; الرئيس الأرجنتيني وعنقاء مُغْرِبْ | مجلة المجتمع

العنوان الرئيس الأرجنتيني وعنقاء مُغْرِبْ

الكاتب محمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 02-أغسطس-1994

مشاهدات 61

نشر في العدد 1110

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 02-أغسطس-1994

لن تنتظر دائرة «نسيم الصباح» في الموساد الإسرائيلي والتي هدفها إنقاذ اليهود أينما تعرضوا للخطر، إذن الرئيس الأرجنتيني «كارلوس منعم» للتحرك للإمساك بمرتكبي حادث الاعتداء على الجمعية اليهودية في ١٨ يوليو ١٩٩٤م، حيث نادى الرئيس «منعم» في صحيفة «يديعوت أحرونوت» يوم ٢١ يوليو ١٩٩٤م داعيًا المخابرات الإسرائيلية «الموساد» إلى التحرك بمطلق الحرية في الأرجنتين للإمساك بمرتكبي الحادث، فالموقف يشكل حرجًا للرئيس الأرجنتيني بإظهار عجزه، وأنه غير قادر على حفظ الأمن في بلاده، خصوصًا بعد حادث انفجار السفارة الإسرائيلية في «بيونس إبريس» ۱۷ مارس ۱۹۹۲م.

إلا أن جوهر القضية أن الموساد دخل من الباب الخلفي قبل أن يؤذن له بالدخول من الباب الرسمي، لقد كان الموساد متغلغلًا في أجهزة المخابرات الأرجنتينية منذ فترة طويلة، وقد أثمرت تلك الجهود عن اختطاف «أدولف إيخمان» رئيس مكتب الأمن الهتلري من أحد شوارع «مبيونس إبريس» في مايو ١٩٦٠م حيث نقل سرًا إلى إسرائيل بإشراف أيسير هاريل، وتمت محاكمته في إبريل ١٩٦١م، أما کامل أمین ثابت (إيني كوهين) اللبناني الأصل فهو بضاعة موسادية أرجنتينية، صدرت إلى دمشق في ١٩٦١م، وقاد أخطر عملية تجسس ضد سوريا، واخترق أعلى المستويات القيادية، ورشحه الرئيس أمين الحافظ لمنصب وزير الدفاع، كان بن جورين يتخذ قراراته السياسية الهامة على أساس التقارير التي كان يرسلها كوهين من دمشق.

والاهتمام البالغ الذي يوليه الرئيس منعم للموساد ناتج من الدور الهام الذي قام به الموساد في تدريب جهاز الأمن الأرجنتيني «سيدي»، أضف إلى أن إسرائيل كانت ولا تزال مصدراً جيداً للأسلحة بالنسبة للأرجنتين، ولعل الرئيس «منعم» يتذكر عميل الموساد «شاؤول ايزنبرغ» الذي قبض عليه متلبسا ببيع مفاعلات (CANDU) النووية الكندية للأرجنتين في عام ١٩٧٦م.

كما ينسجم هذا الاهتمام أيضاً مع الدور الإسرائيلي الاستثماري في الأرجنتين، والذي تنامى بعد زيارة الرئيس الإسرائيلي، وتم فتح المجال للرساميل الإسرائيلية للمساهمة في معالجة (٦٠) مليار قيمة ديون خارجية للأرجنتين، لكن تاريخ اليهود في الأرجنتين قديم؛ فقد تأسست أول جمعية صهيونية عام ۱۸۹۷، حيث توجد أكبر جالية يهودية في العالم في الأرجنتين حتى فكر اليهود يومًا ما بأن تصبح الأرجنتين الوطن القومي لهم، وهناك أكثر من (٢٠) منظمة صهيونية مع فروع (دأيا) اتحاد الأحزاب الإسرائيلية، ومن هنا نعرف أهمية هذا البلد للموساد، والجدير بالذكر أن محرر «الديلي تلغراف»، ريتشارد ينسون- قد عرض في أحد تقاريره والتي استقاها من دفاتر الاستخبارات الأمريكية التي سقطت بسقوط السفارة الأمريكية في إيران أن الموساد تعتمد على المجموعات اليهودية المختلفة والمنظمات اليهودية في الخارج؛ لتجنيد العملاء والحصول على معلومات عامة، يساعدها في ذلك الطبيعة الأيديولوجية للصهيونية التي أكدت على أن جميع اليهود ينتمون لإسرائيل.

كما يذكر فيكتور أوستروفسكي ضابط الموساد السابق الذي هرب وكتب كتابه «عن طريق الخداع» يقول: يوجد آلاف المساعدين للموساد في مختلف أنحاء العالم، ففي لندن وحدها مثلًا يوجد حوالي ألفين من النشطين، وخمسة آلاف غيرهم في القائمة.

كما يخطئ أوستروفسكي بعض السياسيين قائلًا: إنهم لا يدركون أن الموساد تعتبر جميع أقطار العالم، ومنها أوروبا والولايات المتحدة أهدافًا، ويتابع قوله: إن مختلف بيوت ومكاتب السفراء والقادة العرب في نيويورك وواشنطن قد زرعت الموساد فيها شبكات تجسس إلكترونية، ودلل أوستروفسكي أن «إسرائيل» من خلال هذه الشبكة استطاعت الضغط على الولايات المتحدة لاستقالة أندرويانغ- السفير السابق للولايات المتحدة في الأمم المتحدة، بسبب لقاءه مع مسئول فلسطيني (زهدي الطرزي) عام ١٩٧٩م، وكان ذلك بالتصنت على المحادثة التي تمت بين السفير الكويتي في واشنطن سابقًا (عبد الله بشارة) وأندرويانغ والتي تم من خلالها تنظيم هذا اللقاء.

وقد نشرت صحيفة «الواشنطن بوست» عام ۱۹۸۲م أن عملاء إسرائيليين يعملون في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في فنزويلا، والمكسيك، ونيكاراغوا، وكوستاريكا، وبيرو، وكولومبيا، والدومينكان، وبنما، وأكوادور، وما قصة الجاسوس «مجوناثان بولارد» اليهودي الذي عمل في مكتب الاستخبارات التابع للبحرية في «میرلاند» بالولايات المتحدة عنا ببعيد.

وللموساد علاقات مع مجموعة «كيلودات» وتضم مجموعة مخابرات من دول السوق الأوروبية، وشكلت مع المخابرات التركية، والإيرانية (السافاك) منظمة (ترايدنت) من خلال مشاهدات عملية واستقصاءات ميدانية، كتب المؤلفان الشهيران بكتب الفضائح (أندرو كوكبيرن وليسلي كوكبيرن) كتابهما الشهير (علاقات خطرة القصة الخفية للعلاقات السرية الأمريكية الإسرائيلية) فمن خلال هذه التجربة العملية كشفا عن العلاقات المبكرة للموساد في أمريكا الوسطى والجنوبية، وأنه من خلال عمليات التدريب والتسليح وتجارة المخدرات تغلغلت إسرائيل وجهاز الموساد، فمنذ عهد سوموزا الأكبر في نيكارغوا إلى عهد ابنه كانت الإمدادات لا تتوقف ومن خلال تعليم «إسرائيل» لكبار الضباط في اثني عشر بلدًا من بلدان أمريكا اللاتينية استطاعت أن تكون علاقات ثمينة؛ حيث قاموا بما لا يقل عن (١٦٠) زيارة «لإسرائيل» بين عامي ١٩٦٤- ١٩٧١ وبعضهم أصبح رئيسًا لبلاده، مثل: كانديا (بوليفيا) وغارسيا (غواتيمالا) وبابتسيتا (البرازيل)  وكان عضو الكنيست الإسرائيلي «ماتيتيا موبيليد» صريحًا عندما قال: في أمريكا الوسطى تشكل إسرائيل وكيل الولايات المتحدة للأعمال القذرة.

لقد قامت «إسرائيل» بتدريب الكونترا والدوار الساندنيين، وزودت النظام الإجرامي في غواتيمالا بكمبيوتر «تاديران» الذي سهل عمليات القتل الرهيبة للأبرياء.

لقد عبر الضابط الإسرائيلي «أميل سعادة» والذي قام بتدريب عصابات القتل في نيكاراغوا وغواتيمالا عن طبيعة الموساد عندما سُئل: «كيف يكسب الإسرائيلي معيشته» أجاب بشكل مهذب «يقتل الناس». 

وأسوق للرئيس «منعم»، وهو العربي الأصل، وإلى بعض الزعماء قول الصولي عن مشائخه سمعت المعتضد بالله يقول: عجائب الدنيا ثلاثة اثنتان لا تُريان، وواحدة تُرى، فأما اللتان لا تُریان فعنقاء مغرب، والكبريت الأحمر، وأما التي تُرى فابن الجصاص (۱).

 ولو صدق الرئيس كارلوس منعم لقال: إن التي ترى هي الموساد، (عنقاء القرن العشرين) وكانت العرب إذا خبرت عن هلاك شيء وبطلانه تقول: «طارت به عنقاء مُغْرِبْ». 

1-هو أبو عبد الله بن الحسين الجساس الجوهري، وكان يقال له: قارون الأمة لفرط يساره، وكثرة أمواله، وكان أجهل الناس إلا في الجوهر. 

(*) نائب رئيس التحرير

الرابط المختصر :