الدولة، ولو أن اهتمام المسلمين وغضبهم وضغوطهم أنصبت على إعادة مليون واحد فقط من ملايين اللاجئين الخمسة إلى فلسطين المحتلة، لذابت هذه الدولة، وعادت القدس ويافا وحيفا وتل أبيب إلى التراب الإسلامي منذ زمن بعيد، ولعلنا نفتح أعيننا على السلوك الإسرائيلي في قضية اللاجئين لندرك حجم هذا التهديد وإدراك الصهاينة لخطورته على وجودهم في هذه المرحلة بالذات التي يشكل فيها المليون فلسطيني الموجودين داخل ما يسمى أرض ١٩٤٨م صداعًا مؤمنًا للدولة الصهيونية فيما يتعلق بأمنها وهويتها وأولوياتها، رغم كونهم أقلية مستضعفة ومهمشة ومقهورة.
وما أقوله هنا لا يعني ولا يستهدف التقليل من شأن المدينة المقدسة وأهميتها وقداستها. ولكنه يدعو إلى فهم آليات قيام الدولة الصهيونية واستمرارها، وآليات القضاء عليها التي تعيد القدس في النهاية وهي وغيرها من أجزاء التراب الإسلامي، طالما أن الهدف هو تحرير هذه المقدسات وليس التنافس في إظهار البلاغة والاستحواذ على مشاعر الجماهير المسلمة تحقيق أغراض سياسية.
الصراع الإسرائيلي الداخلي وقضية القدس
الموقف الديني اليهودي من القدس هو أنها مكان للعبادة، وأن سلطة اليهود السياسية عليها لا تكون إلا عند مجيء الماشيح «أي المسيح اليهودي» الذي يقيم الدولة اليهودية، وأن محاولة اليهود لإقامة هذه الدولة بالقوة هي بمثابة اغتصاب للخلاص الرباني الذي سيجيء به الماشيح، وهذا الموقف لم تزل تتبناه جماعات يهودية في فلسطين، وإن كانت شديدة الهامشية ومحدودة التأثير مثل: جماعة نطوري كارتا التي يسكن أتباعها حي ميا شعاريم في القدس، ويقاطعون الدولة ومؤسساتها وخدماتها، ويحتفلون في ذكرى اغتصاب فلسطين بارتداء السواد، والقيام بمظاهرات، يحرقون خلالها الأعلام الصهيونية ويرجمون الدوريات الصهيونية بالحجارة تمامًا كما يفعل الفلسطينيون.
وما عدا ذلك من مواقف اليهود الإسرائيليين لا يخرج عن نطاق الدعاية الصهيونية وتوظيف الدين لخدمة السياسة الاستعمارية العلمانية المخالفة للدين، وتتدرج فيه المواقف حيث يبدو أقرب المتدينين الصهاينة إلى موقف نطوري كارتا هو حزب أجودات يسرائيل اليهودي الغربي اللا صهيوني، وقد أعلن زعيمه في مناسبة ما، وفي إطار الصراع مع السُلطات الصهيونية العلمانية، أنه يفضل الحياة الدينية في القدس أو قريبًا منها تحت سيادة عرفات ودولته التي ستقوم، على الحياة تحت قيادة علمانية!، فالمهم ليس تحت سيادة من يعيش، ولكن كيف يعيش ويحمي القيم اليهودية.
القوى الدينية الرئيسة الأخرى هي شاس والمفادل وكل منهما يستمسك بالقدس عاصمة موحدة للكيان الصهيوني، أو للشعب اليهودي كما تزعم الصهيونية، ويخالفان بذلك الأصل الديني المنادي بانتظار الماشيح وعدم إقامة الدولة بالقوة لأنهما ببساطة قد اندمجا في الصهيونية في جانب تعاملها مع الفلسطينيين والعرب، واحتلال الأراضي واستيطانها، وإن كانا -وخاصة شاس- يرفضانها في جانب التربية والثقافة، ويحاولان إضفاء طبيعة دينية على الحياة العامة في الدولة، وهما يستخدمان القدس من ثم كوسيلة لحشد أكبر تأييد لمواقفهما السياسية في إطار الصراع على السلطة، شأنهما شأن أي حزب علماني، وبالنسبة إلى شاس بالذات، فإنه حزب يهودي شرقي أكثر من كونه حزبًا دينيًا، والزيادة الصاروخية في نسبة تأییده «من 4 مقاعد إلى ۱۷ مقعدًا خلال الفترة من ۱۹۸۸م إلى ۱۹۹۹م ليصبح ثالث حزب بعد العمل والليكود وبفارق مقعدين فقط بينه وبين الليكود»، ترجع إلى تمثيله اليهود الشرقيين وتلبية احتياجاتهم الاجتماعية من ميزانية الدولة عن طريق ابتزاز قيادات الحزبين الصهيونيينالكبيرين عند تشكيل الحكومات والتهديد بقلبها وإجبارهم على خوض انتخابات مبكرة، وليس بسبب تدينه.
بني إيلون زعيم أكثر الأحزاب الإسرائيلية العلمانية اليمنية تشددًا وتوظيفًا للدين في خدمة السياسة حتى إنه ليدعو إلى ضم الضفة الغربية وقطاع غزة إلى الكيان الصهيوني، والتعامل مع مشكلة سكانها الفلسطينيين وتهديدهم لطابع الدولة اليهودية من خلال ترحيلهم، هذا المتطرف ذكر القدس في قانون سياسي مستمد من الدين -أفتت به الزعامة الدينية لحزب شاس أيضًا- يقضي بأن حياة الإنسان أثمن من الأرض، وأنه في هذا السياق يجب على الإسرائيليين ألا يكرروا مأساة ماسادا، عندما أبت مجموعة من اليهود الاستسلام وقتلوا جميعًا في قلعة ماسادا على أيدي الرومان، ولكن إذا كان بقاؤهم في الأراضي المحتلة يهدد حياتهم، فعليهم تسليمها للفلسطينيين، وذكر أنه لا يستثني من ذلك القدس، وإذا كان هذا القول يمكن أن يفهم منه استعداد إيلون «أو زعامة شاس أيضًا» للتسوية في القدس وغيرها، فإن هذا هو ضد ما يقصده إيلون تمامًا، فهو يقول ببساطة إننا يجب ألا نخلي أي مكان إلا إذا كنا على وشك الهلاك! ومادام ذلك غير قائم فلا داعي للتنازل عن شبر واحد من الأراضي المحتلة! وهو الموقف ذاته الذي يتخذه أنصار أرض إسرائيل الكاملة. ويتسق مع مطالبة إيلون بضم المناطق المحتلة وترحيل الفلسطينيين! وقد ذكر هذا القانون في معرض انتقاده الانسحاب من جنوب لبنان، فكيف الحال بفلسطين والقدس؟!
والشاهد هنا أن القدس في نظر أشد دعاة التطرف الإسرائيلي السياسي المغلف بالدين هي مدينة مثل بقية المدن لا يجب الانسحاب منها إلا بالقوة، وهذه هي حقيقة الموقف الإسرائيلي بأكمله، التي تمثل أيضًا قاعدة سليمة لنا في تحليل الصراع العربي - الإسرائيلي، والتعامل معه، فما الذي يجبر إسرائيل على الانسحاب دون أي مكسب إلا بالقوة؟.
الاستيطان في القدس وغيرها
إن الكيان اليهودي ليس دولة عادية، ولكنها دولة صهيونية وليدة المشروع الصهيوني الغربي، ولا يمكن أن تنفصل عن السياق الحضاري الاستعماري الغربي، ولم تنشأ نشأة طبيعية بسبب وجود شعب يتطور في أرضه وتعبر الدولة عن رابطة ما بين هذا الشعب وبين أرضه، وتعتبر بمثابة جامع لهم يحافظون عليه لقيمته التاريخية - الاجتماعية - الثقافية، ويتفانون في خدمته دون مقابل، ولكنها نشأت على شكل مشروع أو جمعية يسهم فيها كل فريق بما يستطيع، ويحصل على الربح المناسب لإسهامه في نهاية العملية الإنتاجية، وإلا فإنه ينسحب ويقض الشركة.
ومن هنا ارتبط كثير من الأحزاب السياسية القائمة في الكيان الإسرائيلي بأصول مماثلة في أوروبا، سواء في ذلك الأحزاب الدينية أو العلمانية، وكانت كلها تمارس الاستيطان في فلسطين تمهيدًا لإقامة الدولة بتمويل من الدول الغربية والوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية العالمية، ومن ثمّ فإنّ المشاركة في استيطان الأرض وإرهاب سكانها وملئها بالمستوطنات هو رأس المال الذي يتحدد على أساسه وزن كل فريق في السياسة الصهيونية ومستوى تأثيره، ونصيبه من عائد هذه العملية الإجرامية الذي تدفعه بشكل أساسي القوى الاستعمارية الغربية إلى الآن. ومن هنا كان من الطبيعي أن تسهم الأحزاب الدينية وغير الدينية بمافيها أكثر الأحزاب تأييدًا للتسوية في خارج إسرائيل، والمساواة والديمقراطية في الداخل في مشروع الاستيطان المختلفة، وتتعاملي عن تطرف المستوطنين وإرهابهم الذي يتعارض أحيانًا مع مسيرة الدولة السياسية والاستراتيجية، ومن هنا تأتي المزايدة على القدس وغيرها، في إطار الصراع السياسي القائم.. وتمثل القدس بالذات مادة مهمة لإلهاب المشاعر وحشد التأييد الداخلي لكل فريق، إلى جانب تأييد يهود العالم، وربطهم بالباطل بإسرائيل كممثل للشعب اليهودي، وحارس على المقدسات اليهودية، ولذا يكاد يكون موضوع القدس موضوعًا تتوحد عليه مختلف القوى اليهودية «لأنه رأس مال مضمون الربح».
ولكن للنظر إلى طبيعة العلاقات بين المتدينين والعلمانيين في القدس بالذات لقد حدثت مواجهات ومصادمات عنيفة بين المتدينين والعلمانيين في المدينة المقدسة، واستدعى الأمر تشكيل لجنة قضائية لم يكن هدفها فقط التحقيق في أسباب هذه المواجهات، ولكن أيضًا تحديد نسب السكان من اليهود العلمانيين والمتدينين في المدينة حتى لا يختل التوازن بين الطرفين!! تمامًا مثلما تفعل السلطات الصهيونية في الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين أو اليهود والعرب في المدينة، وأصبحت القدس رمزًا ومعقلًا للمتدينين والهوية الدينية للكيان الغاصب، في مقابل تل أبيب كرمز ومعقل للعلمانيين والهوية العلمانية للدولة.
ومن المنتظر أن يستمر الصراع بين الطرفين حول المدينة -كما هو مستمر ومتصاعد داخل إسرائيل- وتشتعل معه المزايدة على حماية المقدسات اليهودية، إلى أن يتم تحريرها من كليهما على أيدي المسلمين والوطنيين الفدائيين من أبناء فلسطين والأمة المسلمة الذين يعلمون أن القوة هي السبيل الوحيد لاستعادة أراضيهم ومقدساتهم، وإجبار المستوطنين الصهاينة على الرحيل بإقناعهم بأن مشروعهم غير مربح ومكلف، لتعود فلسطين أرضًالشعبها، وليست أرضًا بلا شعب، وهو ما فعلته الانتفاضة الفلسطينية ولم تزل تفعله ولو بمجرد إلقاء الحجارة وحبس المستوطنين في بيوتهم ومستوطناتهم عندما تشتعل الطرق ويصبح الخروج خطرًا على حياتهم.
دليل عمل للمسلم تجاه القضية الفلسطينية
د. عصام العريان
حرکت انتفاضة الأقصى الأخيرة مشاعر المسلمين في أنحاء العالم، وساعدت القنواتالفضائية والمحطات التليفزيونية وغيرها من وسائل الإعلام على معايشة القضية ساعة بساعة بل لحظة بلحظة، وجاء مشهد استشهاد الطفل محمد جمال الدرة في أحضان أبيه وهو لا يملك الدفع عنه ليؤجج ويلهب المشاعر والأحاسيس.
إلا أنه يبقى بعد ذلك تساؤل مُلِح: وماذا بعد الانفعال؟ وماذا بعد التعاطف؟ وينشغل بال المسلم الحق بسؤال: ماذا أفعل لنصرة هؤلاء الأبطال المجاهدين؟
وهذه محاولة متواضعة للإجابة عن التساؤل لعلها تقدم بداية لكل مسلم غيور يريد إجابة شافية عن أسئلته الحائرة.
العِلم قبل العمل
يقتضي واجب الوقت أن نقدم في البداية وسائل الدعم الممكنة لهؤلاء المجاهدين المرابطين في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، كل الدعم الذي نستطيعه بالمال والعتاد والعدة.
إلا أننا تؤثر هنا في دليلنا هذا للعمل أن نبدأ بالترتيب الصحيح وهو أن نبدأ بالعلم قبل العمل؛ حيث قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ (سورة محمد: ۱۹)، فقدم الله العِلم قبل الاستغفار، والعِلم المطلوب هنا هو معرفة أبعاد القضية الفلسطينية وجذورها وتطوراتها، وهذا له إجمال وتفصيل، ويكفي الآن لمن غابت عنه أبعاد القضية أن يدرك حقيقتها على الإجمال قبل أن يتطرق إلى التفاصيل المتعلقة بها.
ومن جملة ما ينبغي معرفته:
- إن هذه القضية في قضية المسلمين المركزية الأولى، فالعدو فيها واضح، والحكم الشرعي لا يلتبس على أحد والطريق لوضع حل لها -رغم كل التطورات- هو الجهاد في سبيل الله، فليست فلسطين قضية قومية أو قضية وطنية، بل هي قضية إسلامية، وكل الخسائر التي حلت بها كانت نتيجة اختزالها جزءًا جزءًا حتى وصلت في النهاية إلى تعليقها في رقبة السلطة الفلسطينية التي لا تملك قرارها الميداني، بل هيمحاصرة بالدبابات الصهيونية.
- إن معركتنا مع الصهاينة الغاصبين لأرض فلسطين معركة وجود لا معركة حدود، ليست على بضعة كيلو مترات هنا أو هناك، بل هي على كل أرض فلسطين الطاهرة، والتدليل على ذلك يكفي التساؤل عن مصير 4 ملايين لاجئ فلسطيني أو يزيد وكل الشرائع تكفل لهم حق العودة، فهل تتسع أرض فلسطين للشعب الفلسطيني صاحب الأرض والحق أم للمزاعم الصهيونية التي تريد عودة كل يهود الشتات إلى أرض الميعاد وعددهم يربو على الـ ١٥ مليونًا في العالم؟!
- إن الشعب الفلسطيني قدم ولا يزال يقدم قوافل الشهداء وقد أسقطت انتفاضة ٨٧ من قبل وانتفاضة الأقصى الحالية كل المزاعم الخبيثة التي روجت لمقولة إن الفلسطينيين تنازلوا عن أرضهم وباعوها للقضية.. هذا على الإجمال ما ينبغي على كل مسلم معرفته حتى ينطلق بعد ذلك إلى التفاصيلوالتاريخ والمستقبل.
وقد يتساءل المسلم: من أين أستقي هذا العلم بالقضية الفلسطينية، والإجابة أن هناك العديد من الكتب والمصادر تملأ المكتبة الإسلامية ومراكز الدراسات الفلسطينية بخلاف أشرطة الفيديو والكاسيت يجد فيها من يريد الاختصار أو التفصيل غايته ومراده.
وهنا أنبه إلى ضرورة المتابعة المستمرة لتطورات الأحداث من خلال وسائل الإعلام المختلفة للوقوف على آخر أخبارها وتطوراتها، مع اليقين أن هذه قضية مستمرة وحيّة تتجدد أحداثها كل يوم ولن يحسمها جهاد جيل واحد.
الانفعال بالقضية
بعد العلم بأبعاد القضية الفلسطينية إجمالًا وتفصيلًا يكون الانفعال بها ومعها ومظاهر الانفعال كثيرة أهمها:
- أن ينشغل بها بال المسلم على الدوام.
- أن يجتهد المسلم في الدعاء لأهل فلسطين بالرحمة لشهدائهم، والشفاء لمرضاهم، والمواساة لأهلهم، وللمواظبة على ذلك فليخصص كل مسلم سجدة في كل صلاة - تطوعًا أو فريضة للدعاء لأهل فلسطين بالثبات والنصر، وليجتهد أن يخصص وقتًا من السحر قبيل صلاة الفجر للدعاء لهم.
- أن يقوم كل مسلم بواجب التوعية بالقضية الفلسطينية في المحيط الذي يعيش فيه أسرته الصغيرة وعشيرته الأقربين، جيران السكن، زملاء العمل، أصدقاء العمر، وبقدر الصدق في الانفعال بالقضية يكون التأثير في الناس كبيرًا، وكلما أزداد التأكيد على المعاني بتكرار الحديث إلى الناس والإلحاح في الدعاء ترسخ الاهتمام بالقضية الفلسطينية في النفس وأزداد الشعور بخطورتها وأهميتها.
دعم المجاهدين
وهذا هو الهدف النهائي الذي يسعى إليه المسلم، وينبغي على كل مسلم أن يستحضر نية الجهاد في سبيل الله لتحرير المقدسات الإسلامية وفي مقدمتها المسجد الأقصى الشريف الذي باركه الله تعالى، وجميع الأراضي التي باركها الله من حوله وهي أرض فلسطين وفي مقدمتها بيت المقدس، ويكفي في البداية استحضار نية الجهاد والغزو في سبيل الله "من لم يغز ولم تحدثه نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية» مع تجديد هذه النية على الدوام".
وصور الدعم كثيرة ومتنوعة، ومن رحمة الله تعالى بنا أن جعل لكل مسلم سبيلًا للمشاركة في نصرة الحق الضائع على أرض فلسطين:
- الدعم المباشر: بالمال والعتاد: وهذا للموسرين والأغنياء والقادرين، ولا يجوز أن يحرم المسلم نفسه من بركة هذا الدعم، فليخصص كل أسبوع أو شهر مبلغًا من المال يقدمه دعمًا للجهاد في فلسطين.
- الدعم غير المباشر: ومنه الدعم الإعلامي بالدعاية لقضية فلسطين والعمل على تحريك المشاعر نحوها، وتأييد المجاهدين في سبيل تحرير الأقصى السليب، بالحديث عنها والكتابة إلى الصحف والمجلات والمداخلات في الإذاعات والتليفزيونات، وتوزيع ما يستطيعه من مواد إعلامية ودعائية حول قضية القدس والمسجد الأقصى وأرض فلسطين.
- الضغط الشعبي على الحكومات لاتخاذ مواقف عملية لدعم جهاد الشعب الفلسطيني وهنا ذروة تفاعل المسلم مع القضية، وبقدر وعيه بأبعاد مشكلة فلسطين وانفعاله الدائم بها ودعايته المستمرة من أجلها يكون إدراكه لأهمية هذا الجهد المطلوب للضغط على الحكومات العربية والإسلامية.
فدور الحكومات دور رئيس لا يمكن إغفاله أو إهماله:
- فهي التي يمكن أن تتيح مناخًا عامًا من التعاطف مع الشعب الفلسطيني يعظم من المساعدات الشعبية.
- وهي التي تمتلك أدوات الدعم العسكري الهائلة التي يمكن أن تعدل موازين القوى على أرض فلسطين.
- وهي التي تستطيع مد يد العون بالمال والإعلام الحكومي المؤثر.
- وهي التي تستحوذ على الأدوات الدبلوماسية كافة لمخاطبة حكومات العالم وشعوبه.
- وهي في النهاية التي تستطيع تحرك الجيوش لتحرير فلسطين.
وما يمكن رصده هنا في هذا المجال المهم والخطير:
1- العمل على تحرير إرادة الشعوب والحكومات العربية حتًى تمتلك قرارها الحر وإرادتها السليمة، وهذا يقتضي أن تكون هناك ديمقراطية حقيقية يستطيع المواطن في ظلها أن يختار حكومته وبرلمانه الذي ينقل نبضه الحيّ ويترجم آماله ومشاعره في صورة سياسات وقرارات تنفيذية.
2- الإعداد بعيد المدى كي تمتلك الأمة العربية والإسلامية أدوات القوة التي تمكنها من حسم الصراع مع العدو الصهيوني وطرده من أرض فلسطين الطاهرة -أرض النبوات- التي باركها الله تعالى ونبراسنا في ذلك قول الحق تبارك وتعالى:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (سورة الأنفال: 60).
وهذا الإعداد سيطول به المدى وقد يستغرق أكثر من جيل إلا أن نتيجته محسومة لصالح المؤمنين: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (سورة الحج: 40).
وذهبت سنوات التطبيع هباًء منثورًا
حازم غراب
مرت حوالي ٢٥ عامًا على بداية التطبيع الرسمي للعلاقات بين الكيان الصهيوني ومصر، استخدم العم سام فيها ذهبه ومساعداته لتشجيع التطبيع، وحثَّ على استخدام العصا والسجون لكل من قاوموه، وبلغ الأمر مداه باختراع تهمة «الإساءة إلى دولة صديقة» لكل من احتج على اختراق دولة الصهاينة لاقتصاد مصر وثقافتها وزراعتها وإعلامها.
حتى الأطفال البراء في بعض المدارس، مورست عليهم عمليات غسل دماغ، فيما سمي «بذور السلام»؛ حيث جرى إغراء بعض أولياء الأمور في مصر والأردن والمغرب بإرسال أطفالهم إلى معسكرات مشتركة مع أطفال صهاينة إلى الولايات المتحدة، على أمل أن تسفر معايشة الأطفال معًا عن أن تنبت هذه البذور البشرية جيلًا ممسوح الذاكرة ممسوخ الهوية تجاهالعصابات الصهيونية المحتلة.
لقد كان البعض من الغيورين على تاريخنا ومقدساتنا وفلسطيننا، يشعر بالقلق من بعض مظاهر نجاحات مبالغ فيها لأنشطة تطبيعية قليلة، ورغم إدراكنا أن هذه الأنشطة «مدفوعة» وأن القائمين بها مجرد مرتزقة، حتى لو كانوا عناصر نخبوية في المجتمع، إلا أن مشاعر القلق كانت تتزايد وبصفة خاصة من استهداف عمليات التطبيع المكثفة للمناهج التعليمية؛ حيث بلغت أحيانًا درجة حذف اسم فلسطين ووضع اسم «إسرائيل» على خريطة المنطقة، أو حذف بطولات وسير الصحابة والتابعين أو المعاصرين ضد خيانات اليهود والصهاينة الممتدة من عصر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وحتى اليوم.
وفي ظل مشاعر القلق تلك، يشاء العلي القدير أن ينتفض إخواننا وأبناؤنا وبناتنا في القدس ثم في فلسطين المحتلة كلها ضد الصهاينة، وتسيل الدماء الزكية، وإذ بشعوبنا العربية والإسلامية تتجاوب مع انتفاضة الأقصى تجاوبًا لم يكن يتوقعه أكثر المتفائلين باستمرار جذوة الجهاد في ظروف العولمة، نقول: يشاء العلي القدير أن يكون أطفال المدارس -بنين وبنات- ضمن المتظاهرين يوميًا وبعفوية وحماس ضد الغطرسة الصهيونية واحتجاجًا على قتل أقرانهم الفلسطينيين وجرحهم بالعشرات بل وبالمئات..
حتى أطفال الأسر الغنية التي حدث أن أغوتها معسكرات وسفريات «بذور السلام»، لم تتمالك نفسها، وهي ترى انتفاضة الأقصى ومقتل وجرح الأطفال الفلسطينيين وإذا ببعض هؤلاء الأطفال في ناد كنادي الصيد المصري بالقاهرة يفترض أنه يضم أبناء الطبقة الراقية، يقومون بخلع الفانلات الداخلية البيضاء ثم يرسمون عليها العلم الصهيوني ليدوسوه بالأقدام ويحرقوه بمنتهى العفوية.
في مؤتمر الأحزاب والقوى الوطنية الذي انعقد مؤخرًا بالقاهرة التقيت رجل أعمال وسياسيًا سابقًا مرموقًا، كان والد أحد أطفال بذرة من بذور السلام المزعوم وإذا بهذا الأب الثري المرموق يطالب بأن يسمح النظام المصري بتدفق المتطوعين للجهاد في فلسطين ضد العصابات الصهيونية التي تدنس الأقصى، ولما أبديت اندهاشا وقلت له إنك يا سيدي أدرى الناس بعدى الرعب الرسمي من مثل هذه الخطوة، فوجئت به يتمنى أن تبدأ الحملات للضغط علي النظام لإجباره على الإقدام على هذا الإجراء، فضلًا عن طرد السفير الصهيوني واستعادة السفير المصري من تل أبيب.
الخلاصة أو الدرس الذي أثلج صدور الأمة مِمَّا جرى في الأيام الماضية من مظاهرات احتجاجية ألفية، بل ومليونية كما في المغرب، وفي كل المستويات العمرية هو أن قرابة ٢٥ عامًا من التطبيع بالإغواء، أو التهديد، لم تنفع في تحويل مشاعر السخط والكراهيةضد الصهاينة وشرورهم.
لقد ضاعت جهود وسنوات التطبيع هباًء منثورًا ولم ينفع ذهب العم سام، ولم تنفع العصا والسجون أو الاتهام بالإساءة إلى دولة صديقة!
هذا الدرس، يجب أن يخضع لتحليل علماء الاجتماع والسياسة في الولايات المتحدة، والكيان الصهيوني وفي بعض المراكز الاستراتيجية المرتبطة بهم في بلادنا، ومالم يفهم كل هؤلاء مغزى الغضب الجماهيري الكاسح، بما فيه «الغضب الطفولي»، فيحسن بهؤلاء الأكاديميين التطبيعيين، وأمثالهم أن يبحثوا لأنفسهم عن وظيفة أخري كان يقفوا حراسًا أو بالأحرى «بوابين» على مدرجات كليات الاقتصاد والسياسة والاجتماع ورحم الله استاذنا د. حامد ربيع الذي ظل يعتبر بعض «البوابين» في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية أكثر فهمًا من بعض أساتذة التطبيع والتصفيق والخيانة الوطنية.